صدر عن سماحة مفتي زحلة والبقاع الدكتور الشيخ علي الغزاوي، في خطبة عيد الفطر المبارك من مسجد السلطان يعقوب التحتا، مواقف سياسية ووطنية عميقة لافتة، عكس واقع الألم الذي يعيشه اللبنانيون والعالم العربي، مؤكدًا أن فرحة العيد تبقى منقوصة في ظل ما يحيط بالأمة من أزمات.
استهلّ سماحته خطبته بالإشارة إلى توصيف دقيق لواقع الأمة، حيث تختلط فرحة العيد بمرارة الأحداث، قائلاً:
"إن عالمنا الإسلامي الذي يعيش فرحة اليوم، في طيات هذه الفرحة الآلام والغصة لما يحدث في عالمنا العربي، ولما يحدث في لبنان على وجه الخصوص، حيث يعيش الناس قلقًا ورعبًا، ويُهجَّرون عن بيوتهم وأرضهم".
وشدّد المفتي الغزاوي على أن العيد الحقيقي لا يكتمل إلا بزوال الظلم واستعادة الحقوق، داعيًا إلى قيام دولة عادلة تحتضن جميع أبنائها دون تمييز، وقال: "نريد لوطننا أن يعيش عيدًا حقيقيًا بعيدًا عن الآلام والجروح، وأن يعود للناس ما سُلب منهم، وأن تشرق شمس الحرية والعدالة والمواطنة الصحيحة، فلا تُفضّل الدولة فئة على أخرى، ولا تكون في خدمة منطقة دون أخرى".
وأكد على أهمية الإنماء المتوازن في لبنان، مشيرًا إلى أن "هذا الوطن بتعدديته للمسلمين والمسيحيين، وبكل أطيافه، آن الأوان أن تكون الدولة الحاضنة للجميع، لا أن يكون الشتاء والصيف على سطح واحد" محذرًا من استمرار الظلم أو التراخي في تطبيق العدالة، ومضيفًا: "آن الأوان أن تكون الدولة محمية من خلال العدالة وليس من خلال الجوع والظلم حتى صرنا نقول "ظلمٌ بالسوية عدلٌ في الرعية".
وشدّد سماحته على خطورة الانقسامات داخل الوطن، محذرًا من التداعيات الكارثية للسياسات الرعناء، قائلاً: "لا أن يكون للوطن محسوبيات ودويلات تلوي عنقه وتكسر سلاحه، وتدفع الدولة كلها الثمن بسبب قرارات رعناء لا تأتي لنا بخير، ولا نصر، ولا عز".
وفي موقفٍ حاد، تطرّق سماحته إلى ملف الموقوفين، لا سيما المرتبطين بالقضية السورية، فقال: "إن أول عدالة ينبغي أن تقوم بها الدولة هي إنصاف الذين كانوا مع قضية سوريا من أهلها، والإفراج عنهم حقٌّ لهم، وليس اليوم بل منذ زمن، منذ أن تغيّرت الوقائع هناك".
وأضاف مستنكرًا استمرار احتجازهم:
“كيف يُعقل أن يبقى في السجون من وقفوا مع قضية، ونصروا أهلها، وكان يفترض أن تُردّ إليهم حريتهم منذ سنوات؟ أيُعقل أن تبقى أبواب السجون موصدة في وجوههم حتى اليوم"؟.
وفي تصعيد لافت, وتطرّق سماحته إلى أداء المحكمة العسكرية، منتقدًا بشدّة ما وصفه بمسار الظلم فيها، قائلاً: "أما رأيتم في هذه الأيام الماضية كيف كانت محكمة الظلم، والتي هي باسم مؤسسة، كان لهذه المؤسسة أن تكون حامية للوطن، فينبغي أن تبقى حامية له".
وأضاف داعيًا إلى تصويب المسار وعدم تحميل المؤسسة العسكرية ما لا يليق بها:
"انفوا اسم هذه المحكمة عن المحكمة العسكرية، لأن المحكمة العسكرية هي جزء من وطننا، ولا ينبغي أن يكون هذا الجزء جزءًا من مظلوميتنا".
وشدّد على ضرورة إحقاق العدالة ورفع الظلم، قائلاً:"آن الأوان أن تُكسر تلك الأقفال بعدالة وطني، وبعدالة دولتي، لا نريد لأحد أن يتعالى على الدولة، ولكن نريد للدولة أن تكون هي العادلة، وأن تكون العدالة من خلال مؤسساتها".
وفي تأكيد واضح على مركزية الدولة، قال:
"ليس عندنا مشروع إلا الدولة، ومن كان عنده الدولة مشروعًا ينبغي أن تكون الدولة له حاضنة، ومن كان عنده مشروع غير الدولة ينبغي أن يطيع الدولة".
وتوجه سماحته برسالة مباشرة حول مفهوم الانتماء للدولة، قائلاً: "التنازل للدولة لا يُعد هزيمة، هو ثبات ووحدة وقوة وتلاحم, وهناك من يقول يريد أن ينقلب على الدولة وعلى المجتمع… ينقلب على من؟ على أمك؟ على دولتك؟ على مؤسساتك؟”.
ودعا إلى تجاوز الانقسامات الطائفية والحزبية، مؤكدًا: "لا نريد أن نعيش أرقامًا ولا طوائف ولا أحزابًا متفرقة، بل نريد أن نكون أمة واحدة", مطالبًا كل من أسهم في إضعاف الدولة أن يعود إلى تعزيز قوتها، “لتكون قوية في السلم والحرب".
وعلى صعيد القضايا العربية، أعاد المفتي الغزاوي التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، واصفًا إياها بـ”القضية العملاقة”، داعيًا العالم العربي إلى تحمّل مسؤولياته، ومشيرًا بأسف إلى أن "العالم العربي اليوم يُقصف ممن كان يفترض أن يحميه ونقول ليس هكذا يقابل من أول الإسلام إليكم".
وأكد أن الدول العربية كانت وما زالت ركنا لأمن وأمان العالم فلم تعتد دولنا على أحد.
وختم سماحته بالتأكيد على ضرورة تفعيل العمل المؤسساتي في لبنان، سواء في البرلمان أو في السلطة التنفيذية أو في القضاء، قائلاً:
"عندما يكون القضاء قائمًا على مصالح البلاد والعباد، وعندما تُفعّل المؤسسات، عندها نستطيع أن نقف على أقدامنا، ونخاطب العالم بثقة، وندعوهم للوقوف إلى جانبنا".
وقد صحب سماحة مفتي زحلة والبقاع لصلاة العيد قائم مقام البقاع الغربي الأستاذ وسام نسبيه ممثلا محافظ البقاع سعادة القاضي كمال أبو جودة ورئيس اتحاد بلديات السهل الحاج رئيس بلدية غزة محمد المجذوب ورئيس بلدية السلطان يعقوب الأستاذ محمد أحمد العرة وسيادة العقيد أحمد ساطي قائد سرية جب جنين, ووفد من وجهاء وأعيان البقاع الأوسط والغربي.




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.