14 تشرين الثاني 2023 | 11:35

أخبار لبنان

نجمان وحفرتان

نجمان وحفرتان


من حفرة في " دير القمر" يمتد ممر من الضوء، مُتَّصَلٌ في ‏اليوم التالي بحفرة أخرى في تراب مدينة " الحدت"، ليشكل ‏مسرى تواصل في باطن الأرض الحميم بين راحِلَيْن أبليا على ‏سطحها عدالة وكرامة، ثم تواريا كنجمتين أدركهما فجر ‏الخلود.‏

‏"الأول" منير حنين (‏le premier‏)، الذي تقلب في المناصب ‏القضائية إلى أن تبوَّأ أعلاها، فما غادرته الدماثة الرصينة، ولا ‏خذلته الشجاعة في أحلك الظروف، ومنها ما شهدته عيناي وها ‏أنا أُشْهِدُ أسطري عليه، يوم استجاب بعض القضاء للرغبات ‏السياسية انتقاماً من بعض الناشطين السياسيين، فلقد وقف ينظر ‏باستهجان من نافذته في قصر العدل إلى القمع المفرط الذي ‏مارسه رجال الأمن بحق الشباب والطلاب، ولما أحيل ‏المحتجون إلى المحكمة العسكرية ومنهم محاميان من نقابة ‏طرابلس هما النائب السابق ايلي كيروز، والنائب الحالي ‏جورج عطالله، اتصلت به بصفتي مكلفاً مع فريق من زملائي ‏للدفاع عنهما، وشكوت له صعوبة الحصول على وكالة من كل ‏منهما في مكان حجزهما، فأحالني على القاضي النبيل رالف ‏رياشي، رئيس محكمة التمييز آنذاك الذي أفادني بأنه سيعتمد ‏تكليف نقيب المحامين لي بالدفاع عن الزميلين بمثابة توكيل ‏رسمي، وبعد هذا أبطل قرار الاتهام في حكم مرجعي، جاوز ‏مقدار الشجاعة والنهى.‏

كان منير حنين بالنسبة لي أميراً، وكنت أناديه بهذا اللقب، ‏في الوقت الذي لم أخاطب فيه النقيب عصام خوري إلا ‏‏"بالمعلم"لأنه كان يملي على أبنائه وإخوانه دروسه حتى في ‏طريقة السير والسلام والابتسام والحزم المرافق لصفاته كلها. ‏هو عميد النقباء عمود العدالة والمحاماة، ونموذج الوزير الذي ‏شرف الحكم بأدائه، وصديق الكلمة الطيبة، وصائغ نصوص ‏الذهب، ومحب اللغة والشعر، وقد كان يقرضه بينه وبينه حتى ‏لا يقال بأن لعابه يسيل على ديوان العرب، ولكنه في الوقاع ‏كان من حفظته القلائل، ومن أعمق من فهم الأبيات وعجم ‏عودهاوفرق بين غثها والسمين.‏

أهداني "هوى لبنان" فقرأت فيه بيتاً من تأليفه يقول:‏

غذيتها بدم الشباب وطييه

وهَرقتُ في أهوائها أفراحي

فكأني به يخاطب المحاماة بلا مواربة، لأننا لا نزال نرى آثار ‏دماء شبابه في محياها، فهو القائل " بإن الإنسان يقاس بما ‏يدرك لا بما يملك"، وعندما عدت إلى كتاب "هامات ‏وهالات" أيقنت انني أقرؤه هامة عالية، وهالة تنتظر الأفول.‏

كانا نجمين أنفقا ما في وسعيهما من ضوء في الليل الدامس، ‏فلما طلع الصباح على ما تعانيه العدالة، آثرا الهجوع....‏ 

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

14 تشرين الثاني 2023 11:35