8 تموز 2024 | 10:11

أخبار لبنان

على مرمى "العصر الحجري"‏

على مرمى

رشيد درباس

هذا الزمان تحَّركَ ما فيه.. حتى الحجر...‏

أحمد شوقي




يعلق في الأذهان أن كلمة العصر الحجري تعني حياة ما ‏قبل التاريخ، أيام كان الحجر سلاحَ الإنسان للدفاع عن ‏نفسه،ووسيلته لصيد الطرائد وقدح النار.هذا اعتقادٌ يهملُ حقيقةَ ‏أنَّالتطورالحضاري الهائل لم يؤدِّ إلى نبذ الحجر، رغم توافر ‏وسائل حديثة أخرى، بل على العكس، فالمدنية كلما تطورت ‏ازداد اعتمادها على الحجر والتراب والدفائن، لأن كنوز ‏الأرض لا تنضب، وأهمها أحجار البناء وأحجار الزوايا.‏

يهددناالإسرائيليون بإعادة لبنان إلى "العصر الحجري" ‏وهذا تعبير مناقض لمقصدهم، لأنهم أعادوا "غزة" إلى العصر ‏‏"اللَّاحجري"، بعد أن دمروا الأبنية كلها، وأحرقوا الخيام، ‏وأسكنوا الأهالي في المساحات الخالية الممتدة بين التشريد ‏والتشريد، فأفقدوهم المأوى والأمان، لكنهم عجزوا عن إفقادهم ‏الحضارة المكتنزة فيهم، فلم يفقد الفلسطينيون بالتالي قدرتهم ‏على استدعاء الحجر مرة أخرى ليشمخ عالياً ومتحدياً الخيبة ‏الإسرائيلية.‏

تقوم الآلة العسكرية الإسرائيلية بمناوراتها على أفضل ما ‏تفعله الجيوش الحديثة، وتتدفق عليها أنواع وسائل الدمار ‏الذكية والمتوحشة، ويتناوب قادتها على رمينا في كل مناسبة، ‏بأن الهول آتٍ، وأنهم يعدون العدة لضرب بيروت بزلزال من ‏نوع جديد يعيدها إلى العصر الذي يكثرون من الحديث عنه، ‏لأنهم ما زالوا يعيشون فيه منذ بدأوا يكدسون خرافاتهم ‏المتعصبة ويرددون أسفار حاخاماتهم، التي تقول إن البشرية ‏نهب لهم وخدم، وأن كل مجتمع لا يرضخ لشهواتهم تحل عليه ‏لعنتهم ولعنة ربهم. وعلى هذا فإن التعبير الصحيح هو (العقل ‏الحجري) الذي عاشوا في يبوسته على مرِّ العصور، فلم ‏يخرجوا من الأسطورة أو الخرافة، بل أمعنوا فيها مدججين ‏بأدوات العصر التي ما زال رعاتُهم، وهم أصلُ ‏مأساتِهم،يزودونهم بها، تنصَّلاً من تهمة معاداة السامية التي ‏نشأت واتسعت في أوروبا، وهي تعيش اليوم حالة من النكوص ‏نحو اليمينية والتعصب.‏

لم تكن في الشرق العربي مسألة يهودية مطروحة كما ‏كانت كذلك في المجتمعات الأوروبية التي بدأت بالانتقال من ‏الحكم الكنسي إلى الحكم العلماني، فدار في القرنين الثامن ‏والتاسع عشر نقاش واسع يتعلق بالوضع والعلاج المناسبين ‏لليهود، بل إن مصطلح (المسألة اليهودية)، كان تعبيراً محايداً ‏عن الموقف السلبي تجاه التفرد المستمر لليهود كشعب على ‏خلفية القوميات السياسة الصاعدة؛ وقد نوقشت في فرنسا هذه ‏المسألة، بعد الثورة الفرنسية، وانتقلت من ثمَّ إلى ألمانيا، عن ‏طريق رسالة (برونو باور) الذي قال إن اليهود لا يستطيعون ‏تحقيق التحرر السياسي إلا إذا تخلوا عن وعيهم الديني، لأن ‏التحرر السياسي يتطلب دولة علمانية، لكن (هرتزل) رأى في ‏العام 1898 أن الحل يكمن في دولة يهودية مستقلة يفضل أن ‏تكون فلسطين.‏

كان لكارل ماركس رأي آخر، لأن المجتمعات المدنية لا ‏تخلو من تأثير الدين فيها- كما في الولايات المتحدة- فأعاد ‏الأمر إلى الدور الاقتصادي لليهود، وخلص إلى أنه يمكن ‏للأفراد أن يكونوا "روحيًّا" و"سياسيًّا" أحراراً في دولة ‏علمانية غير أنهم ملزمون بالقيود المادية على الحرية بسبب ‏عدم المساواة الاقتصادية وهذا ما سيشكل لاحقاً أساس انتقاده ‏للرأسمالية.‏

ما تطرقت لهذه النبذة التاريخية إلا للخلوص إلى أن ‏تواطؤ الغربولا سيما بريطانيا، مع الصهيونية لإنشاء إسرائيل، ‏أدى إلى قيام دولة "حديثة" تشبه النمط الأوروبي، ذاتحياة ‏سياسية برلمانية وأحزاب متشابهة،حيث يختار الاقتراعُ النواب ‏والحكومةَ، التي لها الصلاحيات المطلقة في قيادة جيش بني ‏تحت الرعاية الأميركية البالغة الكرم. والمفارقة أن كثيرا من ‏قادة الجيش يتحولون بعد تقاعدهم إلى قادة أحزاب، لكنهم لا ‏يمارسون الانقلابات العسكرية.‏

في الجهة العربيةصار الكيان المختلق ذريعة كاذبة ‏للانقلابات التي بدأت منذ (حسني الزعيم) من العام 1949 ‏بتدبير أميركي صرف، وراحت تتمدد على غير هدى إلى أن ‏فعلت ما فعلت في الدول العربية الوطنية المحاذية لفلسطين أو ‏القريبة منهافتهتكت الجيوش واستبيحت الحدود، وانقسمت ‏بعض البلاد، وانتحر الاقتصاد، وبقيت مصر في حالة حصار ‏بين السودان النازف المتحارب، وسد النهضة الإثيوبي ‏والفوضى الليبية المستشرية، وتشريد أهل غزة بهدف نقلهم إلى ‏سيناء.‏

هذه إذن حال الدول العربية التي استلهمت النظم الغربية ‏لفترة وجيزة، ثم وقعت تباعاً في الفخ الانقلابي العبثي المدجج ‏بالخطاب ذي النبرة العالية، والجملة الثورية الكاذبة التي ‏ألبستها إياها تنظيمات سياسية توهمت أنها تستطيع أن تمتطي ‏صهوة العسكر للوصول إلى السلطة، فأوقعت بلادها في خيبة ‏لا قرار لها. بالمقابل صَدَّر لنا الغرب "شكلاً ديمقراطيًّا" ‏معززاً بتجارب المؤسسين في بلادهم، وراح يتباهى بأنه أنشأ ‏دولة حديثة في محيط ديكتاتوري متخلف. علماً أن الأصولية ‏بمفهومها المتداول الآن لم تدخل إلى الشرق العربي إلا مع ‏الكيان الصهيوني الذي لا يمت جوهره إلى شكله الزائف، فهذه ‏الدولة قامتعلى فكرة الشعب المختار، والدستور المكتوب بركام ‏الأسفار التي تستبيح الأغيار، ثروةً و أرضاً وإنساناً، ‏وأرواحاً....‏

لقد تحولت أبنية غزة كلها إلى حجارة منهارة فتجلت ‏إنسانية أهلها بأرقى ما سيذكره التاريخ، لأنهم عمروا العراء ‏بصمودهموبطولتهم وتضحيتهم، فيما بقي العمران الإسرائيلي ‏شكلاً موجوداً ومحتوى لم تقوَ الأيام والعقود على زحزحته ‏شبراً عن "حجريته" المزمنة.‏

إن الدولة العبرية التي تسعى حثيثاً إلى صفاء يهودي ‏بحت، ليست مؤهلة مطلقاً لأية تسوية، ولا هي قادرة على ‏السلام، بل إنها المهدرة الدائمة للفرص التي أتيحت لها صلحاً ‏وتطبيعاً وتبادل سفارات.‏

منذ أيام صرح رئيس حزب العمل الإسرائيلي أن حكومة ‏نتنياهو تسعى إلى حرب لا تنتهي، فشهد شاهد من أهلهم، ‏وكذلك شواهد القبور التي تزدحم أصفارها على يمين ‏الأرقام.‏

محاولات التهدئة فشلت تباعاً، وتبادل الأسرى صار ‏معزوفة مملة، و"الانتصار الحاسم" يتريث ربما إلى 7 ‏أوكتوبر جديد، والآلة القاتلة لا تكف عن الدوران، بل هي لن ‏تكف على الإطلاق حتى ينهار البناء الحجري المتخلف ‏والأصولي، الذي تقوم عليه الصهيونية.‏

لقد فاتهم ما الغزة النجلاء، وربما يتناسون المرحلة التي ‏ارتقت فيها فلسطين إلى العصر الحجر، عندما فتحت الأرض ‏ترسانتها التي لا تتضب، لأطفال السليقة، وقالت لهم: اغرفوا ‏مني أسلحتكم وارجموا المحتل بكل ما أوتيتم من سواعد، فكل ‏حصاة هدف صائب، وكل رميةٍ، رعدةٌ في قلوبهم.‏

أعود إلى لبنان المهدد على "الطريقة الحجرية" فأقول إن ‏الحضارة التي لنا أسهم فضلى في تكوينها، لن تتحول إلى ‏مُتَردَّم، فهي أم الحجر لا صنيعته، إذا ترنَّح سندته، وإن هوى ‏أعلته، بل هي متخصصة في لَمِّ ركام الزلازل والأهوال، لكنها ‏لا تسعى إليها بإرادتها، ومن هذا الباب لا ينبغي لها أن تقدم أية ‏ذريعة لدورة جديدة من التدمير الإجرامي .‏

إن العدو لم يكفَّ يوماً عن محاولة التسرب إلى نسيجنا ‏من النقاط الضعيفة والمفاصل الرخوة، فهل نسمح نحن بأن ‏تتحول خطوطنا المتنوعة المتناسقة إلى هشاشة يسهل معها ‏تمزيق هذه العباءة التاريخية؟ علينا أن نعود إلى أصل الأشياء، ‏فلا مفاضلة في الوطنية، ولا تعيير بالتقاعس بل إنني أرىأن ‏بيروتالنابضة بالحياة والسهر والحفلات والشواطئ العامرة ‏بالسابحين (لا سيما شاطىء صور الرائع) أمور توغر صدر ‏العدو وتثير غيرته، ولهذا يرمينا بتهديداته الحجرية، فيما نحن ‏نصد الموت بالحياة.‏

علينا ألا نستبعد العدوان، فهو وارد ولا نخشاه، إلا إذا ‏أهملنا أسس الصدِّ، التي تقومعلى دولة ديمقراطية ورئيس ‏منتخب وحكومة تفكر وتدبر وتجهز وتقرر.‏

تبقى كلمة أخيرة، وهي أن الديمقراطية اللبنانية بالرغم ‏من إصاباتها البليغة تظل مرتعَ خِصْبٍ للأشجار ذات الظل ‏والثمر، أما ديمقراطية العدو فيابسة يبس الخرافة،لأننا أبناء ‏الحقيقة... وهم أبناء الأسطورة.‏ 

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 تموز 2024 10:11