مازن عبّود - اوكسيجين النهار
"تبهرني كثيرا السماء المرصعة بالنجوم من فوقي كما القانون الأخلاقي بداخلي".
ايمانويل كانط
الانسان بدون اخلاق وحش. والدولة بدون اخلاق آلة قمع وطغيان.
تعتبرHarris (1957) بانّ السلطة اوجدت لصيانة الحرية، وليس لإلغائها. لذا، فتحديد عتبة استخدام القوة الزجرية لصيانة مساحات الخير العام بموافقة الناس، تحد كبير. تقاس جودة الحكومات في مدى خدمتها الخير العام، وليس المصالح الضيقة. لا يمكن لاي حكومة الفرض على المجتمع بالقوة وبإصرار ما لا يريده. إسرائيل حاولت فرض نفسها على الفلسطينيين. قوّضت سلطتهم اهملت السلام استثمرت في الحرب وغذّت التطرف. والنتيجة كارثة غزة. ثمة تنسيق بين الاخلاق والسلطة في الدول. إسرائيل تصارع عالميا المبادئ الأخلاقية وليس حماس. رأس مالها الأخلاقي يتداعى. فالدول تنتج سلع أخلاقية كي ترفع معدلات الثقة وتخفض كلفة التبادل في اقتصادها فيمسي تنافسيا. الدول ذات المشروعية الأخلاقية تقلل من استخدام الزجر والمحاكم، فتنخفض كلفة صون الحقوق. ويتراجع استخدام الشرطة والجيوش لفرض الهيبة. تزرع الدول الثقة فتحصد الاستثمارات الخارجية والنمو. ثمة مفاعيل اقتصادية للأخلاق على نمو الدول. إسرائيل تتأثر حاليا عربيا نتيجة ارتكاباتها في غزة. ايقظت مشاعرا مقلقة. امست عبئا حتى على النخب اليهودية. كلفة وجودها بهذا الشكل لا تبرر أسباب بقائها. تخسر معركة الأجيال المقبلة في الجامعات، ولذلك مفاعيل على استدامتها واقتصادها من بوابة الشركات الثقة والاستقرار والادمغة. لزلزال غزة تداعيات ليس فقط على الفلسطينيين ودول الجوار بل عليها. نأمل ان يعيد ذلك تصويب البوصلة، فيدرك الجميع أهمية السلام. ثمة علاقة بين مؤشرات الأخلاق والناتج الاقتصادي. الدول تقاس أيضا بسلوكها الأخلاقي الجاذب او الطارد للاستثمار.
يعتبر Hathaway في العدد الحالي لمجلة Foreign Affairs بانّ معاهدة جينيف وسائر القواعد التي ترعى السلوك في الحروب بخطر، جراء ما جرى في غزة وأوكرانيا من اعتداءات على المدنيين. فمبدأ التناسب في الحروب الذي اقرّ في العام 1977 مطاطي في تفسيره. نصّ على ان لا يكون الضرر الناتج عن العمليات العسكرية مفرطاً مقارنة بالكسب العسكري المباشر المتوقع، مع ضرورة اتباع مبدأ الاحتياط لتجنيب المدنيين. يسمح بقتل من يشاركون في المعارك حصرا. وزارة الدفاع الامريكية وسّعت التفسير وسمحت بتصفية من له اسهامات في القتال او في تعزيز وسائل استدامة القتال. الأضرار الجانبية لاستهداف غزة ربطته إسرائيل بالقضاء على حماس، فقضت على 36000 فلسطيني، ودمّرت القطاع دون ان تنهي حماس. فمقاتلوها لا يرتدون ثياب عسكر، ومن هنا استحالة العثور عليهم. ومن العبثي القضاء على كل الناس. حماس فكر يغذيه العنف والظلم. ولا يعالج الا بالسلم والنمو والتربية.
في أوكرانيا أيضا الثورة التكنولوجية تهدد بمحو الخط القائم بين ما هو مدني وعسكري. فثمة تطبيقات يستخدمها المدنيون على هواتفهم لتتبع الجيش الروسي وكتابة تقارير وتصوير فيديوهات، مما يجعلهم عرضة للاستهداف. كما انّ ثمة جيوش الكترونية بثياب مدنية تحارب سيبرانيا بموازاة الحروب الميدانية. وكل هذا يمحو الخط ويجعل تحييد المدنيين مستحيلا. يقول باتريك نيس "الحروب تصنع وحوشا من الرجال".
لا اعرف كيف سينمو الاقتصاد العالمي في خضم انهيار منظومة القواعد الدولية على كل المستويات.
أخيرا، لا نريد وحوشا بل دولا بسقف أخلاقي مقبول تزرع الثقة، فنحصد الاستثمارات والسلام. آمل ان يخرج من رماد أشلاء الإنسانية في غزة غد أفضل. وهذا يتطلب حماية القانون الأخلاقي في داخلنا.




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.