أوكسيجين النهار - مازن عبود
النيوكلاسيكية الاقتصادية تعتبر بانّ الأفراد والكيانات يعملون على أساس المصلحة الذاتية العقلانية، وأن الأسواق تعمل بفعالية عندما تترك دون عائق. تطبيق هذه النظرية لفهم الحرب في غزة يتضمن تحليل كيفية اتخاذ الفاعلين العقلانيين، سواء كانوا أفرادًا، أو مجموعات، أو دولا لقرارات الانخراط في النزاعات بناء على تحليلات التكلفة والفائدة. أولا لفهم الموضوع علينا درس أسباب تكبد الفلسطينيين لكلفة النزاع. وفق مبدأ الاختيار العقلاني، الفلسطينيون مضطرون لاختيار الحرب بحيث أنّ فوائد الحرية وبناء دولة تجسد هويتهم وتعاملهم كمواطنين وتستخدم مواردهم لرفاههم تفوق تكلفة الحياة في الاحتلال والحصار والظلم والفقر، وبخاصة بغياب التعاون السلمي. نتنياهو ازلّ الفلسطينيين في مقدساتهم ومعيشتهم. اعتبر بانّ قضيتهم انتهت. ظنّ بانه قضم اراضيهم. جشعه لامتلاك كل شيء حتى غاز بحر غزة جعله يفكر بترحيلهم الى سيناء. فللشجع أدوار في الحروب وللإحباط أدوار ابلغ.
يعتبر النيوكلاسيكيون بانّ الفاعلون يستمرون في النزاع طالما انّ العائد الاقتصادي للتحكم بالموارد أكبر من التكلفة. وهذا ما يفسر رغبة نتنياهو بالاستمرار. فالسيادة على آبار غاز بحر غزة تعويض يعيد الهيبة المفقودة. فالنفط مصدر الفرص الاقتصادية والمصدر الجذري للصراع العالمي، والتفاوت الاقتصادي ايضا. تيموثي سي. واينغارد يعتبران في "حرب النفط العالمية الأولى" النفط عامل محفز للحرب والدبلوماسية على حد سواء.
الفلسطينيون يشكون تصفية قضيتهم ويعتبرون بانّ الحرب تمكنهم من استرجاع الحلم وقوة التفاوض. التفاوت المفرط في معدلات الرخاء والحرية ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين يؤجج النزاعات. فالحرب وسيلة العاقلين الفاعلين في تصحيح الشكاوى.
المناخات الدولية المشحونة وصدمات الاقتصاد العالمي التي ادت الى الركود، اسهمت مع التضخم المفرط والديون وفي تقلص المساعدات والاهتمام بالفلسطينيين. فظننا انّ القضية الفلسطينية ماتت. نسينا اسم رئيس السلطة وعنوان اقامته. ثمة تنافس جيوسياسي، وتداعي للنظام العالمي، وتزايد لنفوذ إيران وبروز الصين. منظمة التجارة تتهاوى. افل عصر الحدود المفتوحة. انه زمن التسابق والامن الاقتصادي والحماية. تراجع المساحات العقلية للتبادل، ينتج مساحات غير عقلية للصراع. التجارة المربحة للجميع عكس الحروب ومنطق الغالب والمغلوب. تقلص التبادل يزيد احتمالية النزاعات. فالدول المترابطة تجاريا أقل انخراطا في النزاعات. لو حصل السلام وحصّن بالترابط والتبادل، لكان الوضع اختلف. النزاع يقوّض الأنشطة الاقتصادية والفائدة المشتركة. اما الحصار والعقوبات فوسائل لفرض تكاليف على الخصم، تفضي الى حروب.
لو لم يتم اغتيال مشروع السلام ب"رابين" وحلول الحرب ب"نتنياهو" لكانت المنطقة أفضل. ما حصل سيكلفنا لكنه سيكلف إسرائيل معنويات ورأس مال بشري وغير بشري. وستكون تداعياته كبيرة على شركات التكنولوجيا. أطفال غزة يسجلون أسماءهم على أيديهم بانتظار الموت. الظلم يؤدي الى التطرف. ان لم تفضي حرب غزة الى حل دائم فهي ستؤدي حتما الى حرب عالمية ثالثة. يتوجب تفعيل عنصر الدبلوماسية قبل فوات الأوان. اقتصادات الحرب تلتهم السلم والنمو. والانفاق الحربي يبيد اموال البحوث والتنمية. فلننقذ العالم من براثن المجمع العسكري-الصناعي الذي يتحكم بالدول واقتصاداتها. فعندما تبدأ الحرب تنهار غالية الأسواق. يقول أيزنهاور: "انّ كل بندقية تُصنع، كل سفينة حربية تُبحر، كل صاروخ يُطلق، هي سرقة للذين يجوعون ولا يُطعمون، والذين يبردون ولا ينالون كسوة."
"المأساة الحقيقية للفقراء هي فقر طموحاتهم" كما يقول آدم سميث. ولا يتوجب بنا ان نكون فقراء في الطموح الى عالم أكثر استقرارا وتبادلات تجارية وثقافية. نستأهل العدل والسلام والبحبوحة، فلنعمل لذلك ولو بالكلمة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.