26 أيار 2026 | 13:49

أخبار لبنان

لبنان: ضحية الجغرافيا والتسويات الإقليمية المتكررة

لبنان: ضحية الجغرافيا والتسويات الإقليمية المتكررة


بقلم : مروان داغر

في كل مفترق طرق إقليمي حاد، يجد لبنان نفسه مجدداً في قلب العاصفة، يدفع أثمان الصراعات والتسويات التي تُعقد فوق أرضه أو على حسابه. ليست المسألة مجرد “لعنة جغرافيا” أو تعبير أدبي عن سوء الحظ التاريخي، بل نمط سياسي متكرر جعل من هذا البلد الصغير ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، منذ تأسيسه وحتى اليوم.

ومع تصاعد الحديث عن تفاهمات أو تسويات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، يعود القلق اللبناني القديم إلى الواجهة: هل سيكون لبنان مرة جديدة خارج أي اتفاق فعلي، فيما تُترك ساحته مفتوحة أمام التصعيد؟

خلال الأشهر الأخيرة، شهد الجنوب اللبناني تصعيداً إسرائيلياً ملحوظاً تمثل في غارات مكثفة وتوغلات محدودة وارتفاع حدة المواجهة مع حزب الله، بالتزامن مع استمرار الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران حول ملفات المنطقة. وفي ظل احتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تتزايد المخاوف من منح حكومة بنيامين نتنياهو هامشاً أوسع لاستكمال عملياتها العسكرية ضد حزب الله، من دون أن يكون لبنان جزءاً حقيقياً من أي تفاهم إقليمي شامل.

حتى في حال سعت إيران إلى إدراج الجبهة اللبنانية ضمن أي اتفاق مستقبلي، فإن التجارب السابقة توحي بأن الضمانات غالباً ما تبقى شكلية، فيما يستمر لبنان بدفع الكلفة الأمنية والاقتصادية والسياسية وحده.

تاريخ طويل من دفع الفواتير الإقليمية

هذا الواقع ليس جديداً على اللبنانيين. فمنذ أزمة عام 1958، ظهر بوضوح كيف يمكن للصراعات الإقليمية أن تتحول سريعاً إلى انقسام داخلي لبناني. آنذاك، انعكس الصراع بين مشروع الرئيس المصري جمال عبد الناصر القومي العربي والمحور الغربي الداعم لـ“حلف بغداد” على الداخل اللبناني، ما أدى إلى اضطرابات مسلحة انتهت بتدخل أمريكي مباشر عبر إنزال قوات المارينز في بيروت.

ثم جاءت أحداث “أيلول الأسود” في الأردن عام 1970، حين خرجت الفصائل الفلسطينية المسلحة من الأردن وانتقلت بثقلها العسكري إلى لبنان. وكان “اتفاق القاهرة” عام 1969 قد شرّع عملياً الوجود المسلح الفلسطيني في المخيمات اللبنانية، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسام الداخلي وخلق بيئة متفجرة مهّدت للحرب الأهلية عام 1975.

الحرب اللبنانية نفسها لم تكن مجرد صراع داخلي بين الطوائف والقوى السياسية، بل تحولت سريعاً إلى ساحة مواجهة إقليمية ودولية مفتوحة. وبعد اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، انتقل جزء كبير من ثقل الصراع العربي-الإسرائيلي إلى الساحة اللبنانية، خصوصاً مع الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما تلاه من تدخلات سورية وفلسطينية وإسرائيلية ودولية متشابكة.

وعندما أُبرم اتفاق الطائف عام 1989 لإنهاء الحرب الأهلية، بدا للبنانيين أن مرحلة جديدة بدأت. لكن حرب الخليج الأولى غيّرت موازين القوى الإقليمية، فنتج عنها تفاهم أمريكي-سوري غير معلن منح دمشق نفوذاً واسعاً في لبنان مقابل مشاركتها في التحالف الدولي ضد العراق. وهكذا، دخل لبنان مرحلة الوصاية السورية التي استمرت حتى عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانطلاق “ثورة الأرز”.

لاحقاً، جاء اتفاق الدوحة عام 2008 كتسوية جديدة أوقفت الانفجار الداخلي، لكنه كرّس بدوره منطق إدارة الأزمات عبر التوازنات الخارجية، لا عبر بناء دولة قوية قادرة على فرض سيادتها الكاملة.

هل يتكرر السيناريو اليوم؟

اليوم، يبدو لبنان مرة أخرى أمام المشهد ذاته: تصعيد على الحدود الجنوبية، انقسام داخلي، دولة ضعيفة، واقتصاد منهار، فيما تُدار المفاوضات الإقليمية والدولية بعيداً عن الإرادة اللبنانية الفعلية.

الخطر لا يكمن فقط في احتمال توسع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، بل أيضاً في أن يتحول لبنان إلى ساحة ضغط متبادلة ضمن أي تفاوض أمريكي-إيراني مقبل. فالتاريخ اللبناني الحديث يُظهر أن التسويات الكبرى في المنطقة غالباً ما كانت تأتي على حساب استقرار لبنان أو سيادته.

ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة كلها بالعوامل الخارجية وحدها يبقى تبسيطاً مفرطاً. فضعف الدولة اللبنانية، والانقسامات الطائفية، وارتهان القوى السياسية لمحاور الخارج، كلها عوامل داخلية ساهمت في جعل لبنان هشاً وقابلاً للاختراق.

بين دروس الماضي ومخاطر المستقبل

قد يستمر الوضع الحالي ضمن إطار “الحرب المنخفضة الكثافة” بين حزب الله وإسرائيل، وقد يتطور إلى مواجهة أوسع إذا انفجرت التوترات الإقليمية بشكل مباشر. كما تبقى احتمالات الانقسام الداخلي قائمة، خصوصاً في ظل الجدل المتصاعد حول سلاح حزب الله ودور الدولة والجيش.

لكن الثابت في كل المراحل السابقة أن الرهان اللبناني على الخارج لم يؤدِّ يوماً إلى استقرار دائم. فكل تسوية إقليمية كانت تؤجل الأزمة أكثر مما تحلها، فيما بقي لبنان الحلقة الأضعف والأكثر تعرضاً للاهتزاز.

لبنان ليس مجرد دولة صغيرة على هامش الشرق الأوسط؛ إنه مرآة لتوازنات المنطقة كلها. وإذا لم يتمكن اللبنانيون من بناء دولة قادرة على تحييد نفسها عن صراعات المحاور، فسيبقى البلد معرضاً لأن يدفع، مرة بعد أخرى، ثمن تسويات الآخرين وحروبهم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

26 أيار 2026 13:49