11 آذار 2024 | 16:47

أخبار لبنان

الصبر الاستراتيجي

رشيد درباس



أُطاعِنُ خَيْلاً مِنْ فَوارِسِها الدَّهْرُ

وَحيداً وَما قَولي كَذا وَمَعي الصَّبْرُ

المتنبي


في نهاية شهر أيلول من العام 1938، وقع رئيس وزراء ‏بريطانيا "نيفيلتشامبرلين"، ورئيس وزراء فرنسا "إدوار ‏دالادييه" في ميونيخ تنازلات لأدولفهتلر أقرَّا له فيها احتلاله ‏أراضي (السوديت) في تشيكيا، ظنًّا منهما أنهما بهذا يتلافيان ‏اندلاع الحرب ويسكتان الشهية النازية، فإذا بالعالم يصحو بعد ‏ذلك على غزو تشيكوسلوفاكيا فبولندا بالتواطؤ مع "جوزيف ‏ستالين" الذي ناله نصيب من الأرض البولندية متوهمًا بذلك ‏أنه أمن شرَّ هتلر. استقال "تشامبرلين" من رئاسة الحكومة، ‏وتولى بعده "ونستونتشرشل" الذي رفض محاولات وزير ‏الخارجية "اللورد هاليفكس" التوسطَ مع "هتلر"، من خلال ‏‏"موسوليني"، فوقف في مجلس العموم وباغت الحضور بأنه ‏ذاهب إلى الحرب، طالبًا من البريطانيين التحلي بالصبر ‏الاستراتيجي ومصارحاً إياهم بأنه لا يستطيع أن يعدهم إلا ‏بالدمار والدموع والدم والجوع، ثمَّ شفع ذلك بالتأكيد على ‏النصر الباهظ الثمن. تطوع في الجيش من تطوع، وانخرط ‏العمال والمهندسون في تشغيل المصانع لإنتاج الأسلحة، ‏وانصرف الفلاحون إلى مكابدةِ الأرضِ لتأمين الحد الأدنى من ‏أسباب العيش، فيما حافظت المؤسسات البريطانية، ولا سيما ‏المرفق القضائي، على انتظام أدائها الجيد.‏

الأمر ذاته حدث مع "ستالين" الذي فوجئ بعملية ‏‏(بربروسا) عندما اجتاح الجيش النازي الأراضي السوفياتيه ‏ووصل إلى مشارف موسكو. حينذاك، أكد له "جوكوف" قائد ‏جيوشه أن الغزاةَ سيُهزَمون، فجرت تعبئة الشعوب السوفياتيه، ‏وراحت المعامل الحربية تضخ الدبابات إلى ساحات المعارك ‏بوتيرة مدهشة، فكانت نتيجة الحرب العالمية الثانية في المملكة ‏المتحدة والاتحاد السوفياتي كما تعلمون. هذان مثلان من ‏التاريخ القريب عن مقدرة الشعوب على الصمود في وجه آلة ‏عسكرية متوحشة، تحركها الأطماع وتشحنها الأفكار ‏العنصرية والاستعلاء العرقي.‏

ومما لا شك فيه أن النموذج الصهيوني له صلة نسب ‏بالأفكار النازية، لأن "شعب الله المختار" يسوِّغ لنفسه ‏الاحتلال والتشريد والقتل والاستيطان، كما سوَّغ "هتلر" ‏للعنصر "الآري" مثل هذه الأفعال، مع فارق واحد، أن العالم ‏اتحد في وجه المحور، بينما تتطوع القوة العظمى اليوم لرعاية ‏وحماية وتشجيع تلك الدولة الصغيرة على الازدراء بالعالم كله ‏وبشرعة حقوق الانسان وبالمنظمات الدولية، وذلك بتسخير آلة ‏الحرب الأميركية، في إمرة القطعان المستذئبة، التي لونت ‏أرض فلسطين بأحمرَ أزليٍّ لن يسقط من ذاكرة البشرية. لم تقم ‏النازية بما قام به الصهاينة، دولة وحكاماً، ونواباً، بسجن ‏خمسة ملايين إنسان، وتشريد مليوني نسمة، بعد تدمير بيوتهم، ‏ثم استدراجهم إلى أفخاخ الطعام، بعد تجويعهم، فإذا ما اجتمعوا ‏أطلقوا عليهم المدفعية كأنهم يصيدون الحمام بعد إغرائه بحبات ‏القمح. ولن تستطيع إسرائيل أن تبرر ما تقوم به بحجة الدفاع ‏عن الذات، بعد أن أمعنت في انتهاك الذات الفلسطينية، على ‏مدى قرن، وها هي الآن تسعى لتفريغ الأرض كلها بالمذبحة ‏والتدمير والتهجير والتجويع ومنع الماء كما فعل جنود يزيد في ‏كربلاء.‏

إن الاجتياح غير المبرر الذي تشنه إسرائيل على سجن ‏قطاع غزة المحاصر، أدى إلى أن القلة من اليهود والفلسطينين ‏الذين آمنوا حتى الآن بحل ما على أساس من الحياة المشتركة، ‏تلفظ أنفاسها الأخيرة أو تكاد، لأن إسرائيل لا تؤمن بإمكانية ‏السلام انطلاقاً من الشراكة بين الشعوب، وما يشجعها على هذا ‏أنها لم تزل مربى دلال الدول التي تساندها وتمدها بأسباب ‏القوة وتحميها من القرارات الدولية، كما يشجعها أيضاً، أن ‏الشعب الفلسطيني الذي هو أصعب شعوب التاريخ، والذي ‏يضرب المثل بصبره الاستراتيجي، يعاني الآن، وفي أعلى ‏ذروات الخطر، من الخطاب التنابذي بين منظمة التحرير ‏وحركة حماس، فيما لا مجال للحديث عن جنس الملائكة، ‏فالكلام عن الموتى صار الآن من الماضي، والاهتمام كله ‏ينصب على من تبقى من الأحياء الذين ينتقلون من مكان إلى ‏آخر، فكلما تجمعوا قُصِفوا وقُتلوا، على حد تعبير الزعيم ‏المعارض الفرنسي (جان-لويس ميلنشون)، الذي يرى أيضاً ‏أن كل ساكت عن هذه المجزرة الرهيبة مجرم حرب، وكل ‏بحارة سفينة تنقل السلاح إلى إسرائيل مجرمو حرب بحق ‏الأطفال الذين فقدوا لمسات الحنان، فالأب مات والأم ماتت، ‏والجد والجدة كذلك، كلهم ماتوا، قالها ميلنشون وهو يجهش ‏بالبكاء. وعلى هذا، فإن المسألة التي تسقط أمامها المقولات ‏والنظريات، ليست في حل الدولتين، أو تحرير كامل التراب ‏بل بالموقف الموحد الذي من شأنه استقطاب مزيد من الحلفاء ‏لإحباط ما يعد له "نتنياهو" من خطط لإغلاق قضية فلسطين ‏إلى الأبد.‏

وعلى هذا أرى أن أعلى أشكال الصبر الاستراتيجي هو ‏صبرنا على أنفسنا، وتأجيل صراعاتنا من أجل البقاء واكتساب ‏الأصدقاء.‏

وعلى قدم المساواة، لفتني منذ أيام أن سماحة المرشد ‏الأعلى للجمهورية الإسلامية أوصى المقاومة الإسلامية في ‏لبنان بالصبر الاستراتيجي أيضاً، وهذه وصية لا ينبغي أن ‏تُحْمَلَ إلا على محملها الواسع، وأول الصبر هنا هو استعادة ‏وحدة الكلمة أو التفاهم على القواسم المشتركة، إذ من غير ‏المعقول أن نَتَّقي الإجرام الصهيوني "بقواعد الاشتياك" ‏وتجنب استعمال الهواتف والإبقاء على خطاب خلافي، فيما ‏تمتلىء الشاشات بالحديث عن طلاق ما، وفدرالية ما، وتنصُّلٍ ‏ما من عداوة إسرائيل؛ إن النموذج اللبناني هو ما يمضُّ ‏الصهاينة، فهل نخدم أهدافهم بتمزيقه واستعادة لغة الحرب ‏الأهلية، والتهديد والكراهية؟؟

إن الصبر الاستراتيجي يعني فيما يعنيه، أن يكون للدولة ‏رأس، وحكومة وبرلمان من نواب محترمين، وقضاء يشبه ‏أصله لا بعض فرعه، ومرفأ ومطار وكهرباء، وعملة مستقرة، ‏ومصارف، ومرافق تستطيع أن تستوعب العدوان وتعالج ‏آثاره. وهو لا يُحَدُّ بالقدرة على تحمل الآلام وحسب، بل ‏بالانتصار عليها وتخطيها إلى النقاهة فالصحة، وهو يعني أن ‏كل شهيد سقط في الجنوب له مجالس عزائه في الوطن، وكل ‏بيت يدمر، تهتز له أركان البيوت حتى آخر قرية في عكار؛ إن ‏إسرائيل تتحدث عن منطقة حدودية منزوعة السلاح، ولكن ‏هدفها هو منطقة منزوعة السكان، من خلال التدمير المنهجي ‏الذي أرتنا عنه مثالاً في غزة، وهي تُهَجِّر القرى تباعاً وتحرق ‏الزيت في حباته، وتخنق العطر في أكمام الزهر وتُسَمِّمُ النهر، ‏لأنها ذاتٌ سامةٌ لا ترياق لها سوى وعينا وتفاهمنا على وحدة ‏الدولة والشعب.‏

يبقى أن أشير إلى أن دولة سوريا،وهي من صميم محور ‏الممانعة، لا تشترك في الصراع، لأنها تتعرض للعدوان ‏الإسرائيلي اليومي المؤلم والمهين، وكذلك الحشد الشعبي في ‏العراق انطوى بشكل أو بآخر تحت لواء الحكومة المركزية، ‏بينما يقوم "أنصار الله" في اليمن بمحاولة إخراج البحر الأحمر ‏ومضيق باب المندب وقناة السويس من سجل الملاحة الدولية، ‏فكيف تستقيم الأمور إذا اقتصرت الممانعة على دولتين تكابدان ‏الانقسام الداخلي، والهشاشة الاقتصادية والسياسية، فيما تقف ‏إيران والعراق وسوريا في برزخ المفاوضات أو المراقبة ‏والانتظار وإسداء النصحية؟

لقد نجحت إسرائيل في تلافي تكرار ما حدث في حرب ‏تشرين 1973 من تضامن عربي وأفريقي، بتوسل الاتفاقات ‏المنفردة وتحييد بعض الدول العربية، فأتاح لها ذلك الاستمرار ‏في الحرب الطويلة، مطمئنة إلى أن مشاهد المجزرة تراها ‏عيون زجاجية تخلت عن البياض والسواد والشبكية المتصلة ‏بالقلوب والضمائر. لكنها بوغتتبجنوب إفريقيا تستدعيها إلى ‏محكمة العدل الدولية لمحاكمتها ومحاكمة شركائها من مجرمي ‏الحرب، وتستصدر من أعلى محكمة في العالم، قراراً قرينة ‏بحق الفضيحة الإنسانية التاريخية التي لم تزل مستمرة ‏ومعروضة على شاشات الوجدان العام.‏

تحية " للزنوجة" المظلومة التي تسلط الضوء على ‏البياض الكاذب الظالم، وتحية "لرأس الرجاء الصالح" الذي ‏فقأ العيون الزجاج وبين للعالم أجمع معنى الصبر الاستراتجي ‏الممتد من عهد النبي أيوب إلى عهد " نلسون منديلا".‏ 



النهار

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

11 آذار 2024 16:47