16 كانون الثاني 2024 | 11:44

أخبار لبنان

حين استيقظ ميشال أبو جودة الثالثة فجرًا ليصحح تاريخًا

حين استيقظ ميشال أبو جودة الثالثة فجرًا ليصحح تاريخًا

بقلم جان فغالي





من أكثر الجُمل المستخدمة في الصحافة ، ولاسيما المكتوبة منها ، هذه الأيام ، "الحنين الى الزمن الجميل" ، وكأن ما نعيشه اليوم هو " الزمن القبيح ". هذه حقيقة واقعية ، وإنْ حاول المغالون نفيها .

وأكثر مثال تنطبق عليه حقيقة " الزمن الجميل " و

" الزمن القبيح " ، " الصحافة " ، في مختلف مراحلها . يقول زميلٌ مخضرم : " لولا إلزامية متابعة الأَخبار الآنية، لكانت المتعة ، التي ما بعدها متعة ، العودة الى قراءة عمالقة المهنة بدل التلهي بأقزامها ، ففي زمن هؤلاء العمالقة كان " الخطأ خطيئة " ولا يغسل عاره بيانُ نفي هو من " عدّة الشغل " فيُنشَر الخطأ ، أحيانًا عن عمد، ثم يُنشَر بيان النفي لحفظ ماء الوجهن بعد أن يكون الخبر الغلط قد فعل فعله في منسوب الأذيَّة.

هذه الإشكالية وجدتُ مثالًا عليها في كتابٍ قيّم عنوانه

" على سيرة النوم " لمؤلفه الدكتور فلاح أبو جودة ، يعرِّف الكتاب عن الدكتور فلاح بأنه " طبيب تقويم أسنان وكاتب وشاعر ". التعريف بحدِّ ذاته أثار فضولي ، إذ كيف يكون طبيبًا وكاتبًا وشاعرًا في آن ؟ لكن عندما قرأت الكتاب زال العجب . عادة ما يجذبني الى الكتاب عنوانه المثير ومؤلفه والفهرس ، وما يكون قد كُتب عنه من زملاء جديين موثوقين . في الكتاب الآنف الذِكر ، لفتني ان مؤلفه طبيب ، وطبيب ناجح ، فما الذي أخذه الى الكتابة في غير اختصاصه ؟ فلو لم يكن ناجحًا لقلنا : ربما يحاول التعويض عن الفشل في الطب بمحاولة النجاح في الكتابة ، أما وأنه ناجح جدًا في الطب، فلماذا يخاطر في هواية او حرفة او مهنة اصبحت " مهنة الذين لا مهنة لهم".

لكن في نزهتي بين صفحات الكتاب ، بدا الدكتور فلاح ، وكأنه في جانب من اهتماماته الكتابية ، الأهتمام بالحفاظ على إرث عمّه الصحافي الكبير ميشال أبو جوده ، وهذا ما يؤكده في الصفحة 54 من الكتاب ، حيث يروي:

" ... وفي حديثه عن عموده الشهير " من حقيبة النهار "، يصفه ميشال ابو جودة بسجنٍ كبير ، يكتبه طوال الأربع والعشرين ساعة وليس كل أربع وعشرين ساعة. وقد خانته ذاكرته والمراجع حول تاريخ معين : أهو 1753 أم 1735 ؟ فنام ورأى في المنام التاريخ الصحيح ، وكانت الثالثة بعد منتصف الليل ، فاستدرك مصححًا قبل الطبع ".

سقى الله تلك الأيام في " الزمن الجميل " وفي العصر الذهبي للصحافة . لم ينم ميشال أبو جودة تلك الليلة إلا بعد تصحيح التاريخ ، لم يقل في قرارة نفسه : " بسيطة ، بكرا منصحح في عدد اليوم التالي " لم يستحضر عبارة

"سقط سهوًا" ، أوقف طبع الجريدة ليصحح تاريخًا ، فأين صحافة " الزمن القبيح " من صحافة الزمن الجميل" ؟

لو ان ميشال ابو جودة بقي حيًا الى اليوم ، وشاهد المذابح التي ترتكبها الأقلام ، لكان هجر " من حقيبة النهار " واعتزل المهنة ، وسأل ابن شقيقه ، الدكتور فلاح ، ما اذا كان ممكنًا ان يعاونه في عيادة تقويم الأسنان بعدما وجد نفسه عاجزًا عن " تقويم الأقلام" . 

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

16 كانون الثاني 2024 11:44