مازن عبّود-النهار
يقول Italo Calvinoفي كتابه المدن المخفية بانّ "المدن كالأحلام مصنوعة من الرغبات والمخاوف". دوما تلك التي احتفلت اليوم بتنصيبها واحد من أجمل بلدات العالم هي مدينة مخفية بأحلام ورغبات ومخاوف. ثمة سحر في ازقتها وقصص تتلوها البوابات. احلامها ورغباتها ان تسترجع بعض من ماضيها الذي بنته مراحل ما قبل وصول الثورة الصناعية التي محتها وهمشت ميزات عاملها الجغرافي في الاقتصاد. خوفها وقلقها من متحفيتها ومن خلوها من الحياة. لا تصير ان تبقى لنواطير المفاتيح الذين يتلون عليك امجادا ما عادت الا كوابيسا. مشكور وزير السياحة في استثماره في هذا متحفية هذه البلدة كي يخرج منها انموذجا لما يتوجب للسياحة أيضا ان تكون عليه. فالبلد لن يجد في الثورة الصناعية الرابعة الا بضع أدوار من خلال الخدمات السياحة وخدمات صناعة رأس المال البشري كي يبقى موجودا على الخارطة العالمية. اهل دوما بشيبهم وشيبهم تضافروا كي يكونوا في العرس. ورئيس البلدية مع اركان مجتمع البلدة المحلي قام بما يقدر عليه. فقد توّجت اليوم دوما واحدة من قرى العالم الجميلة التي يتوجب زيارتها في هذا المحيط الذي لا يولّد فقط حروبا، بل أيضا ينتج فنون حياة وعمارة وحضارة. مشكور رئيس منظمة السياحة العالمية على شجاعته وقدومه الى لبنان في هذه الظروف. ومشكور الزميل يزبك وهبي الذي كان بلياقته نجم LBCI التي تسعى ان تدفع بالبلد الى شواطئ افضل، تشبه ما نترجاه. فواجب الاعلام وواجبنا جميعا ان نحافظ على جودة حضارة متوسطية نعرّفها بالمشرقية. ودوما التي أسسها اليونان وحكمها الاتراك خمس مائة سنة هي انموذج لهذا المتوسط الذي يتميّز بالاعتدال والتفاعل. نعم، حضور دول الجوار الأوروبي للبنان والسفير التركي شكّل رسالة.
السفير القطري التي موّلت دولته مشروع ترميم السوق، اعتبر في خطابه بانّ المكونات الاجتماعية لسياسة دولته الخارجية انما هي لتحقيق الأهداف الالفية للأمم المتحدة. وهذا جيّد الا انّ ثمة شق آخر يحكي عن نفسه. فقطر الدولة تسطر أدوارا كي تسيّج حدودها بتحوّلها الى لاعب. فتستثمر في المنطقة وهذا ما يجعلها حاجة ومفتاحا يمكن استعماله للحل. وفي هذا ذكاء وتخطيط وبعد نظر بغض النظر عن السياسة. النائب جبران باسيل اشتكى في دوما من تداعيات سقوط النظام اللبناني على العالم. اضاء على اكلاف سقوط لبنان الذي هوى أيضا بفعل المناخات. اما وزير السياحة فتكلم عن النزوح وذلك بحضور سائر وزراء التيار. قد يكون احتفال دوما مناسبة لاستعادة جسور كانت قد تصدعت ما بين الوزير ورئيس التيار. وهذا شان يتعلق بالرجلين والبلدات كدوما تستفيد دوما من مساحات التلاقي ورسائل الحوار.
ما يهمنا هو اننا أدركنا في هذا الاحتفال بانّ ثمة أحلام تقيم في عيون الناس ترافقت مع المخاوف التي ظهّرها الساسة. سمع في احتفال اليوم كلام كثير لكن ما لم يقل كان الأساس. من الجيّد انّ سفراء الكثير من الدول حضروا وعاينوا. آمل ان يكونوا قد سمعوا فرح الناس الذي كان ابلغ بكثير مما سمع في السياسة. آمل ان يكونوا قد استنتجوا بانّ هذا البلد مازال بلدا قابلا للحياة وذلك على الرغم من كل شيء. يقول الروائي الروسي فلاديمير نابوكوف:"إن تكسر موجة لا يمكن أن يفسر البحر بأكمله، ولكنه يشير إلى كيفية إعادة ترتيب الشاطئ." وعلينا فهم إعادة ترتيب شاطئنا لا تفسير البحر المتأزم. نحاول جميعا كمهاجرين في ارضنا ووطننا ان نتصالح مع الخسارة الواقعة بفرحة من هنا وومضة من هناك. أكتب عن الفرح كما تقول الكاتبة الامريكية التشيلية الأصل إيزابيل الليندي كي "أطرد شياطين الماضي، ولتهدئة أشواق روحي، وللتصالح مع الخسارة، ولإكرام ذكرى الراحلين". نبحث جميعا عن مساحات للتصالح مع خساراتنا وطرد الشياطين، وهذا ما نحتاجه ويحتاجه البلد. Photo credit: Abbas Salman.




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.