مازن عبّود-النهار
"غالبًا ما يؤدي النزوح إلى تأثير دومينو من المعاناة والفقر وانعدام الأمن."
أنطونيو غوتيريس
تتزايد اعداد النازحين. أضحوا 1200000 نازحا. يعيشون لدى أقاربهم، في فنادق ومنازل مؤجرة وفي الساحات والمدارس. وبعضهم سافر جوا او برا. الامن العام سجل ما بين 23 حتى 30 أيلول عبور 234023 سورياً و76269 لبنانياً إلى سوريا. بيان منسق الأمم المتحدة أشار الى نزوح أكثر من 300 ألف طفل من منازلهم. فصارت حياتهم كوابيس. يصارعون القلق والموت.
والحرب تتوسع والخوف من تحوّلها اقليمية. لبنان الغد بشر باضطرابات نفسية. الاعتداءات التهمت النمو الذي كان يتوقع ان يكون 1.2 % من الناتج المحلي، فصار ما دون 0.2 %. من اين سيتم توفير الاعتمادات لتسديد فواتير معالجة 10000 جريح في المستشفيات، من سيعيل عائلاتهم ويعوّض عليها فقدان الاب والام والاخوة وتدمير المساكن، كيف ستسترجع القطاعات خسائرها؟
عائلات من الجنوب والضاحية فرّت من دون ملابس. مواطنون مشردون في بلادهم. الازمة إذا ما طالت ستنتج أزمات. الخوف من ان ينهار نظامنا الصحي والتعليمي. النزوح يضاعف التعقيدات، ويدخلنا دوامة العنف. تزايد الضغوط وفقر الحوكمة وشح المساعدات في ظل اقتصاد منهار وبنية بنيوية وتحتية متداعية لا ترحم. ما هو أسوأ من الاضرار المباشرة للاعتداءات الإسرائيلية الفتنة. البلد ليس مجهزا للتعاطي مع هذا الكم من المصائب. أترى من سيعالج الاكتظاظ والانقسام والتوترات؟ النتيجة فقر ودوامة عنف أخشى!
من يعالج ندوب الفظائع التي يعانيها أولادنا؟ إسرائيل بحريها تزرع بزور حروب ابدية لن تنتهي (فوّاز جرجس، 2024). لن تعيد الحرب سكان الشمال الإسرائيلي بل ستضاعف اخطارهم. لا تغتال الأفكار الا بأفكار تنويرية وتنمية وسلام وبحبوحة. وهذا يتطلب ترياقا لازمة فلسطين المحورية، يرتكز على السلام وحل الدولتين. فتعود ورقة فلسطين ونعود الى الحاضنة العربية التي نفتقد دفئها اليوم. فتوضع المنطقة مجددا على طريق النمو، ولا يعود للتوتر موجبات.
أخشى ان تحوّل الحرب مجتمعاتنا الى ثأرية. فيستمر التاريخ في التحكم بالحاضر، ملاحقا المستقبل.
ما يقلقني ليس أعباء تدمير المساكن بل تداعي جودة رأس المال البشري والاجتماعي. ثمة بشر فقدوا او أصيبوا. اضطرابات ما بعد الصدمة سيعاني كثيرون منها طويلا. والاكتئاب سيخفض انتاجيات المصابين لعقود ويستلزم ادوية ومعالجات. كلّ ذلك يوّلد أداء وظيفيا وتعليميا منخفضا، وغيابا متكررا وتركيزا اقل، وقدرة اقل على تحمل الضغوط. مما يفقد أولادنا مهارات أساسية تلزمهم لدخول سوق العمل. أترى من سيقدم للناس خدمات الصحة النفسية الضرورية، وبنيتنا الصحية الاساسية تتداعى جراء شح التمويل، من سيمنع الخروج من البلد؟
النزوح يزيد مخاطر الصراعات. يعزز التمرد الاجتماعي الذي يعدّ مؤثرا خارجيا ينتج فتنة (Salehyan& Gleditsch, 2006). هذا في لبنان، لكن الوضع ليس أفضل في إسرائيل التي يعاد النظر في تصنيفها الائتماني. فقدت راس مالها الا خلاقي والبشري، فصارت الهجرة منها وليس اليها. حربها على لبنان تكبدها 200 مليون دولار يوميا زخائرا بدون احتساب الخسائر.
تكاليف الحرب أكبر من عوائدها الاقتصادية، حان الوقت لإيقافها والبحث عن السلام المربح. "متروكون كأطفال، بخبرة شيوخ. فظّون وحزينون وسطحيون، تائهون... ليس الموت مغامرة لمن يقف في حضرته"، فكأننا في رواية إريك ريمارك "كل شيء هادئ على الجبهة الغربية". عيوننا على الميدان وعلى دبلوماسية الرئيس برّي وكل الخيرين، فهل يستطيعون انتشالنا قبل دمار ما تبقى؟




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.