إيقاعٌ متسارع فرض نفسه على المشهد خلال ساعات قليلة، فنُقلت البلاد من مساحة توتر مفتوح بين رئيس الجمهورية جوزف عون و”حزب الله” إلى تباين سياسي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بعدما وصف الأخير مواقف عون بغير الدقيقة، في توصيف لم يمر كعبارة عادية، إذ حمل في طياته مؤشرًا واضحًا إلى حجم الالتباس داخل دوائر القرار.
هذا الاشتباك بقي في حدوده المرتبطة بتنسيق المواقف بين الرئاستين، من دون أن يتصل مباشرة بملف التفاوض مع إسرائيل، غير أن دلالاته تجاوزت الإطار التقني، لتكشف عن ثغرة أعمق في إدارة المرحلة حيث تتقدم التباينات على حساب بلورة مقاربة موحدة قادرة على مواكبة الاستحقاقات الداهمة.
ضمن هذا السياق، لم يعد انعقاد لقاء “الترويكا” في بعبدا واردًا وفق توقيته السابق، ليحل الاتصال الهاتفي بديلاً أقل صلابة يعكس تعثر محاولات التهدئة، في ظل انقسام داخلي يقيد قدرة لبنان على توحيد موقفه قبيل أي مسار تفاوضي مرتقب في واشنطن.
توازيًا، برز موقف النائب حسن فضل الله حاسمًا في رفض أي طرح يعيد إحياء “الحزام الأمني” جنوبًا، معتبرًا أن بعض الخيارات المطروحة تفتقر إلى الغطاء الوطني، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد يتراكم فيه التباين أكثر مما يتجه نحو الاحتواء.
وفي قراءة دستورية وسياسية متكاملة، يؤكد النائب السابق محمد الحجار عبر موقع “الحقيقة”، أن التنسيق بين رئاسة الجمهورية وعين التينة والسراي الحكومي قائم في ما يتصل بملف المفاوضات، مشددًا على أن حدود الصلاحيات مرسومة بوضوح ولا تقبل أي تجاوز، ولا سيما تلك العائدة لرئيس الجمهورية في هذا الإطار، ويشير إلى أن أي مسار تفاوضي، سواء أفضى إلى معاهدات أو اتفاقات لا يكتسب مشروعيته إلا عبر مجلس الوزراء، على أن يُحال، تبعًا لطبيعة مضمونه وأبعاده، إلى مجلس النواب لاستكمال مساره الدستوري.
ويشدد الحجار على ضرورة اقتران هذا التنسيق بمنح رئاسة الجمهورية الصلاحية الكاملة في إدارة هذا المسار، بما يحفظ التوازن المؤسساتي ويؤمن الحد الأدنى من الانتظام السياسي المطلوب في لحظة حساسة.
وفي ما يتعلق بالسياق الدولي، يلفت الحجار إلى أن ما صدر عن وزارة الخارجية الأميركية في ما خص وقف إطلاق النار، يتقاطع مع ترتيبات سابقة تعود إلى اتفاق تشرين الثاني 2024 بين لبنان وإسرائيل خلال حرب إسناد غزة، مشيرًا إلى أن ثمة جوانب لم يُكشف عنها، في مقابل ما أُثير حول تفاهمات غير معلنة أو رسائل متبادلة عبر الإدارة الأميركية، بدأت معالمها تتضح تباعًا.
ويضيف أن الفارق اليوم يكمن في أن الموقف أُعلن بشكل مباشر عبر بيان رسمي، غير أن هذا البيان في جوهره، لا يرقى إلى مستوى الاتفاق أو الإطار الملزم، إنما يعكس إعادة تأكيد على توجهات الإدارة الأميركية حيال إسرائيل والوجود في الجنوب ،أو ما تعتبره واشنطن إجراءات فيما يُنظر إليها لبنانيًا كاعتداءات.
وسط ذلك كله، يطرح الحجار السؤال المحوري: لماذا جرى إدخال البلاد في حرب عبثية مدمرة، وإلى متى يستمر وجود سلاح خارج إطار الدولة اللبنانية؟ مسألة يضعها في صلب الإشكالية القائمة، معتبرًا أن استمرار واقع لا يلتزم فيه طرف بقرارات الدولة ومؤسساتها الدستورية أمر لم يعد قابلًا للاستمرار.
ويخلص إلى أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصرًا بيد الدولة، معبرًا عن أسفه لكون “حزب الله” يتلقى توجيهاته من الحرس الثوري الإيراني ما يجعله، وفق رأيه، غير آخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية اللبنانية، في ظل ارتباط كامل بتوجهات طهران وهو واقع بات مكشوفًا أمام الجميع.
خلاصة الموقف، كما يعبر عنها الحجار، أن المرحلة تستدعي من جميع الأطراف، وخصوصًا الحزب، الانخراط في مسار يقدم المصلحة الوطنية العليا على ما عداها، كمدخل وحيد لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية.




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.