21 أيار 2024 | 07:27

أخبار لبنان

كي لا ينتقل فشل السوق الى الشركات

كي لا ينتقل فشل السوق الى الشركات


مازن عبّود-ابنهار



لعلّ من حسنات الازمة تقلّص حجم القطاع العام وإعادة بعض التوازن المفقود للاقتصاد. لبنانيا الشركات تناضل للبقاء في ظل سلطة لا تكافئ الأنشطة المنتجة ولا تعاقب الأنشطة الضارة. غالبية شركاتنا صغيرة ومتوسطة تعمل في السياحة والخدمات. اما الشركات الصناعية والزراعية فتتخبط في وسط مناخات غير مواتية للنمو واكلاف تبادل تتزايد وتستهلك من أرباحها.

عالميا، السعي وراء الفعالية الاقتصادية المستدامة في مناخات عالمية مأزومة تشغل اللاعبين الاقتصاديين. يتكلم Scherer (2016) عن انتقال الشركات عبر السياسات الاجتماعية من مبدأ الالتزام بالمعايير الأخلاقية إلى واقع الأنشطة والمشاريع التي بدوافع سياسية. فتعزز بذلك حضورها على مستوى الدول كي تتحكم باللعبة لضمان استدامة وجودها.

في بلد كلبنان تفقد الدولة وجودها وتنحسر السياسات العامة لحساب نمو الجمعيات والسياسات الخاصة. تجد الشركات نفسها امام واقع فرض وجودها وصيانة حقوقها، كي لا تزول. بعض شركات الدولة كأوجيرو تدفع فاتورة عدم فرضها قواعدها فتتقوّض. بينما شركات أخرى كالريجي فرضت قواعدها وحمت حقوقها. انحسار الدولة لحساب منظمات المجتمع المدني يملي على الشركات الانتقال من الإذعان الى القانون العام الصارم الى ابتكار قواعد مرنة اضافية تمكنها من الاستمرار. فالشركات لا تستطيع ان تعزل نفسها عن محيطها. لانّ التركيز فقط على زيادة الأرباح دون النظر الى تعزيز الكفاءة الاجتماعية يجعلها عرضة لعدم اليقين والتغييرات والأزمات (Zingales،2017). فإبقاء القيم الاجتماعية سياجا للربحية ضرورة.

لا يجب ان تخشى الشركات اللبنانية من الدولة بل من المتغيرات ومنظمات المجتمع المدني وقوانين العقوبات. فالمطلوب من الشركات إبقاء "الكفاءة الاجتماعية" وتوازنها مع الأرباح في حساباتها كي لا تتقوّض.

المسؤولية الاجتماعية للشركات والاقتصاد الدائري شكلا موضوع مؤتمر في الدوحة من تنظيم جامعة قطر. زيارة الدوحة التي تستثمر في الرياضة والخدمات المالية والمدن الذكية والاقتصاد المعرفي وتعزيز الابتكار، ضرورة للاطلاع عن كثب على التجربة. فقطر تدرك بانّ الدولة بالمفهوم الاقتصادي الواسع شركة احتكارية تبغي الفعالية الاقتصادية والرغد العام. وهذا ما لا يمكن ضمانه الا من خلال سياسات اجتماعية. فما يبرر احتكار الدول لاستخدام القوة تحقيق الاستقرار الاجتماعي اللازم لتحقيق الرغد الاقتصادي. الدولة القطرية جعلت السياسة الاجتماعية مكوّنا لسياساتها الخارجية لزوم تعزيز وجودها، فتحوّلت لاعبا على طاولة القرار. ومن ليس على الطاولة يتحوّل كلبنان وغيره طبقا يقدم عليها.

تزول الفوارق ما بين الدول والشركات. والازمة بانّ الشركات العملاقة اقوى من بعض الدول. "فظهور الشركات الحديثة ادّى إلى تركيز القوة الاقتصادية التي يمكنها التنافس على قدم المساواة مع الدولة الحديثة" وفق Berle and Means (1932). شركة توتال مثلا اقوى من الدولة اللبنانية، بحيث انها تتحكم بملف التنقيب عن الغاز وتفرض قواعدها وتستثمر في الوقت لمصلحتها. ثمة مؤشرات كثيرة ووقائع في ملف التنقيب تؤشر الى ذلك. الازمة في الشركات العملاقة ليس فقط في عملها خارج الأطر التنافسية للأسواق، بل في تحوّلها الى احتكارية تعدل في سياسات الدول فارضة قواعدها. فثمة تفاعل ما بين القوى الاقتصادية والسياسية بما يسمى ب"حلقة ميديتشي المفرغة".

تحدي شركاتنا اللبنانية مختلف لانّ هدفها ضمان استدامة وجودها في دولة تضعف. لذا، فعليها الحرص على اتباع سياسات اجتماعيات تحصّنها وتقوّي حضورها كي تفرض قواعدها ولا تجعل أسباب فشل السوق تفشّلها. هذا يوجب خلق توازن بين منتوجها الاقتصادي والاجتماعي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

21 أيار 2024 07:27