16 شباط 2026 | 08:57

أخبار لبنان

نكبة طرابلس: حين تفشل المدن في تجديد ذاتها

#مازن_عبّود

وفقJane Jacobs تعتبر المدينة لا الدولة، وحدة التحليل الأساسية في فهم النمو الاقتصادي العالمي. ففي كتابيها "The Economy of Cities" (1969) و"Cities and the Wealth of Nations" (1984)، بيّنت أنّ الثروة تتولّد داخل المدن عبر الابتكار، وتنوّع الأنشطة، وخلق “عمل جديد” يتطوّر لاحقًا إلى صادرات. ووفق هذا المنظور، تنجح الاقتصادات الوطنية أو تتراجع تبعًا لقدرة مدنها على التجدد المستمر.

صاغت جاكوبس أيضًا مبدأ إحلال الواردات (Import Replacement)، حيث تبدأ المدن باستيراد سلع وخدمات، ثم تطوّر تدريجيًا قدرات محلية لإنتاج بدائل عنها. ومع تراكم الخبرة وتكثّف الروابط بين القطاعات، “بالتجاورات الإنتاجية” تتوسع قاعدة المهارات، وتظهر منتجات جديدة قابلة للتصدير. ازدهار المدن، إذًا، ليس مسألة حجم أو كثافة سكانية فحسب، بل قدرة مؤسساتية وشبكية على تحويل الكثافة والتنوّع إلى دينامية ابتكارية مستدامة.

طرابلس لم تتمكن ان تتجدد بل انّ انهيارات مبانيها التي قتلت وشرّدت عشرات العائلات مؤشر لتعثّر اقتصادها. فهي لم تستطع مواكبة التحولات المعاصرة بعد أن بدأت تخسر مزاياها التفاضلية مع حلول الثورة الصناعية الأولى وتأسيس لبنان الكبير. ففشلت في استثمار موقعها الجغرافي، نتيجة الصدمات الأمنية والسياسية والاقتصادية، كما جراء ضعف الحوكمة المحلية، وتراجع الاستثمار في البنى التحتية والخدمات الحضرية، وانكماش الصناعة والأنشطة القابلة للتحديث، مما دفع رأس المال والمهارات إلى الهجرة. هكذا غرقت المدينة في حلقة من الفقر والعجز عن الابتكار والإنتاجية. وها انّ ثورة الذكاء والبيولوجية تحلّ!

ما حدث يتجاوز صيانة أبنية متصدعة ووضع خطط طوارئ وتحديد مسؤوليات، ليكشف اختلالات في البنى المؤسسية والقانونية. تشريعات الإيجارات تنتج انهيارات مبان، وتشريعات البلديات تصنع سلطات هامشية. البلديات أضحت تولّد أزمات بدل حلّها. المطلوب بناء بيئة مؤسساتية تنتج بلديات قادرة، فتتمكّن مدننا من استعادة قدرتها على التجدد. مدننا الكبرى محرّكات النمو، لذا فإن إنعاش الاقتصاد اللبناني يمرّ حتمًا عبر إصلاح بلدي عميق، يفعّل اللامركزية الإدارية والمالية والسياسية الحقيقية، فتمنح طرابلس وبيروت وصيدا وصور وسواها الهوامش اللازمة لتتحول إلى منصّات ابتكار وفضاءات عيش، بدل أن تبقى مساحات سكن وفقر وموت.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

16 شباط 2026 08:57