#مازن_عبّود
في خضم معاناتنا المستجدة لبنانيا اعرض تجربة اقباط حي الزبالين في القاهرة. هناك حيث تتعرّج الازقة الترابية وسط اكوام النفايات كي تتّسع الحكايات. الفقر المدقع لا يُختزل بالجوع، بل يخرج الرجاء المعدمين إلى حياة أرحب. اقباط الحيّ يعملون في تدوير النفايات والانكسارات لإنتاج بطولات. بؤسهم ليس جامدًا، بل طاقة تنفجر ثورة، فتجسد ما كتب عنه هوغو في البؤساء.
تصل دير سمعان المحفور في الصخر، واهميته الدير انه أصلح الاختلال في الاعتراف الاجتماعي بقيمة عمل الزبالين، فتدرك انّ المسيحية أبعد من الطقوس. اذ انها تمنح الأفراد قدرة على الاحتمال والتجدّد. الزبالون حولوا بؤسهم طاقة حفرت الصخر، فصنعت من الجبل منشأة روحية وفنية وسط النفايات كي تترجم شعورهم بالكرامة بإمامة أباء كنيسة. حولوا القسوة إلى معنى. فمن يستخرجون الرزق من النفايات استطاعوا حفر الجبل قصص كرامة وجمال، فصار المكان مقصدا وتحفة ابتكاراتهم الروحية. ايمانهم اكتمل بالعرق. تقف هناك فتعترف بقيمة الزبالين اجتماعيا، وتنحني امام صناعة الكرامة. تقتنع بانّ الفقر رسالة، وتعاين كيف انّ التحوّل في مزاجهم انتج صلابة وقدرة على تحمّل الصدمات.
مسيحتيهم شبكة دعم نفسي واجتماعي تعزز الصمود. تجربة تتقاطع ولاهوت التحرير في اميركا اللاتينية الذي يفترض بانّ التحرّر ضرورة للخلاص.
ديرهم منحاز للفقراء ومقاوم للبؤس والهشاشة، يتحدّاهما بصمت، لا بانسحاب. أهميته بانه يغالط بنية أخلاقية تُعمّق الانقسام الاجتماعي وتزعزع الكرامة الإنسانية باعتبار المترفين والمتعلمين اعلى مرتبة. مسيحيتهم ليست أداة مواجهة سياسية، بل نمط حياة يقدس العمل بفعل الإنسان المقدّس. ومن منظور نظرية القدرات (Sen, 1999)، توسّع المجال الإدراكي للفرد وتمنحه شعورًا بالفاعلية. فالروحانية ليست إنكارًا للواقع، بل إعادة تأطيره.
حبّذا لو اعادت مؤسساتنا الدينية لبنانيا تأطير واقعنا صمودا بالمثال. فندرك انّ النجاح الاقتصادي ليس انعكاسا لاستحقاق أخلاقي. حبّذا لو نقدر نضالات من لا ينصفهم السوق، فنعترف بهم اجتماعيا فننتج صمودا. فلنتذكر فقراءنا ليس فقط في الطقوس بل ممارسة. غالبية مؤسساتنا الدينية منحازة للنخب وأصحاب الثروات بغض النظر عن مصادر ثرواتهم، تغطيهم وتبرر فسادهم قبليا ومصلحيا. غالبية مؤسساتنا الدينية تعمل في السوق، ولا تمتلك رغبة، ولم تمتلك رؤية او استراتيجية لاستيعاب نازحي سوريا من ابنائها، ولا تمتلك اليوم بنى تحتية لاستيعاب نازحي القرى الحدودية. بعضهم اظهر ومضات لم ترتقي الى مشاريع. ما ينتظرنا كبير ويفرض علينا التعلم!




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.