في لحظة كانت فيها شركات السيارات اليابانية، وعلى رأسها "تويوتا موتور كوربوريشن"، تحقق توسعاً مستقراً ومربحاً في أسواق الشرق الأوسط، جاءت الحرب المرتبطة بإيران لتكشف هشاشة هذا النموذج عبر ضربه من جهتين في آن: تعطّل قنوات التصدير نحو المنطقة، وارتفاع تكلفة ومخاطر الحصول على المواد الأساسية، وعلى رأسها الألمنيوم. غير أن الصورة الدقيقة، وفق المعطيات المتاحة، لا تشير حتى الآن إلى انهيار واسع في الطلب النهائي، بل إلى اختناق لوجستي وإمدادي بدأ ينعكس مباشرة على الإنتاج والتكاليف، وقد يتحول إلى ضغط فعلي على المبيعات إذا طال أمد الأزمة.
تكمن أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى اليابان في حجمه ودوره المركّب. بلغت صادرات اليابان من السيارات إلى المنطقة في عام 2025 نحو 2.4483 تريليون ين، أي ما يعادل قرابة 16 مليار دولار، بإجمالي 820 ألف مركبة، وهو أعلى مستوى مسجل. واستحوذت المملكة العربية السعودية على 753.3 مليار ين من هذه الصادرات، بينما بلغت حصة دولة الإمارات العربية المتحدة 710.7 مليار ين، مع استقبال البلاد وحدها نحو 390 ألف مركبة، في مقابل نحو 220 ألف مركبة للسعودية. ولا تقتصر أهمية الإمارات على كونها سوقاً استهلاكية، بل تمتد إلى كونها مركزاً رئيسياً لإعادة تصدير السيارات، ولاسيما المستعملة، إلى أفريقيا وأسواق أخرى، ما يجعل أي اضطراب في الخليج العربي يتجاوز حدودها الجغرافية.
في هذا السياق، كانت "تويوتا" الأكثر انكشافاً نسبياً. فقد صدّرت الشركة 320 ألفاً و699 مركبة من اليابان إلى الشرق الأوسط في 2025، بزيادة 5.4 في المئة على أساس سنوي، وهو ما يمثل أكثر من 15 في المئة من إجمالي صادراتها من اليابان. هذا الاعتماد النسبي المرتفع يفسر لماذا ظهرت آثار الأزمة عليها بسرعة. مع تصاعد المخاطر في الممرات البحرية، ولاسيما المرتبطة بمضيق هرمز، بدأت شركات الشحن تعيد حساباتها، ما أدى إلى تأخيرات في نقل المركبات إلى المنطقة. ونتيجة لذلك، قررت "تويوتا" خفض إنتاج السيارات الموجهة إلى الشرق الأوسط بنحو 40 ألف مركبة خلال شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) 2026. هذا القرار لا يعكس ضعفاً في الطلب بقدر ما يعكس صعوبة إيصال المنتج إلى السوق.
هذا التعطّل في الشحن يخلق سلسلة من التداعيات. تتراكم المركبات في المصانع أو الموانئ، ما يضغط على جداول الإنتاج، بينما يتباطأ تجديد مخزون الوكلاء في دول الخليج، الأمر الذي قد يؤدي لاحقاً إلى نقص في المعروض إذا استمر الوضع. كذلك تتأثر تجارة السيارات المستعملة، التي تعتمد في شكل كبير على الإمارات كمركز لإعادة التصدير، ما يضرب شبكة توزيع أوسع تمتد إلى خارج المنطقة.
في موازاة ذلك، تواجه "تويوتا" وبقية الشركات اليابانية تحدياً آخر لا يقل خطورة يتمثل في الألمنيوم. تعتمد اليابان على الشرق الأوسط لتأمين نحو 30 في المئة من وارداتها من الألمنيوم الأولي والسبائك، وهو معدن أساسي في صناعة السيارات، يدخل في العجلات ومكونات المحركات والهياكل الخفيفة. ومع تصاعد الحرب، ارتفعت العلاوات التي يدفعها المشترون اليابانيون إلى ما بين 350 و353 دولاراً للطن في الفصل الثاني من 2026، بزيادة تراوح بين 79 في المئة و81 في المئة مقارنة بالفصل السابق، وهي أعلى مستويات منذ أكثر من عقد من الزمن. لكن اضطراب الشحن والضغوط التي تتعرض إليها منشآت إنتاج رئيسية في الخليج تجعل المسألة لا تقتصر على الأسعار، بل تمتد إلى استقرار الإمدادات نفسها، ولاسيما أن المنطقة تساهم بنحو تسعة في المئة من الإنتاج العالمي للألمنيوم.
على الرغم من هذا التأثر، لا تعتمد سلسلة إمداد "تويوتا" الأساسية في معظم مكوناتها على الشرق الأوسط كمصدر مباشر، بل تستند إلى شبكة عالمية ذات مركز ثقل ياباني واضح. في مجال الشرائح الإلكترونية وأنظمة التحكم، تؤدي شركة "دينسو" دوراً محورياً، إلى جانب شركات مثل "رينيساس" التي توفر رقائق متقدمة تُستخدَم في أنظمة السلامة والقيادة. أما في المحركات ومكونات منظومة الحركة، فتبرز شركات مثل "تويوتا إندستريز" و"آيسن"، اللتان تصنّعان المحركات وناقلات الحركة ومكونات أساسية أخرى. وفي الأنظمة الداخلية، مثل المقاعد والفلاتر، تتولى "تويوتا بوشوكو" هذا القطاع، بينما تنتج "تويوتا غوسي" الوسائد الهوائية والمكونات المطاطية والبلاستيكية. وهذه الشركات كلها يابانية. أما الإطارات فتأتي من موردين مثل "بريدجستون" اليابانية و"ميشلان" الفرنسية و"غوديير" الأميركية، بحسب الطراز والسوق.
هذا يعني أن الحرب لا تضرب سلاسل الإمداد عبر انقطاع مباشر في هذه المكونات، بل عبر قنوات غير مباشرة: ارتفاع أسعار النفط والبتروكيماويات، ما يزيد تكلفة البلاستيك والمطاط، ويرفع تكاليف النقل، ويعطل الشحن. وبذلك تصبح السيارة أكثر تكلفة قبل أن تصل إلى السوق، حتى لو لم يتغير مصدر مكوناتها الأساسية.
تُعرَف "تويوتا" تاريخياً بقدرتها على إدارة سلاسل الإمداد بكفاءة عالية، كما ظهر خلال أزمة أشباه الموصلات في جائحة كورونا. غير أن الأزمة الحالية تختلف في طبيعتها، لأنها تضرب عدة حلقات في وقت واحد: الطاقة، والنقل، والمعادن، والأسواق. وهنا يظهر دور ذراعها التجارية، "تويوتا تسوشو"، التي تعمل في مجالات المواد والكيماويات والتجارة العالمية، وتوفر قدراً من المرونة في إعادة توجيه الإمدادات، إلا أن هذه المرونة تبقى محدودة عندما تكون الأزمة مرتبطة بممرات بحرية حيوية وبسلع أساسية.
ولا يقتصر هذا النمط من الانكشاف على "تويوتا" وحدها، بل يمتد بدرجات متفاوتة إلى بقية شركات السيارات اليابانية. شركة "نيسان موتور"، التي سجّلت نمواً ملحوظاً في مبيعاتها في الشرق الأوسط قبل الأزمة، تعتمد بدورها على المنطقة كسوق رئيسية لسيارات الدفع الرباعي، ما يجعلها عرضة لآثار تعطّل الشحن وارتفاع التكاليف، وإن كانت أقل انكشافاً من "تويوتا" لجهة حجم الصادرات. أما "هوندا موتور" فتملك حضوراً أكثر توازناً جغرافياً، لكنها تتأثر في شكل غير مباشر من خلال ارتفاع أسعار المواد والطاقة. وفي المقابل، تعتمد شركات مثل "مازدا موتور" و"سوزوكي موتور" بدرجة أكبر على أسواق آسيوية ناشئة مثل الهند وجنوب شرق آسيا، ما يخفف نسبياً من انكشافها المباشر على الشرق الأوسط، من دون أن يعزلها بالكامل عن تداعيات ارتفاع التكاليف العالمية. وبذلك، يظهر أن الحرب لا تضرب شركة بعينها، بل تكشف تفاوتاً في نماذج الانتشار الجغرافي داخل الصناعة اليابانية نفسها.
الخلاصة أن الحرب المرتبطة بإيران لا تقطع شرايين "تويوتا" الصناعية مباشرة، لكنها تفعل ما هو أخطر: تجعل البيئة التي تعمل فيها الشركة أكثر تكلفة وأقل استقراراً. هي تضغط في الوقت نفسه على قدرتها على الوصول إلى سوق رئيسية، وعلى تكلفة إنتاجها. وبينما لا يزال الطلب في الشرق الأوسط قائماً، تصبح قدرة الشركة على تلبية هذا الطلب مرهونة بعوامل خارج سيطرتها، ما يجعل هذه الأزمة اختباراً حقيقياً لنموذجها الصناعي العالمي.




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.