زياد سامي عيتاني- لبنان الكبير
حلت اليوم الذكرى الـ ٣٥ لاغتيال الشهيد حسن خالد، مفتي العيش المشترك والوحدة الوطنية، ومؤسس المبادئ الوفاقية الميثاقية الوطنية الجامعة، التي مهدت لإتفاق الطائف، وكانت مدماكه الأساس. فالمفتي الشهيد، من خلال مواقفه وثوابته الوطنية والعروبية الجريئة والمتقدّمة، كان يمثّل خط الوحدة والشراكة الوطنية، والعيش المشترك، والسلم الأهلي، والانفتاح والتلاقي والحوار، والسيادة والاستقلال، الرافض لكلّ أشكال الهيمنة والتبعيّة، ما جعله يتصدى بصلابة وإيمان الرجال الرجال لكلّ المشاريع والمؤمرات المعادية للبنان الوطن والدولة.
وهذا ما دفعه من موقعه الوطني الجامع، كمفتٍ للجمهورية اللبنانية، وليس للطائفة السّنيّة فحسب، الى عقد العزم على أخذ المبادرة بالوقوف سداً منيعاً في وجه ما كان يحاك للبنان، غير آبه لكلّ التهديدات والنصائح التي تلقاها من الأعداء والأصدقاء، بحيث كان يجيب دوماً أنه يريد أن يقابل وجه ربّه بقلب سليم، عندما دعا إلى قمة روحية إسلامية في دار الفتوى، في أصعب ظروف الحرب والتقاتل الطائفي، إيماناً منه بحتمية إستعادة لبنان الواحد بجناحيه الاسلامي والمسيحي، ضمن وطن واحد يقوم على مرتكزات الوحدة الوطنية والعيش المشترك والانتماء العربي. وخرجت عن القمة الروحية الاسلامية الثوابت الوطنية العشر، والتي شكّلت الاطار العام الجامع لمشروع إنقاذي للبنان.
يومها، قرّرت المرجعيات الدينية الاسلامية من خلال هذه الثوابت الاعتراف بلبنان وطناً نهائياً لجميع بنيه، وأكدت على ثوابت الوفاق ورفع ميثاق العيش المشترك، من خلال قيام سلطة شراكة حقيقية لا غبن فيها ولا حرمان لأحد على حساب أحد، ولا غلبة وتسلط لأحد على أحد، ولا إستقواء لأحد بتوازن إقليمي – دولي ضد غيره. كما حسمت الثوابت العشر، رفض المسلمين تحقيق الذاتية الاسلامية على حساب الذاتية الوطنية – اللبنانية، مؤكدة أنّ المسلمين اللبنانيين يريدون تصحيح الوضع اللبناني في مساره التاريخي لأجل تحقيق الذاتية الوطنية الصادقة.
بناءً عليه، يمكن التأكيد أنّ هذه الثوابت العشر شكّلت المنطلق الأساس لاتفاق الطائف، وبالتالي عبّدت الطريق أمامه وهيّأت الأرضية له، بحيث يكفي التدقيق في بنود ذلك الاتفاق حتى يتأكد بوضوح أنّ روحيته ومفاهيمه الوطنية وضعت وفقاً لما جاء في ثوابت دار الافتاء، ما يؤكّد بلا شكّ، أن المفتي الشهيد حسن خالد، استحق بكلّ وطنية لقب “مفتي الطائف” حتى قبل الدعوة السعودية الى إقراره، وربما هذا ما جعله يدفع حياته ثمناً له، ليكون إضافة إلى “مفتي الطائف” شهيداً لأجله.
والهدف من إغتيال المفتي الشهيد، كان إغتيال إتفاق “الطائف” قبل إقراره، وإغتيال الدور التاريخي لموقع الإفتاء على الصعيد الوطني الوحدوي، وعلى صعيد ترسيخ إنتمائه وهويته لعمقه العربي ببعده القومي، وكذلك جر الطائفة السنية التي كانت ضمانة هذا الدور ومدماكه إلى أتون الحروب العبثية المدمرة، بهدف الإنقلاب على دورها التاريخي من خلال إستدراجها إلى الصراع الطائفي (ولاحقاً المذهبي) المصطنع بين اللبنانيين وعلى أرضهم، بفعل تأجيج (جهات الاغتيال نفسها) هذه الصراعات البغيضة وتمويلها وتبريرها وتغطيتها وتوقيتها وتحريكها، كلما دعت مصالحها التفاوضية الى ذلك.
فيما نستحضر المآثر الوطنية والمواقف الشجاعة والخيارات الجريئة للمفتي الشهيد حسن خالد، نزداد قناعة بأن إغتياله، كان مقدمة لاغتيال لبنان الدور والوطن والكيان والبعد العربي، والذي لا يزال يعيش ترددات “زلزال” الاغتيال!




يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.