#مازن_عبّود
للحرب مفاعيل وتداعيات، والمهم أن تتحوّل إلى لحظة وعيٍ هيغلي تدرك أهمية السلام والخروج من ملجأ الماضي لصناعة الحاضر والمستقبل. حروب اليوم، ذات الطابع الجيوسياسي والديني، دفعتني إلى البحث عن نماذج تاريخية للتفاعل أنتجت رغدًا. ويشكّل مجمّع الأديان في القاهرة، في قلب السوق، مثالًا على ذلك، حيث تجاور الكنيسة المعلّقة معبد بن عزرا الذي يقع على بعد أمتار من أول مسجد في مصر (641م).
فقد وثّقت مخطوطات الجنيزا (Geniza)، التي اكتُشفت في المعبد، التفاعلات الاقتصادية اليومية لليهود والمسلمين والمسيحيين آنذاك، ونقلت صورة دقيقة للاقتصاد المتوسطي وشبكات التبادل (Goitein, 1967–1993). فقد تأثّرت السوق بالمجمّع دون أن تتداخل معه.
لم تقم التجارة المتوسطية يومها على إنفاذ مركزي صارم، بل على السمعة، وتكرار التفاعل، والعقوبات المجتمعية. فقد أوضحت سجلات المعبد كيف سجّل اليهود عقودهم لدى المحاكم الإسلامية لضمان إنفاذها، وكيف اعترفت السلطات الإسلامية باستقلال الجماعة اليهودية، فيما اضطلع المسيحيون بأدوار الكتبة والمترجمين ووكلاء السفن. وهكذا نشأت بيئة منخفضة التكاليف التعاملية، أتاح فيها التعدّد الديني للفاعلين اختيار الإطار القانوني الأكثر كفاءة بحسب الظرف، ما وسّع الخيارات المؤسسية وعزّز المرونة الاقتصادية.
لم تعد منطقتنا كما كانت. فقد انتكست تلك الثقة العلائقية التي قامت على القرابة والتلمذة والتعامل المتكرّر، ودعمتها معايير دينية تشدّد على الصدق وأداء القسم، جراء الحروب الاستعمارية، ثم أعقب ذلك نشوء إسرائيل وما تلاه من هزّات. وقد أفقد ذلك المنطقة عمومًا رأس مالها الاجتماعي العابر للأديان، الذي سهّل اندماج مصر آنذاك في شبكات تجارية ربطت الهند واليمن وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا، وعزّز انتشار أدوات مالية متقدّمة كعقود الشراكة.
إنّ قراءة الدين بعدسات العقل، واعتبار الآخر حاجة لا خصمًا، شرطٌ لكي تؤدّي المؤسسات الدينية وظائف اجتماعية–اقتصادية ترفع منسوب الثقة فتصنع سلاما وتسهّل التفاعل التجاري.
لقد لعب مسجد عمرو بن العاص في مصر الوسيطة أدوارًا في القضاء والتعليم وتنظيم الشأن العام، فربط السلطة بالمجتمع، وساهم في الحفاظ على التنوّع.
ولم تنفِ وثائق الجنيزا وجود توتّرات دينية، لكنها اعتبرتها ظرفية؛ إذ إن الصراع كان غالبًا نتاج أزمات سياسية استُخدم فيها الدين للتعبئة، ولم يكن سببًا بنيويًا للصدام. فقد تشكّلت العلاقات بين المكوّنات في السوق والمحاكم والحِرَف، لا في دور العبادة.
وتشكّل التجربة التنموية الإماراتية اليوم نسخة محدثة من هذا النموذج؛ إذ تُظهر كيف يمكن للتفاعل في ظل التنوّع أن يبني رأسمالًا اجتماعيًا ضمن إطار من الحوكمة الرشيدة التي تضمن حقوق الجماعات وتكافؤ الفرص.
إنّ منطقتنا تحتاج اليوم إلى إعادة بناء الثقة بين مكوّناتها، وهو أمر يتطلّب أيضًا تضميد جروح المسألة الفلسطينية، بما يعيد ترتيب العقل وتهدئة الهويات الغارقة، فتزول أسباب التطرّف. نحن بحاجة إلى بناء الحاضر بدل تصدير الأوهام.
فمشروع المواجهة مع إسرائيل ينتكس اليوم، فهل يستطيع المشروع الموازي، الذي تقوده السعودية، تقديم سلام إيجابي يخفض كلفة التبادل ويحقق الرغد؟ العين على إيران، وعلى ما سيجري في إسرائيل بعد انتهاء العمليات: هل ستتغيّر المنطقة؟ وهل ستتمكن الدولة العبرية من إنتاج رابين جديد يحقق سلامًا؟ أم ستستمر أسباب الحروب في تدمير السلام والثقة؟




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.