5 كانون الثاني 2024 | 10:13

أخبار لبنان

ملائكة وأبالسة

رشيد درباس



نقسم بالله العظيم. .. أن نبقى موحدين

جبران تويني



في ذكرى استشهاد جبران تويني، قال متروبوليت بيروت المطران الياس عودة:

"إنه شهيد ثقافتين متناحرتين، ثقافة إنسان محب لوطنه، وثقافة مجرم أراد إسكات كل صوت جريء وقلم حر"؛ وأضاف: "لكن الشيطان أغوى نفوس أتباعه "فأظلم النهار"، وغابت شمس الحرية والديمقراطية". هذه الكلمات تلخص "النهار" اللبناني العريق، فمنذ جبران المؤسس الذي أنشأ مع رعيله، بالموهبة والجهود الفردية، صحافة لبنانية يطالعها اللبنانيون كل يوم، لها مصداقيتها وجدارة كتابها، ولها الشهادة الحق بأن الدولة اللبنانية ما أحرزت موقعها في مصاف الدول التي تسودها الحرية وتسعى في م راقي الديمقراطية ،إلا بفضل المطبوعات الأسبوعية واليومية فيها، التي كان ت معلمًا راقيا من معالم مجتمع آخذ بسياق التطور.

وتعيدُنا الذكرى إلى ذلك اليوم الذي وقف فيه سيادة المطران ليؤاسي واسطة العقد التويني، وال د الشهيد الأستاذ غسان الذي فقد أولاده وزوجته و لم يفقد جأشه بل فاجأ العالم بقوله فوق الجثمان الم س جَّى: "إن قلبه لا يحمل الحقد، وإن على اللبنانيين أن يتحدوا،" فكأنه كان يعود بنا إلى جبران الأول، و" ن ب ي ه "، وم وعظته:

"أحبوا بعضكم بعضً ا، ولكن لا تقيدوا المحبة بالقيود. اتفقوا معً ا، ولكن لا يق ترب أحدكم من الآخر كث يرا، لأن عمودي الهيكل ي قفان منفصلين."

قد تكون أ وجه شبه بين" النبي" و"هكذا تكلم زد رشت" للفيلسوف الألماني نيتشه. لكن كتاب جبران الذي ما زال ملايين الناس يتداولونه، فيه من الرحيقاللبناني وشميم الأر ز وقداسة واد ي قاديشا، ما يطغى على اللغة التي ألفه بها، أو هكذا ي يلُْ لي. فأعمدة الصحافة اللبنانية تباعدت وتباينت، فشكلت هيكلاً وطيدًا كان محط الأنظار العربية كلها، لم يضاهه إلا الهيكل الصحافي المصري الذي كان لجرجي زيدان وآل تقلا وأنطون باشا الجميل وروز اليوسف ويعقوب صروف وفرح أنطون وشبلي شميل، أفضا ل عليه وبصما ت لا تنسى.

ومن شرفة النبي الإنجليزي اللبناني الأصل، الذي رأى في التنوع وحدة، وفي الاختلاف ائتلا فًا، أنظر إلى السياسة اللبنانية فأجدها مرتهنة لمن انفصلت أعماله عن إيمانه، وعقيدته عن مهنته؛ كما لو أن من تسللوا إلى عباءة "النبي" و ت كنَّ وا به، إن هم إلا "إبليس" توفيق الحكيم القائل: "إنني أعرف كيف أمر بأناملي م را رفيقً ا على أوتار قلوب الناس، فيذهلون، وأغني بصوتي غناء شجي ا فيطربون..." ولقد فات هؤلاء أن ملمسهم صار خش نًا وغنا ؤهم نشا زًا ،وكلامهم شقا قًا ونزا عا واستدعاء يائسً ا لحرب أهلي ة لن تكون .

واستطرادً ا أدب ي ا، إذا صح التعبير ،أذكر أنني قرأت في أحد كتب محمد حسين هيكل أنه عندما نشر رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ ، على حلقات في الأهرام الأسبوعي، أثارت احتجاج بعض مشايخ الأزهر؛ فاستدعاه الرئيس جمال عبد الناصر لسؤاله عن الرواية، وإخطاره بأنه شكل لجنة لدراستها وبيان مدى تباينها مع ق واعد الشريعة، لتقرير جواز نشرها أو منع ه؛ مضيفًا أن الرئيس طلب إليه أن يبدأ بنشرها يوم ي ا لا أسبوعي ا، من باب الاحتياط، ريثما تفرغ اللجنة منفحصها. فلم يصدر القرار بعدم جواز النشر، إلا وكانت الحلقات قد انتهت،فتلقفها المرحوم الدكتور سهيل إدري س وأصدرها عن دار الآداب في بيروت.

بعد حوا لي ثلاثين عامً ا من ظهور الرواية، أفتى الشيخ الأصولي عمر عبد الرحمن بقتل المؤلف الذي تعرض للطعن في رقبته عام 1994، بعد يوم من ذكرى حصوله على جائزة نوبل للآداب. فقد أخذ الشيخ على الأديب العالمي أنه جعل من الأنبياء" أولاد حارته"، مخترً قا قداستهم بالتعامل معهم كأشخاص عاديين من أبطال رواياته. لك ن محفوظ ذاته يقول إن قصة الأنبياء هي الإطار الفني ،أما القصد فنقد الثورة و"النظام الاجتماعي الذي كان قائمً ا".

والعقدة الدرامية تكمن في أن الجبلاوي الرج ل الفائق الثراء، الساك ن قص ر ا في سفح جبل المقطم، قرر أن يولي إدارة الوقف إلى ابنه أدهم المولود له من أم جارية، وسلمه وصيته آمرا إياه بكتما ن ا. فتمرد على القرار اب نُه البكر إدريس الذي أمه من سلالة شريفة. وإذ طرده أبوه م ن القصر، آلى على نفسه أن يدع أده م ويوسوس له بأن يكشف الوصية، فلما استجاب الأخيرُ للوسوسة وعصى أم ر والده ،كما فعل آكل التفاحة ،ط ر د أيضً اةمن جنة ذاك القصر.

من قبل محفو ظ كتب أديب ألمانيا وشاعرها العظيم غوت ه عن فاوست الذي يبيع نفسه للشيطان مقابل أن يمنحه الشباب.

ربما أفضت في استشهادي بروائع تحكي عن صراع النبي مع إبليس. ولعل ياستنجدت بذاكرتي للارتفاع فوق وحول التحاليل السياسية التي لا يعيرها أهل الحل والعقد في لبناننا أيَّ اهتمام. فالأبالسة لا يأبهون إلا "للوقف" واستثماره: يحتكرون إدارة الكهرباء لأنا تنتج مالًا وعتمة، ويع رضون بالجيش لأنه يحرس أمنا ولا يحفظ لهم طاعة، ويستحسنون الفراغ، ويستدعون مقولات التجزئ ة والفدرلة، وهم منتشرون في كل زاوية من زوايا الحياة السياسية في دولة معرض ة للغرق، كما قالت السيدة "كولونا" وزيرة خارجية فرنسا، غائب ة تماماً عما يجري في الجنوب، لا رؤية لها ولا خطة تجاه ما يجري ،ولو من قبيل الاحتياط والترق ب ودرء الضرر.

عندما يذهب الكاتب في الأمور السياسية، إلى المطلقات وضرب الأمثلة ،وسرد الروايات، تكون العقدة قد عصت المنشار . وبالفعل، نحن نحاول عبثً ا تبيان الأبيض من الأسود، والخير من الشر، والنبي من إبليس، في زمن يعلن فيه إبليس ن بُ وَّته من بعد ما أوقع "ببني أدهم" السائرين وراء شهواتهم إلى أن وجدوا أنفسهم مطرودين إلى أرض مقفرة، يقتل فيها "قابيلهم" "هابيلهم،" من دون أدنى شعور بالأخوة، أو تح ل ببعد النظر.

إن الحرب التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين وفلسطين التاريية، هي فصل من رواية لم تكتمل. لأن الصهيونية المتمسحة بالت ورا ة تقوم على فكرة

"شعب الله المختار"، وهي فكرة لاصقة النسب بالممارسة النازية "النخبوية" ، التي زعمت حق العنصر الآر ي باستعباد أو استغلال "المجال الحيوي" المحيط. هذه الفكرة توغلت فيها إسرائيل ، وراحت في الوقت عينه تسعى إلى "التطبيع "بالتوازي مع محاولة تفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها، لولا أن السابع من تشرين الأول الماضي، أحدث زلزالاً في الاسترخاء الإسرائيلي والاستنقاع العربي، وأيقظ القضية الفلسطينية من نوم افتراضي، ووضعها على منصة الوجدان العالمي، واهتمام الدول ،فثبت بالملموس أنا لم تسقط بالتقادم و لم يطفىء مرور الزمن حممها البركانية التي تفور من جيل إلى جيل، وأن الذاكرة الفلسطينية محفورة في ضمائر الفلسطينيين منذ تكوُّ نم أ جنة في الأرحام، وأن الحرب المدمرة لن تستطيع أن تغير من الأمر شي ئًا، فأهل غزة باقون في أرضهم العارية، متشبثون بركامها، مستنبتون من باطنها مقاومة مذهلة، تفاوتت إيجابًا ردود الفعل العربية عليها، لا سيما القرار المصري الذي أحبط فكرة التهجير، والموقف المماثل للملكة الأردنية الهاشمية، مع التنويه بالبيان السعودي، والدور القطري. أما لبنان فتميز بموقف شعبي موحد مع اختلافات ب ي ن ة في المقاربات، أخشى أن تتحول إلى مفاصل رخوة تسكنها جراثيم السياسة، في حين أن قادة إسرائيل لم يتوقفوا عن التهديد بتدمير لبنان وإعادته إلى العصر الحجري دون تفريق بين ممانع وغير ممانع، وهذا يقتضي، في الحد الأدنى من الأمور، أن يلتقي اللبنانيون، بقواهم الفاعلة والمختلفة على البحث عن وسيلة ما لصد ما انتواه العدو . لكن الواقع، مع الأسف، يالف المطلوب، إذ تسفر "المناوشات" اليومية، عن مزيد من الشهداء والتخريب والتهجير، ضمن "قواعد" لا تشكل صمام أمان على الإطلاق، لأن النية الإسرائيلية، تنطوي على توسيع نطاق عدوانا في مرحلة قادمة، وخصوصً ا عندما يتبين لها أن حربها في غزة لن تسفر عن تحقيق الأهداف المعلنة، فتحاول أن تجعل من لبنان محل تعويض بديل لمأزقها مع الفلسطينيين. وتحت هذا العنوان تدخل عملية الاغتيال بالأمس في الضاحية الجنوبية.

لا شك أن اسرائيل س تُ ج ابه في لبنان، بما لا يقل عن الجبهة الفلسطينية؛ لكن الآلة الجوية العدوة قادرة على أن تفعل فينا ما فعلته في غزة ، والفارق يكمن في وحدة اللبنانيين، ولو بصفة المعتدى عليهم، لجبه العدوان بكل ما هو متاح، وتدارك نتائجه، كما كان يحدث في ظروف سابقة . ولعل علينا، من با ب الارتياب المشروع ،أن نأخذ بعين التوجس انسحاب القوة البحرية الأمريكية من البحر المتوسط، وربط الأمر بمحادثات سري ة في سلطنة عمان يجري تسريب الأخبار عنها، ما قد يدل على وجود خريطة جديدة للمنطقة لا ندري عن خطوطها شي ئا .

أخطر ما يتهدد الوضع السياسي اللبناني أن كل فريق ينسب للآخ ر الأبلسة، ويعد نفسه من الملائكة. لكننا لو ابتغينا الإنصاف، لاعترفنا بأن أجواق الشياطين والملائكة عندنا، متداخلة تداخلاً ملتبسً ا لا انفصام فيه، وأن إسرائيل التي تعرف ذل ك لن تميز بين "المرفرفين" و "الموسوسين"، لأن غرضها الأساس، هو تدمير "الوقف اللبناني"، الذي نتصارع عب ثًا على الاستئثار به، كما في رواية نجيب محفوظ، فيما هي تسعى لإلغاء الصيغة التي تناقض وجودها وتنقضه.

علينا، إذا نسينا قسم جبرا ن، أن نصغي مجددً ا إلى نصائح الجبلاو ي صاحب الوقف في أولاد حارتنا أو نعيد قراءة رواية الإخوة كارامازوف .  

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

5 كانون الثاني 2024 10:13