اعتبر الرئيس فؤاد السنيورة أن "مدينة طرابلس اليوم هي أكثرُ مدينةٍ في لبنان قادرة على لعب دور متجدد وهي تحتاج إلى رؤية ليس فقط أكبر منها، بل يمكن أن تكون لديها الرؤية التي تحاكي رؤية اللبنانيين المبدعين لما ينبغي أن يكون عليه لبنان وقد تكون الفرصة متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، ولا يجوز لنا أن نفرّط بهذه الفرصة".
وقال: "إن الواجب يقتضي منا استنهاض مدينة طرابلس ومنطقة الشمال وإنقاذهما، وتعزيز الأمن والتشديد على استعادة القانون والنظام فيهما، بما يجعلهما جاذبتين ومسهّلتين للأعمال والاستثمارات والمبادرات الجديدة والخلّاقة. كما أنّ الواجب يتطلب منا التشديد مجدداً على أهمية العودة إلى تنفيذ وتحريك كل المشاريع المتوقفة في طرابلس والشمال والتي أعدت سابقا ولم تنفذ أو لم تستكمل، وبعضها لديه التمويل من الصناديق العربية والدولية وبالإمكان إعادة تحريكها".
كلام الرئيس السنيورة جاء صباح اليوم في مبنى جامعة بيروت العربية في المدينة في الجلسة الصباحية من المؤتمر الوطني: "تمكين لبنان: القوى العاملة المهاجرة والإنعاش الاقتصادي في حضور رئيس الجامعة وفاعليات وشخصيات طرابلسية واساتذة الجامعة وحشد من الفاعليات الشمالية.
وقال الرئيس السنيورة: "اعتزازي كبير بتلبية دعوة جامعة بيروت العربية، للمشاركة في هذا المؤتمر الذي ألتقي، من خلاله، مع هذه الباقة المميزة من أبناء طرابلس والشمال، للتداول سوية بهدف الإسهام في بناء استراتيجية عملية لاستنهاض منطقة طرابلس والشمال، وهي المنطقة القادرة على أن تشكِّل منطلقاً ومحركاً للتنمية بأبعادها الوطنية والاقتصادية والاجتماعية، لها ولكل لبنان. لقد تركَّز جلُّ اهتمامي ومتابعتي، وتفكيري، منذ أن دخلتُ العمل السياسي العام، بشكلٍ مباشر، في نهاية العام 1992 إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على وجوب اعتماد طريق الإصلاح والحضّ على تلاؤم لبنان المستمر مع المتغيرات والتحولات، التي باتت تطرق أبوابه بشدّة، من أجل ضمان تحقيق النهوض والازدهار المنشودَين. أذكر أنني عندما قمتُ بزيارة رسمية لسنغافورة في العام 1994، وكنتُ آنذاك وزيراً للمالية في حكومة الرئيس رفيق الحريري، فاجأني وزير المالية آنذاك بقوله: إنَّ سنغافورة انتدبت في العام 1960 وفداً إلى لبنان، لدراسة تجربته وتفحُّص أسباب تقدمه، والعمل على اقتفاء نجاحاته. ذلك لوجود بعض التشابه بينهما، من حيث صِغَرِ المساحة الجغرافية وعدد السكّان وتنوعهم وقدراتهم الحيوية والإبداعية في البلدين، وكذلك من حيث طبيعة العلاقات التي تربط كلاً منهما مع محيطه. والفكرة الأساس التي كانت لدى القيادة السنغافورية آنذاك هي: "كيف يمكن أن نجعل من سنغافورة لبنان الشرق الأقصى، لما كان يُمثِّلُهُ صعود لبنان آنذاك من نجاح كنموذج يحتذى".
أضاف: "في السياق ذاته، أذكر ما سمعته شخصياً من الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم محدِّثاً الرئيس رفيق الحريري، أنّه كان يحلم عندما كان يافعاً بأن تكون دبي مثل مدينة بيروت. إنَّ سر النهوض والازدهار الذي تحقّق للبنان في فترة ماضية، انطلق من ان لبنان عمل وبجد للاستفادة من ميزاته التفاضلية، المتمثلة بالنظام الديمقراطي البرلماني، وبالحريات والانفتاح، والاستقرار السياسي والاجتماعي، والتعليم المتميز لديه، وكفاءة وخبرة أبنائه المقيمين والمهاجرين، والدور الحيوي للقطاع الخاص، والخدمات المتنوعة والمميزة التي يقدّمها. وكذلك بحرصِ أبنائه الدائم على التأقلم والتلاؤم المستمر والكفوء مع المستجدات والتطورات والتحولات التي كانت تحصل من حوله. وفي ذلك السبيل، عمل لبنان على إبراز دوره التاريخي في منطقته، وعلى تعزيز ميزاته التفاضلية، ومن ذلك، في كونه جسراً وبوابةً تفاعلية بين منطقته العربية والعالم. ولقد أثبت لبنان دوره وفعاليته على مختلف الصعد الثقافية، والاقتصادية، والإنمائية، والإعمارية في المنطقة العربية، وفي دول المهجر، على مدى عدة عقود ماضية. وبذلك نجح في وضع نفسه آنذاك على خريطة التطوّر والنمو والحداثة التي كان ينشدها اللبنانيون".
تابع: "ما حدث أنَّ سنغافورة نجحت في بناء نظامها ومؤسساتها وإدارة شؤونها العامة بكفاءة وحوكمة عالية، وجَهِدتْ من أجل الحفاظ على خط سيرها في التحديث والإصلاح والارتقاء مع التلاؤم المستمر مع محيطها في عالم متغير. وهي قد حققت نجاحاً باهراً في تحقيق النمو والتنمية والانضباط والتميز والازدهار الاقتصادي، حتى غَدَتْ من مجموعةِ بلدانٍ شكّلت ظاهرةَ "النمور الآسيوية" في مجال النمو والتنمية والتقدم والازدهار والتكنولوجيات الحديثة. كذلك الأمر في ما تحقّق من تقدّمٍ كبيرٍ واستثنائي في دبي التي نجحت في أن تصبح مركزاً عالمياً للتقنيات وللخدمات المتطورة والمتقدّمة، مستفيدة من الميزات التفاضلية التي أبدعت في احتضانها وتنميتها، ولاسيما في حقول المال والأعمال والتكنولوجيا والفضاء والإعلام والسياحة، وصولاً في هذه الأيام إلى فتوحات الذكاء الاصطناعي. في المقابل، لم يُحَصِّن لبنان نفسه داخلياً من غائلات الزمن ومصاعب المنطقة، بل اندفع أو بالأحرى تمَّ دفعه، وبدون تروٍ أو انضباط إلى الانغماس فيها. وبالتالي، لم يستطع لبنان، وياللأسف، أن يصمد في وجه الصدمات التي أحاطت به ودفعته إلى السقوط في أتون الحروب العبثية والصراعات الداخلية والخارجية المستمرة والمدمرة. ولقد كان من نتيجة ذلك، أن اتجه لبنان نحو الانحدار والتراجع، ولاسيما بسبب فشله في تحويل فسيفسائيته وتنوع مكوناته إلى ميزة تفاضلية لديه في محيطه. ولذلك، وبدلاً من أن يكون تنوُّعُه مصدراً لثراء صيغته الفريدة في العيش المشترك، وتعزيزاً لاستقراره ونهوضه، أصبح تنوعه سبباً لإقحامه في خلافات داخلية وخارجية عميقة ومدمرة. وهكذا تحول لبنان إلى الانغلاق على نفسه بدلاً مما اتّسم به سابقاً من انفتاح مبادر وتطور وازدهار. وبالتالي، فقد تحول نحو الفوضى وتراجع دور الدولة وسلطتها اللذين يفترض بهما أنْ يكونا الضامنَ للأمن والاستقرار. كما أنّه، ومن جهة ثانية، تحول نحو الاستعصاء على الإصلاح، لتصبح صيغته القائمة على التنوع هشة، بفعل الصدمات والأزْمات والحروب الناشبة في لبنان، وعلى لبنان منذ العام 1975. وهي السنة التي شكَّلت اللحظة التاريخية والنقطة المفصلية التي نتذكرها في هذه الآونة لمناسبة مرور خمسين عاماً على الحرب الأهلية. ولقد أدَّى ذلك إلى إجهاض الكثير من محاولات وعمليات الإصلاح التي كان ينبغي على لبنان أن يتبناها، والتي كان يُفترضُ بها أن تشكّل بالنسبة له مصدر حيوية دائمة، وحافزاً للنهوض والازدهار".
أضاف: "صحيح أنّ موقع لبنان الجغرافي كجزء من منطقة جيوسياسة زلزالية، جعله يقبع ضمن ظروف إقليمية ودولية شديدة الصعوبة وعرضة لصدمات عدة، حوَّلته إلى ساحة للتقاتل الداخلي والإقليمي والدولي. إلاّ أنّه، وعلى الرغم من ذلك، لا يجوز على الإطلاق وضع اللوم كلّه على العوامل الخارجية، إقليمية أو دولية. ذلك أنّه كان للعوامل والانقسامات والحزازات والصدامات الداخلية قسطٌ ودورٌ كبيران في ما أصاب لبنان من مشكلات ونوائب، وحال دون سلوكه دروب الإصلاح الصحيح. من أهم الدروس التي كان ينبغي على لبنان في الماضي وحتى الآن أن يستخلصها من تجاربه العميقة والطويلة والمؤلمة في الانخراط في الحروب الداخلية العبثية، وفي الاستعصاء على الإصلاح، انَّ الإصلاح ليس قصيدة عصماء تلقى من على المنابر، أو لازمة نستعملها في أحاديثنا ومناظراتنا السياسية لاكتساب شعبية عابرة، وإنما هو فعل إيمان حقيقي، وممارسة صادقة وواجبة، بكونه حاجة وضرورة تقتضيان من مسؤوليه ومواطنيه عملاً ملتزماً لا يَكِل ولا يَمِلّ ولا يتوقف للمحافظة عليه كنهج. كما تقتضيان الإدراك أنَّ الإصلاح قد يصبح أحياناً كأساً مرَّاً لا مناص من تجرعه، وأنه ليس من الحكمة تأجيله. فنجاعة الدواء تكون بتناوله رغبةً لا إكراهاً وفي وقته، وإلاّ تضاعفت الجرعات التي يحتاجها الجسد المريض. وهذا يتطلّب إرادةً وعزماً وشجاعةً وصبراً وتضحية، وعملاً دؤوباً يحميه موقف سياسي وشعبي جامع على ضرورته".
وقال: "تبين التجارب أنّ الأمم والدول تتبنى برامج الإصلاح، التي هي بحاجة ماسة إليها، وتبادر إلى تنفيذها عندما تكون قادرة عليها، وليس عندما تصبحُ مُجْبرة على تنفيذها. عندها تكون العملية الإصلاحية قد أصبحت أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحاً، كما يكون تنفيذها قد أصبح أكبر كُلفة وأكثر وجعاً وإيلاماً وعُرْضةً للأخطاء، ويزداد السير فيه صعوبة وعسراً، وربما لا تعود العملية الإصلاحية كافية لتأدية الغرض الذي تتوخاه الأمة أو الدولة من الإصلاح. لهذا، فإنَّ الإصلاح ينبغي أن يستند إلى رؤيةٍ مشتركةٍ وشاملةٍ، ترفدُها إرادةٌ صَلْبَة، ويؤازرُها اقترانُ الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري بإصلاح سياسي يحقق الاستقرار بمختلف جوانبه، ويؤدي في المحصلة إلى تحقيق الأهداف المتوخاة والمنشودة من جانب المواطنين. للأسف، لم يحصل الإصلاح المنشود في لبنان كما كان ينبغي. فعلى مدى عقود ماضية، بات لبنان يشكو من استعصاء مزمن على الإصلاح المطلوب، حال بينه وبين الاستفادة من الظروف والفُرَصِ والرياح الداخلية والإقليمية والدولية المؤاتية، وإنْ لم تكن دائماً كذلك. تجدر الإشارة إلى أنه قد أتيح للبنان على مدى عقود ثلاثة ماضية وفي خضم أزْمات مستعصية، داخلية وإقليمية، انعقاد سبع مؤتمرات عربية ودولية لمساعدته، كانت بمجملها سخيَّة. هذا فضلاً عن المبادرة الكريمة للملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بمبلغ ثلاث مليارات دولار أميركي لتجهيز الجيش اللبناني، فلم يستطع لبنان الاستفادة إلاّ جزئياً من مؤتمر باريس-II الذي تمّ التحضير له وانعقاده خلال ولاية الحكومة الرابعة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي كنتُ فيها وزيراً للمالية. بينما جرى تضييع جميع الفرص الأخرى بسبب الاستعصاء المزمن على الإصلاح".
وقال: "لهذا، تُبين التجربة اللبنانية، انَّ المماطلة في تبني الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية والاستنكاف عن القيام بتنفيذها في وقتها، كان لهما دور أساس في لجم معدلات النمو والتنمية الاقتصادية والمناطقية. ذلك ما أسهم في تأخير معالجة المشكلات البنيوية التي ظلَّ يعاني منها الاقتصاد اللبناني، وأدَّى إلى تكبيل الاقتصاد وإرباكه ومنعه من استعمال كامل مقدراته وإمكاناته الكامنة. وهو ما أدّى بالتالي إلى خفض القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني وإلى تراجع ميزات لبنان التفاضلية. ليس ذلك فقط. لقد أدّى الاستعصاء، كما والإيغال في ارتكاب الأخطاء الناتجة عن عدم التبصُّر، إلى ترتيب أعباء هائلة على الاقتصاد اللبناني وعلى المالية العامة. لا أحسبني أُبالغ في التعبير عن الأسى الشديد الذي يَعْتريني من تحسُّر على الفرص التي أُهدرت عبثاً، أكان ذلك بسبب الجهل أو التجاهل أو الحقد والكيد الأعمى والتناحر الداخلي، وبعض الإيحاءات الخارجية، ما كان من شأنه أنْ يعمي البصر والبصيرة، ويؤدّي بالتالي إلى إحداث ذلك التراجع والتدهور الذي حلّ بلبنان، وعلى أكثر من صعيد".
أضاف: "إنّ الخطأ الذي ارتُكِبَ في لبنان لجهة التأخر والتقاعس عن القيام بالإصلاح الذي لا يزال مطلوباً حتى الآن لا يعني انتفاء الحاجة إليه. على النقيض من ذلك، فإنَّ السير في تنفيذه لم يعد ترفاً يمكن أن نستغني عنه، بل أضحى الإصلاح




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.