مازن عبّود-النهار
أدرجت مجموعة العمل المالي لبنان على "القائمة الرمادية" بسبب عدم امتثاله لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. مما سيؤدي الى تفاقم وتيرة المخاطر التي يواجهها القطاع المصرفي والتي ستترجم ارتفاعا في تكاليفه وتراجعا في ميزاته التفاضلية. اقتصادنا الذي ما انتظر الإصلاحات عمل بالكاش خارج اطر النظام المالي العالمي جراء تداعي الثقة بالمصارف وعجز الدولة، وهذا مقلق.
انخراط حزب الله في حرب المساندة واللعبة الإقليمية جعل البلد عرضة للتدقيق والعقوبات والعزل واللوائح. ما جرى يصب في إطار عزل البلد ماليا، وسيؤدي الى تضائل الاستثمارات الأجنبية والتدفقات المالية الشحيحة اصلا. اللائحة الرمادية تكرس واقع لبنان كبيئة مالية عالية المخاطر. ونتائج ذلك ستؤدي الى تآكل احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية وقدرته على الحفاظ على الاستقرار النقدي. قرار يكرس انهاء دور لبنان كمركز ماليّ في الشرق الأوسط. دخل العالم عصر الاقتصاد السياسي الذي نحن نقيم فيه منذ فترة. السوق عندنا ما عادت تصنع السياسات بل المؤسسات السياسية والعوامل الخارجية تكبلها.
شومبيتر تكلم عن النظام المصرفي كعامل أساسي في دينامية الرأسمالية لإرساء التنمية في نظرية التنمية الاقتصادية (1911) والرأسمالية، الاشتراكية والديمقراطية (1942). وذلك بتوجيه الائتمان نحو المشاريع الابتكارية وريادة الاعمال. اعتبر بانّ النظام المصرفي يشكل "المقرّ الرئيسي" للرأسمالية، حيث تجمع مدخرات الأفراد وفائض إيرادات الشركات، وتخصص وفقا لحسابات المخاطر والعائد، فتوجه إلى القطاعات الأكثر ربحية. الائتمان في لبنان ما كان بغالبيته نتائج تراكمية للتنمية السابقة. كما انه لم يوجه الى القطاعات الأكثر ربحية بل الى الدولة الأكثر خاسرة لتغطية نفقاتها. فكان ان فقدت المصارف أهميتها كوسيلة لزيادة النشاط الإنتاجي للكيان الاجتماعي. بل انها موّلت المؤسسات السياسية الاستخراجية التي تعيق النمو، لضمان استدامتها. مما أدى الى الانهيار.
الليبرالية اللبنانية اليوم بخطر. فالسلطة خارج إطار الدولة التي نشأت بموجب الصدمات الجيو-استراتيجية يستحيل التحكم بها لحساب توازن السوق ونموه. ما عادت ليبراليتنا قادرة على تعزيز الحرية الفردية وحماية الحقوق. نجحت بإزالة "مركزية" سلطة الدولة وتفكيك احتكارها، وتوزيع قوتها بين المدخرين والمستثمرين والمستهلكين بالأمس، لكن هذا لا ينطبق على واقع اليوم. اثمان الحروب الجيو- سياسية القضاء على الليبرالية الاقتصادية التي يمكن جعلها مع الاصلاحات قمة الحرية، والحد الخارجي للإبداع السياسي. ما يجري مقلق للغاية!




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.