أثار قرار الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الأحد، إقالة وزير الدفاع أوليكسي ريزنيكوف، وتعيين رستم عمروف لشغل المنصب بدلاً منه، العديد من التساؤلات، فهل حقاً فشل الهجوم الأوكراني المضاد وجاءت إقالة ريزنيكوف للبحث عن دماء جديدة تقود هذا الهجوم في محاولة لإنعاش آمال كييف وقدرتها على المواجهة، أم أن هناك أسباب أخرى بعيدة عن الهجوم المضاد مثلما يثار حول الفساد... وسواء كانت الإجابة هذه أو تلك ماذا يعني تغيير وزير الدفاع الأوكراني في هذا التوقيت الصعب؟
نهج جديد
دعا الرئيس زيلينسكي إلى «نهج جديد» في وزارة الدفاع، وذلك بعد عام ونصف عام من الحرب، مشيرا إلى أنه سيطلب من البرلمان هذا الأسبوع اختيار رستم عمروف لشغل المنصب بدلاً من ريزنيكوف.
ويرأس عمروف (41 عاماً) صندوق ممتلكات الدولة الأوكرانية منذ سبتمبر/ أيلول 2022 ولعب دوراً في عدد من المفاوضات الحساسة في زمن الحرب، ومنها المباحثات الخاصة باتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود.
الأمر الغريب أن التغييرات التي وصفت بالأكبر في وزارة الدفاع الأوكرانية منذ بداية الحرب وانطلاق الهجوم المضاد في 4 يونيو/ حزيران الماضي، تزامنت مع تحقيق كييف مكسب ميداني باختراق خط الدفاع الروسي الأول، بالقرب من زابوريجيا (الواقعة جنوب شرق البلاد)، إذن، فلماذا تغيير وزير الدفاع في مرحلة بدأت بتحقيق بعض المكاسب؟ أم أنه لا توجد مكاسب على الأرض؟
قال زيلينسكي إنه قرر تغيير وزير الدفاع في أوكرانيا، لأن الوزارة بحاجة إلى أساليب جديدة من التفاعل مع الجيش والمجتمع.
تطور ميداني
التطور الميداني للعمليات يؤشر إلى احتدام المعارك بين القوات الروسية والأوكرانية بين خطي الدفاع الأول المخترق، والثاني المحصن من قبل روسيا، وسط أنباء عن ثغرات في جبهات القتال وتأكيدات أوكرانية على إحكام قبضتها على الأراضي التي سيطرت عليها في القتال الأخير.
الأنباء الميدانية المتناقلة تؤشر إلى إعادة موسكو نشر قواتها في المنطقة من الخطوط الأمامية داخل أوكرانيا من خيرسون إلى الغرب وليمان إلى الشمال الشرقي، وكذلك من داخل روسيا.
وتدعو كييف إلى ضرورة مواصلة الإمدادات الغربية وبوتيرة أعلى من الأشهر الماضية؛ وتسريع عمليات التدريب على مقاتلات (إف 16) واستخدام السلاح المتطور ما سيكون له مزيد من عامل الحسم في حصاد جيد للهجوم المضاد خلال مراحله التالية.
الانتخابات.. ومن يتحمل مسؤولية الفشل
وفي المقابل نفت موسكو اختراق القوات الأوكرانية لخط الدفاع الروسي الأول في زابوريجيا، مؤكدة أن ما تتحدث عنه كييف نقاط دفاعية وهمية.
وفي هذا السياق يشير خبراء ومحللون إلى أن تزامن التغييرات العسكرية في أوكرانيا داخل وزارة الدفاع مع إعلانها أنها حققت تقدماً ميدانياً، أمران في غاية التناقض، ويثبت فشل الهجوم المضاد. لافتين إلى أن الرئيس الأوكراني يبحث عن شخصية تتحمل مسؤولية فشل هذا الهجوم المضاد، بالأخص مع اقتراب الانتخابات الرئاسية هناك بداية العام المُقبل، وهذا ما يبرر تلك الإقالات الأخيرة.
وتابعوا، أن أوكرانيا استعادت أكثر من 12 بلدة في الهجوم المضاد الذي يقترب من إكمال شهره الثالث، لكنها لم تستعد أي مناطق رئيسة، إذ عرقلت الألغام وخطوط الدفاع الروسية حركة الجنود الأوكرانيين والمركبات والدبابات الغربية. حيث تسيطر القوات الروسية على نحو 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، والمتمثلة في شبه جزيرة القرم التي ضمتها عام 2014، إضافة إلى معظم منطقة لوغانسك وجزء من دونيتسك وزابوريجيا وخيرسون.
تأخير الإقالة
في فبراير/ شباط الماضي، نقلت وسائل إعلام أوكرانية عن وزير الداخلية قوله، إن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قرر تعيين اللواء كيريلو بودانوف وزيراً جديداً للدفاع.
وأضاف وزير الداخلية أن زيلينسكي قرر نقل وزير الدفاع السابق أوليكسي ريزنيكوف إلى منصب وزير الصناعات الاستراتيجية.
وفي وقت سابق، قال ريزنيكوف إن عمليات تد،قيق عقود المشتريات العسكرية جارية بعد فضائح فساد، وإنه سيستقيل إذا اتخذ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قراراً بحقه.
وأضاف ريزنيكوف خلال مؤتمر صحفي، أن القرار بشأن إذا كان ينبغي أن يكون وزيراً للدفاع أو لا يتخذه شخص واحد هو الرئيس زيلينسكي.
وتابع «كوني محامياً يسمح لي بالتفكير المتفائل بأنني سأجد مشروعاً مثيراً للاهتمام لنفسي، لن يُسمح لنا فقط بالفوز في الحرب، ولكن أيضاً بمعاقبة القيادة العسكرية والسياسية للاتحاد الروسي لاحقاً».
وأكد وزير الدفاع الأوكراني آنذاك أنه يؤمن بأنّ على كل مسؤول أن يدرك أنه لن يبقى في منصبه مدى الحياة.
وكانت وسائل إعلام محلية أفادت في فبراير الماضي أيضاً، بأن ريزنيكوف قد يقدم استقالته خلال أيام قليلة، وأن البرلمان يعتزم النظر في طلبه.
وكان موقع «يوكرينسكا برافدا» ذكر نقلاً عن مصادر لم يحدّد هوياتها، أن ريزنيكوف سيُستبدل به رئيس الاستخبارات العسكرية كيريلو بودانوف (37 عاماً)، وقد يُعيَّن ريزنيكوف الذي درس الحقوق وزيراً للعدل، وفق الموقع.
إقالة نائبه في فبراير
ويُعدّ ريزنيكوف أحد أشهر الوجوه خلال الحرب الروسية الأوكرانية، وتمّ تعيينه وزيراً للدفاع في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، وكان يشرف على القوات المسلّحة طوال فترة الحرب الروسية على أوكرانيا، التي بدأت في 24 فبراير/ شباط 2022، كذلك ساعد في تأمين أسلحة غربية لدعم القوات الأوكرانية.
لكنّ فضائح فساد طالت وزارته مؤخراً، وكان مسؤولون في مجال الدفاع من بين نحو 10 شخصيات اضطروا للاستقالة في يناير/ كانون الثاني الماضي، في أكبر تغيير سياسي في أوكرانيا منذ بدء الحرب.
واستقال فياتشيسلاف شابوفالوف نائب ريزنيكوف الذي عمل على توفير الدعم اللوجيستي للجيش، بعد اتهام وزارة الدفاع بتوقيع عقود أغذية بأسعار أعلى مرتين إلى 3 مرات من الأسعار الحالية للمواد الغذائية الأساسية.
خطوة مفاجئة
جاء الإعلان عن إقالة وزير الدفاع الأوكراني ريزنيكوف، في خطوة مفاجئة فيما تدخل الحرب في روسيا شهرها التاسع عشر.
ويأتي القرار، بعد ساعات من إعلان ريزنيكوف، أن بلاده تعتزم زيادة إنتاج الطائرات المسيرة في وقت مبكر من هذا الخريف، مع شنها مزيداّ من الهجمات بهذه الطائرات على أراض روسية.
وزادت وتيرة هذه الهجمات في الأسابيع القليلة الماضية، إذ ضربت العشرات منها روسيا في وقت واحد في بعض الأيام، ووصلت حتى مدينة بسكوف غربي البلاد، على بعد نحو 600 كيلومتر من أوكرانيا.
وتستخدم كييف الطائرات المسيرة لمهاجمة المطارات والسفن والجسر المؤدي إلى شبه جزيرة القرم.
وكان ريزنيكوف قال لوكالة الأنباء الأوكرانية الحكومية «أعتقد أن هذا الخريف سيشهد طفرة في إنتاج طائرات مسيرة أوكرانية مختلفة، طائرة وعائمة وزاحفة، إلخ، وسيواصل ذلك النمو من حيث الحجم».
وهاجمت أوكرانيا مطارات عدة في روسيا ووسط موسكو وقواعد عسكرية في كل من شبه جزيرة القرم، وفي مناطق قريبة من الحدود الأوكرانية.
سفير كييف في لندن
وأفادت تقارير بثتها وسائل إعلام أوكرانية بأن ريزنيكوف سيصبح سفير كييف الجديد في لندن، لأنه طور علاقات جيدة مع كبار السياسيين.
وأصبح ريزنيكوف، البالغ من العمر 57 عاماً، شخصية معروفة بعد بداية الحرب في أوكرانيا. وحظي باعتراف دولي، وهو يحضر بانتظام الاجتماعات التي تتم مع حلفاء أوكرانيا الغربيين، واضطلع بدور رئيسي في الضغط من أجل الحصول على معدات عسكرية إضافية. لكن إقالته كانت متوقعة منذ بعض الوقت.
وفي الأسبوع الماضي، قال ريزنيكوف للصحفيين إنه يستكشف مواقع أخرى مع الرئيس الأوكراني.
وقال وزير الدفاع السابق، وفقاً لوسائل الإعلام المحلية، إنه إذا عرض عليه زيلينسكي الفرصة للعمل في مشروع آخر فمن المحتمل أن يوافق.
وقال مستشار الدفاع الأوكراني، يوري ساك، لبي بي سي إن ريزنيكوف قاد عملية تحويل الوزارة، ووضع الأساس لعضوية أوكرانيا في الناتو في المستقبل.
وأضاف: «إن إرثه هو أنه أقنع وزراء الدفاع في جميع أنحاء العالم بأن المستحيل ممكن»، في إشارة إلى نجاح ريزنيكوف في الضغط على الحكومات الأجنبية للحصول على الأسلحة.
لكن خبراء لاحظوا أن التعديل الوزاري من غير المرجح أن يؤدي إلى أي تغيير كبير في استراتيجية الحرب في ساحة المعركة في أوكرانيا، إذ إن من يشرف على الحملة هو الجنرال فاليري زالوزني- قائد القوات المسلحة الأوكرانية.
وزير الدفاع الجديد
هو رستم أوميروف، وهو عضو بارز في مجتمع تتار القرم، الذي مثّل بلاده في المفاوضات الحساسة مع روسيا.
ولد أوميروف في إبريل عام 1982 بمدينة بولونغور بمنطقة سمرقند في جمهورية أوزبكستان، لعائلة من المهاجرين من مدينة ألوشتا، الواقعة على الساحل الجنوبي لجمهورية القرم، البلد الذي تم نفيت عائلته إليه في عهد جوزيف ستالين، وعاد إلى شبه جزيرة القرم في أوكرانيا عندما كان طفلاً، بعدما سُمح للتتار بالعودة في الثمانينات والتسعينات، وفق تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية.
وأميروف، هو سياسي وبرلماني أوكراني مسلم، ينتمي إلى عرقية التتار، وكان له دور في المفاوضات مع روسيا بشأن صفقة الحبوب، كما كان عضواً في لجنة المفاوضات الأوكرانية مع روسيا إبان اندلاع الحرب في فبراير 2022، بهدف التوصل إلى حل سياسي يجنب الحرب.
وبعد عودته إلى القرم، تلقى رستم تعليمه هناك وتخرج في كلية الاقتصاد بالأكاديمية الوطنية للإدارة، كما تلقى تعليمه في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويتحدث وزير الدفاع الجديد للقوات الأوكرانية 6 لغات من بينها العربية، إضافة إلى الإنجليزية والروسية والأوكرانية والتركية ولغة تتار القرم. بحسب ما ذكره حسابه على منصة «لينكد-إن».
وبعد تخرجه في كلية الاقتصاد، بدأ أوميروف البالغ من العمر 41 عاماً عمله في مجال الاتصالات في عام 2004، حيث شغل العديد من المناصب العليا في واحدة من شركات الهاتف المحمول الرائدة في أوكرانيا، وفي عام 2013، أنشأ شركته الاستثمارية الخاصة ASTEM.
كما عمل وزير الدفاع الأوكراني الجديد لسنوات مستشاراً للزعيم التاريخي لتتار القرم مصطفى جميليف، وانتزعت روسيا السيطرة على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في عام 2014، وأجرت استفتاء على الضم الذي دانته أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون باعتباره غير شرعي.
وفي عام 2019، ترشح رستم أوميروف للانتخابات البرلمانية المبكرة للبرلمان الأوكراني عن حزب «الصوت» بزعامة سفياتوسلاف فاكارشوك تحت رقم 18، ونجح وأصبح نائباً في الدورة التاسعة، ودخل ال«رادا» (البرلمان الأوكراني) كنائب مستقل، وهناك شغل منصب الرئيس المشارك ل«منصة القرم»، وهي جهد دبلوماسي دولي يهدف إلى مواجهة ضم روسيا لشبه الجزيرة.
وفي ربيع عام 2022، أصبح رستم أوميروف، الذي كان نائباً آنذاك، عضواً في الوفد الأوكراني الذي شارك في عدة جولات من المفاوضات مع روسيا، وكان حاضراً في المحادثات ببيلاروسيا، وفي مرحلة المحادثات في إسطنبول (29 مارس 2022).
وشارك أوميروف في محادثات خلف الكواليس مع المسؤولين الروس، سواء بعد ضم شبه الجزيرة أو بعد بداية الحرب الروسية الأوكرانية، بما في ذلك التفاوض على تبادل الأسرى البارزين، وإجلاء المدنيين. وفي 7 سبتمبر 2022، عين البرلمان الأوكراني رستم أميروف رئيساً جديداً لصندوق ممتلكات الدولة في أوكرانيا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.