4 كانون الأول 2023 | 17:35

أخبار لبنان

غزَّة في خاصرة الوعي

غزَّة في خاصرة الوعي

رشيد درباس




يبدو أننا نجابه أصعب شعوب التاريخ

الكاتب الإسرائيلي آري شافيت

‏(ها آريتس)‏


يحتدم النقاش في المحافل العربية والدولية حول شكل الحكم في ‏غزة بعد وقف العدوان والتدمير، فتتعدد الاقتراحات وتكثر المشاريع، ‏فيما لا يزال الصراع غير معروف النتائج، بعد إذعان إسرائيل ‏للتفاوض العملاني مع حماس، في ظل تعثر الأعمال العسكرية ‏وتقصيرها حتى الآن عن إنجاز الأهداف المعلنة، وأولها استئصال ‏حركة " حماس"، بما يعني أن الميدانين العسكري والسياسي ما زالا ‏يزخران باحتمالات يصعب التنبؤ بها منذ الآن.‏

وعليه، فإن ما يهم ليس إنفاق الوقت بالتحليل والتوقعات، بل ‏ضرورة الانخراط في مواكبة الأحداث والتأثير فيها على كل من ‏الصعيدين الفلسطيني والعربي واستطراداً اللبناني.‏

أبدأ بالقول إن هدف اجتثاث حماس قد صار مستحيلاً، لأن عملية ‏السابع من تشرين الأول (أكتوبر) قد أكسبتها نفوذاً سياسياً كبيراً تخطى ‏حدود فلسطين ورسخ في الوجدان العربي العام، بغض النظر عما ‏ستؤول إليه نتائج المعارك العسكرية، فالمرحلة القادمة لن تكون ‏محكومة بالميزان الحربي، بل ستتشكل وفق المتغيرات في فلسطين ‏وبلاد العرب، والرأي العام العالمي؛ لقد كان أنطونيو غوتيرتشأول ‏الشجعان، لكن انتفاضة المواطنين العاديين في لندنوالعاصمة الأميركية ‏والعواصم الأوروبية، ونخوة الحكومات في أميركا اللاتينية وأوروبا ‏وأفريقيا، أمور أعادتنا للزمان الذي عبرت فيه الجيوش العربية إلى ‏المعركة في السادس من أكتوبر قبل خمسين عاماً، حيث أوقف الملك ‏فيصل بن عبد العزيز ضخ النفط، ووقفت العرب خلف الجنود ‏الشجعان الذين كسروا هيبة التفوق، وها هي حماس تكسر هذه الهيبة ‏مرة أخرى بوسائل قليلة وحنكة هائلة، فحصدت القضية الفلسطينية ‏في ساعات معدودة، ثمار صبرها وعنادها ورفضها للتكيف مع ‏الاحتلال. كان ذلك عمل فصيل واحد، لكن نتائجه أضخم بكثير من ‏قدرة هذا الفصيل على امتلاكه والاستئثار به، فقد صارت وقفاً قوميَّا ‏عامَّا، لا وقفَّاحزبيَّا، مَهَرَهُ الواقفون بدمائهم، وقالوا لفلسطين هذا ‏خراجك الثمين، فَوَظِّفيه في استمثار حصيف.‏

‏ ملاحظة أخرى يجب التوقف عندها وهي الموقف العربي الذي تجلى ‏برسالة ولي العهد السعودي القطعية الدلالة والتي تعلن بوضوح أن ‏الكيان الإسرائيلي ليس له ممر إلى دنيا العرب طالما بقي الاحتلال ‏واستمر.‏

هذه الرسالة تزامنت وتآلفت مع موقف كل من الرئيس عبد الفتاح ‏السيسي والملك عبدالله الثاني برفضهما الصارم لأي تهجير من قطاع ‏غزة، إلى درجة أن الرئيس المصري صنف الأمر بمثابة إعلان ‏حرب؛ إن تلك المواقف وضعت حدَّا للاسترخاء الإسرائيلي الذي ظن ‏أنه يتَفَشَّى بيسر لدى الأقطار العربية، فثبت بالملموس أن التطبيع فشل ‏منذ "كامب ديفيد" بل إن الشعور بالنقمة أصبح سائدًا في كل نفس ‏عربية. وكذلك، وبغض النظر عن نتائج القمة العربية والاسلامية، فلقد ‏كان للمشهد قيمة عالية وتأثير لا ينكر.‏

أما العامل الذي لم يتأخر كثيرًا فهو ردود الفعل التي انطلقت من لندن ‏وواشنطن، وعمت أوروبا، شعوباً وحكومات، فنقل إسرائيل، في أيام ‏قليلة، من ضحية يتعاطف الكون معها، إلى مجرم حرب تنبذه ‏الإنسانية، الأمر الذي جعل الرئيس الأميركي جو بايدن، ووزير ‏خارجيته الذي يعتز بيهوديته غلى العودة إلى حل الدولتين في كل ‏خطاب وكل لقاء. ولعل من اللافت أن "الواشنطن بوست" نشرت ‏تحقيقاً مطولاً عن ارتباك الرئيس الأميركي، والخلاف في صفوف ‏موظفي البيت الأبيض الذين لم يعد معظمهم قادرًا على السكوت عن ‏مشاهد المسلخ الذي استمر خمسين يومًا.‏

ومن النتائج الإيجابية، أن لغة حماس السياسية تتخذ سمتًا واقعيًا يصعب ‏معه على إسرائيل استبعادها بتهمتي الإرهاب والتطرف، إذ استطاعت ‏أن تدير مع الوسيطين المصري والقطري مفاوضات عقلانية، ‏وأجبرت كلاًّ من أميركا وإسرائيل على الاعتراف بأنها أمر واقعٌ لا ‏يمكن تخطيه، وهذا يقتضي، فوراً، وبلا أي تأخير وبالتوازي مع ‏المعارك، فتح حوار ثنائي، بلا وسطاء، مع منظمة التحرير ‏الفلسطينةبهدف الخروج بمطالب وطنية موحدة تمنع إسرائيل وأميركا ‏من اللعب على التناقضات، والنفاذ من الثغرات، على غرار ما حدث ‏طوال السنين العجاف الماضية.‏

نضيف إلى ما تقدم، الموقف الإيراني الذي أخذ بعين الاعتبار ‏مدى استعداد أميركا للتدخل، بدليل حاملات الطائرات والبوارج ‏والمواقف، فزاوج بين الحذر المحمود، والتصلب المعهود، وراح ‏يتحرك بين حدين في منطقة يشوبها خطر الألغام التي تحاول تفاديها.‏

بالتزامن مع هذا، طفا القلق الإسرائيلي الشعبي على السطح، ‏وشكلت مسألة الرهائن عنصر ضغط على الحكومة والجيش، ‏وتضعضع موقف نتنياهو بما يشير إلى قرب تقاعده، وبدأت النخب ‏الإسرائيلية تتجرأ على الجهر بعبثية الاحتلال وقمع الفلسطينيين جيلاً ‏بعد جيلاً.‏

أردت من كل ما تقدم، أن أذكر بعدد المبادرات والفرص التي ‏أحبطتها إسرائيل، لأنها (دار حرب) وتخشى السلام. وفي كل مرة، ‏كانت تنفذ من ثغرات الخلافات العربية والاتصالات المباشرة، لكن ‏عشرين ألفاً من شهداء أهل فلسطين، بحسب آخر أرقام العدادالدموي، ‏يستحقون منا مراكمة الإيجابيات لكي يدخل العرب، وعلى رأسهم ‏الفلسطينيون في الحوارات القائمة لاستثمار الحالة الجديدة التي قد لا ‏تتكرر إلا بعد سنين كثيرة وشهداء أكثر.‏

أما لبنان الذي يجاور النار فتلسعه بأعز أبنائه، فالأمر فيه غاية ‏الغرابة،لأن حزب الله مهما حاول ضبط قاعدة الاشتباك، فإن قرار ‏الحرب ليس مرهونًا بموقفه، بل بالنية الإسرائيلية التي لم يكف ‏‏"نتنياهو" وساسة إسرائيل والقادة العسكريون عن إعلانها بإرجاع ‏لبنان إلى العصر الحجري. ورغم ذلك نجد القوى السياسية فيه، وفي ‏الصدارة منها فريق الممانعة، لا يعيرون انتباهاً إلى أن التهديد ‏الإسرائيلي يجد فرصته السانحة في تحلل الدولة وتشتت المسؤوليات، ‏والتباس الحالة الشعبية. وبعبارة أخرى، إذا كانت المقاومة قد أعدت ‏للأمر عدته لجبه العدوان العسكري، فمن هم الذين يقفون في الصفوف ‏الخلفية- في هذا الهامش المتبقي- للتموين والتذخير والطبابة والإيواء. ‏هل هي الدولة التي يعودوننا أن تكون بلا رأس، أم هو الجيش الذي ‏يصرون على قطع رأسه، أم النظام المصرفي المشلول، أم التضخم ‏الذي يلتهم الأخضر واليابس، أم هو الموقف "الشعبي الموحد" حيث ‏يُغَنِّي كلٌّ منا على ليلاه. ورغم هذا، فقد شاهدنا إيجابية كبرى بزيارة ‏سماحة نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى لبكركي، ونوع الكلام ‏المتبادل والمتناغم، وما فيه من دق نواقيس الإنذار للحضرة السياسية ‏‏"المحترمة". كما أن اللبنانيين، بغالبيتهم المعادية لإسرائيل والمتعاطفة ‏مع أهل فلسطين، حريصون جدًا على وحدتهم الوطنية وعلى مكوناتها، ‏فكل فئة جزء من النسيج، وكذلك كل طائفة، أما ما يعتري بعض النخب ‏المسيحية، لاسيما المارونية، بأنهم، لعلة استشراء حالات الشغور، ‏صاروا في عرف فرق الممانعة والتمنع، من قبيل لزوم ما لا يلزم، ‏فمردود عليه بمواقف غبطة البطرك وسيادة المتروبوليت الياس، لأنهم ‏قبل هذا وبعد ذاك، ما زالوا جوهر اللزوميات، ومدماكًا أساسًا في بنية ‏الدولة الأولى، فإذا أحسوا بالتهميش ونزع بعضهم "للطلاق"- كما ‏يتردد- فحري بكل طائفة أن تستشعر الخطر، وحري بالعلم اللبناني أن ‏يرتعش وجلأ من احتمال سقوط أرزته من البياض المسيج بِخَطَّيْدم.‏

إن السابع من تشرين الأول استعاد وحدة الكلمة، ويجب أن يستتبع ‏بالمقاربات المؤتلفة، خاصة وأن سلام فلسطين، هو سلام العرب، ‏وسلام لبنان.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

4 كانون الأول 2023 17:35