6 تشرين الثاني 2023 | 21:05

أخبار لبنان

أنا أنطونيو.. وأنطونيو أنا

أنا أنطونيو.. وأنطونيو أنا



رشيد درباس

‏"إنهم ينتقمون منا بقتل أولادنا"‏

وائل دحدوح ‏

مراسل الجزيرة في غزة




ضرب الزلزالُ الكيانَ الإسرائيلي في السابع من تشرين ‏الأول الفائت، فترامت الهزات الارتدادية إلى الولايات المتحدة ‏مرورًا بأوروبا في مشهد عصفٍ غير مسبوق.‏

يوم اندلعت حرب تشرين الأول عام 1973، لم يُسْتَدْعَ ‏الاحتياطي الإسرائيلي حتى أمسك الجيش المصري بكامل ‏الضفة الشرقية من القناة، وتوغلت القوات السورية في داخل ‏الأراضي المحتلة.ورغم أن هنري كيسنجر، كما نقلت عنه ‏صحيفة معاريف منذ شهر،اتفق مع الرئيس نيكسون على عدم ‏السماح بهزيمة إسرائيل، فإن الولايات المتحدة لم ترسل ‏قطارها الجوي إلا بعد أن استشعرت الخطر من هزيمة شنيعة ‏قد تحل بجيش الدفاع الاسرائيلي.‏

لكن، منذ خمسين عامًا ليس كما اليوم، فالاحتياطي في ‏جيش العدو استُدعي فورًاومازال مستنفرًا، ودباباته تراوح ‏على حدود القطاع وتتقدم بالأمتار، في مواجهة فائقة الغرابة ‏بين مئات ألوف الجنود المحترفين مع آلاتهم الحديثة المدمرة ‏من جهة،وآلاف المقاتلين الفلسطينيين الذين يقلقون بتكتيكاتهم ‏وشجاعتهم البنية الإسرائيلية برمتها؛ وذلك وفقاً لوصف قادتها ‏الذين لا يكفون عن القول بأنها حرب وجود طويلة ومؤلمة. ‏وفي هذه المرة لم يتأخر المستر بلينكن والرئيس بايدن عن ‏النجدة، بل وصلت حاملة الطائرات الأميركية الكبرى ‏‏(جيرالدفورد) إلى مياه المتوسط، ثم تبعتها الحاملة ‏‏(أيزنهاور)، في مواكبة لزيارة الرئيس الأميركي الذي حضر ‏لشد الأزر وللإعلان أمام العالم كله بأن أميركا معنية بِقَضِّها ‏وقضيضها بهذه الحرب، إلى درجة أن راح الرئيس بايدن ‏يتبنى المقولة الإسرائيلية لجهة تدمير المستشفى المعمداني، ثم ‏لجهة التقليل من عدد الضحايا.‏

على هامش هذا استشعرت الدول العربية بهول الجريمة ‏المتمادية، فأعلنت مواقف جازمة وضعت حدًّا لخطط التهجير ‏التي لم تتخلَّ عنها إسرائيل يومًا، في سعيهااليائس لتلافي ‏انفجار القنبلة الديمغرافية الفلسطينية في زمان بدأت تلوح ‏إرهاصاته. (يراجع تقرير أفيغدور ليبرمان الذي نشرته ‏الصحف الإسرائيلية منذ أيام)‏

لكن أسوأ أنواع الحروب تلك التي يشنها المتوترون الذين ‏لا يستطيعون أن يبتعدوا بأنظارهم خارج اللحظة القتالية ‏الراهنة، كما تفعل إسرائيل الآن، دون أن تعير التفاتًا إلى ‏الاستنكار الشعبي الذي عمّ العالم، بدءاً من "لندن"، مرورًا ‏‏"بواشنطن"وبالموقف التركي الذي وصل رسميًّا إلى حد ‏التلويح باستعمال القوة العسكرية، فيما كانت تركيا من أوائل ‏الدول التي اعترفت بالدولة العبرية وكانت لها معها أطيب ‏الصلات. لقد رمت إسرائيل جانبًا تطور علاقاتها بالدول ‏العربية، وتناست رفع علمها في المغرب والخرطوم وبعض ‏دول الخليج، وقررت استعادة منسوب العداء الإسرائيلي ضد ‏العرب إلى ذورته القصوى، بما ينكأ جراح "دير ساسين" ‏و"بحر البقر" و"قانا" و"صبرا وشاتيلا" وحصار بيروت، ‏واكتفت بالتباهي بقوتها العسكرية التي تقتل البشر بلا هوادة ‏دونما تفرقة بين المقاتل والرضيع، أو بين الثكنة والمستشفى، ‏وصولًا إلى تحقيق شعار النصر الكاذب الذي لن يكون، حين ‏تنكشف الخدعة ويظهر للعيان عبثية فكرة إقامة "دولة حديثة" ‏على أساس من الأسطورة والخرافة. في كتاب " الحروب ‏الصلبية كما راها العرب" يروي أمين معلوف أن "الفرنجة" ‏عندما دخلوا مدنية "المعرة" احتلفوا بانتصاراتهم، فأقاموا ‏الولائم على مدى أيام، وكانت ألذ أصنافها، مئات روؤس ‏الأطفال.. فكأنما إسرائيل تجدد "مجد الفرنجة" بإدارة أكبر ‏مسلخ في التاريخ لذبح الأولاد وَشَيِّهِمْ على نار الصواريخ، كما ‏حدث لبنات عائلة "شور" أول أمس على مرأى من أمهن التي ‏كانت تشم رائحة لحومهن المحترقة وهي عاجزة عن انقاذهن؛ ‏أغلب الظن أن هذا لا يدخل في قائمة الجرائم المعادية ‏للإنسانية، لأن المسلخ الإسرائيلي عليه ختم البيت الأبيض ‏ومباركة كثير من الدول المتقدمة.‏

كل ذلك يحدث أمام شاشات التلفزةالتي تكاد تنفجر في ‏نفوس مشاهدي العالم أجمع.فعلى مرِّ الثواني، تنقضُّالطائرات ‏فوق رؤوس ما يزيد عن مليوني إنسان، بالحمم القاتلة المدمرة، ‏في فضاء حر خالٍ من المخاطر،وبوتائر متصاعدة، لأن ‏‏"فرسان الجو"، يخشون الالتحام بأهل البر المحاصرين ‏المحرومين من الماء والكهرباء والدواء والطعام. أما فرسان ‏السياسة،رئيس "بايدن"ورئيس وزراء بريطانية "ريشي ‏سوناك" والرئيس "ماكرون" وغيرهم من قادة العالم، ‏فيهرعون للسفر إلى تل أبيب تضامنًا مع نتياهو واستنكارًا لما ‏فعلته "حماس"، غاضِّين النظر عن تدمير القطاع وتجويعه، ‏فيما يرى العالم كله، شخصًا متواضعًا، خلع عنه ربطة عنقه ‏وأبهة مركزه الرفيع، ليتابع شاحنات الإغاثة على بوابة رفح، ‏وينتظر حزينًا، فسحة من الوقت تسمح فيها إسرائيل بمرور ‏بعض المعونة للعطاش والجرحى والجوعى. إنه "أنطونيو ‏غوتيرتش"، الأمين العام للأمم المتحدة، الذي أشهر غضبه ‏الهادىء في مجلس الأمن وقال: إن ما حدث في السابع من ‏تشرين الأوللم يأت من فراغ، بل له ما قبله، وهو نتيجة ‏الاضطهاد ضد الشعب الفلسطيني، وسياسيات الاستيطان، ‏وتجاهل الدول العظمى لهذه القضية.ولما انفجر الوزير ‏الإسرائيلي بوجهه مطالبًا بإقالته، سكت وزراء خارجية الدول ‏المتحضرة عن الأسلوب السوقي، فيما أشاح عنهم الرجل النبيل ‏بنظرة مزدرية، كأنه يستعيد ما قاله مارك انطونيو في مسرحية ‏‏"كليوباترا" لأمير الشعراء أحمد شوقي: "أنا أنطونيو ‏‏...وأنطونيو انا"، فمن يسكت عن سجن حقيقي فيه أكثر من ‏مليوني نزيل، حُكِموا جميعاً بالعقوبة المؤبدة، بمن فيهم الأجِنَّة ‏في الأرحام، ليس غريبًا أن يسكت عن كلام سوق من رجل ‏سوء بإجرام الوزير الاسرائيلي، الذي لا يستحق إلا الازدراء، ‏مع أولئك الذين ارتضوا أن تهان الأمم المتحدة إلى هذا الحد، ‏فلم يحركوا ساكناً ولم يزجروه. أما من هو بشموخ ‏‏"غوتيرتش"، رغم قصر قامته، فيكفيه من المجد ثورة القرنفل ‏السلمية على الفاشية والدكتاتورية، وانتسابه لذلك الفكر ‏الإنساني رئيسًا لحزب، ورئيسًا لحكومة ثم أمينًا عامًّا يمارس ‏الحراسة على الشاحنات، كما على القيم البشرية التي تُنْتَهَكُ ‏بالقتل والتدمير والتجويع والتعطيش وتدمير المستشفيات. ولقد ‏كنت أتوقع مواقف من الدول العربية تحيي شجاعة الرجل، ‏ولقد كان من أضعف الإيمان أن يوجه السيد أحمد أبو الغيط ‏رسالة شكر له، باسم جامعة الدول العربية، فإذا السكوتُ قد عمَّ ‏أيضًا اللسان العربي. أما عن موقف وزير خارجية اسرائيل، ‏فيكفي التذكير بأن رئيس حكومته بنيامين نيتياهو، سليل تراث ‏إرهابي قديم، وأنه خليفة "مناحيم ببغن" الذي نسف فندق الملك ‏داود، ثم حصل على "نوبل" للسلام فيما بعد، بمحاكاة مضحكة ‏مبكية تفسر مفهوم السلام على أنه نوع من البطش بالشعوب ‏مرغوبٌ فيه دوليًّا. شتَّان ما بين شيبة نتيناهو المتهتكة ووقار ‏شيب الأمين العام.‏

إن الأمين العام للأمم المتحدة، عندما نبه المجتمع الدولي ‏إلى خطورة تجاهل الحقائق، لم يكن معاديًا للسامية أو داعيًاإلى ‏رمي إسرائيل في البحر، بل كان يقوللمن له سمع وبصيرة، إن ‏العواقب القادمة ستكون أدهى من النتائج المنظورة.‏

السلام صعب والحرب هينة. فالأول يحتاج إلى منسوبٍ ‏عالٍ من الفهم والثقافة والإنسانية والشجاعة والقدرة الفائقة ‏على إقناع الناس بأهمية الحياة، أما الحرب فقرار جبان يتخذه ‏من خانته شجاعة الذهاب إلى التسويات، واستسلم إلى الخطاب ‏والغريزة.‏

أعود إلى السيد "غوتيرتش" الذي يكن حبًّا للبنان وإعجابًا ‏به،فقد كان يدعو دائمًا إلى عدم التفريط بالصيغة وإلى الحفاظ ‏على نموذج التكامل بين الطوائف.وكان لي حظ التعرف به عن ‏قرب، لكثرة ما تلاقينا في لبنان والخارج أثناء تولِّيَّ لملف ‏اللجوء السوري كوزير للشؤون الاجتماعية آنذاك. ومما أذكره ‏له، وأنَوِّه به، أنني عندما أبلغته بقرارنا وقفَ اللجوء السوري، ‏وشطبَ الذين يذهبون إلى سوريا من سجل اللاجئين، همس لي ‏بود كبير: أنا أمامك أمثل مصالح اللاجئين، لكنني عندما أدير ‏ظهري أصبح لبنانيًّا متعاطفًا معكم... ثم ختم، إنها دولتكم، ‏وأنتم أدرى بمصالحها.هذه الدولة قد تتعرض لحرب مدمرة، ‏فيما قواها السياسية مصرة على أن تشرع شبابيكها وأبوابها ‏للإعصار المتوقع، دون أن يهتز فيها عرق من خجل، فتسارع ‏إلى ملء الفراغات الخطيرة التي أصبحت فجوات واسعة ‏ستتدفق منها الأمواج المغرقة لا سمح الله. ذلك أن شغور ‏الرئاسة والحاكميه وقيادة الجيش، ليس شغوراً مارونيَّ ‏العناوين وحسب، بل أنا أخشى أن يصير مشروع شغور وشيك ‏بالدور الماروني، وبالصيغة اللبنانية كلها.‏ 





النهار 

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

6 تشرين الثاني 2023 21:05