4 أيلول 2023 | 20:14

أخبار لبنان

هل يُسفِرُ التنقيبُ عن اسْتِخْراجِ رئيس؟

هل يُسفِرُ التنقيبُ عن اسْتِخْراجِ رئيس؟

رشيد درباس



ديمةٌ سَمْحَة القيادِ سَكُوبُ

مستغيثٌ بِها"الورى المنكوبُ"‏

أبو تمام (بتصرف)‏



لم نلمس بعدُ الطرفَ المبلول رغم دخولنا في أيلول. لكننا ما زلنا ننتظر ‏الغيث الفرنسي الذي لم تفلح رسالة لودريان إلى من اصطفاهم من النواب في ‏أن تبشرنا منه بديمة سكوب، تسلم قيادَ الدولة إلى يدٍ رئاسية سمحة.‏

أما الحالة السياسية الداخلية، ففي بطالة صيفية تخللتها ظواهر ‏واشتباكات وخطابات وتحذير من الذهاب إلى الحرب الأهلية. لكني كشاهد ‏عاش أيام تلك الحرب، وعانى مع غيره من جرائمها وقذاراتها وأضرارها، أرى ‏أن كثرة التحذير منها لا يعبر عن حقيقة قائمة ولا وشيكة، لأن اندلاع ‏القتال الداخلي مجدداً يحتاج إلى ظروف وإمكانيات وتسليح، وأموال ‏واستقطاب خارجي وأهداف ملموسة، وهذه كلها غير متوفرة في الوقت ‏الحاضر أو المنظور.‏

فمنذ العام 1969، مروراً بالدخول السوري ثم خروجه، وبينهما ‏الاجتياح الإسرائيلي الذي عجز عن إنشاء حالة سياسية تناسبه، كان جوهر ‏صراعات تلك المرحلة يدور بالدرجة الأولى حول القضية الفلسطينية ومن ‏سيمسك بزمامها، أو يستثمر في تطوراتها.وقد عجزت القوى اللبنانية الوازنة ‏في ذلك الوقت عن إنتاج تسوية داخلية تتدارك تحويل لبنان ساحة صراع، ‏فشرعت أبواب الوطنأمام تسلح داخلي وتركيبات سياسية وتنظيمية ‏مستحدثة، تلبس براقع لبنانية، وتتحرك وفق إرادات القوى الخارجية ذات ‏النفوذ المتسلل إلى الطوائف بذرائع كاذبة، فتارةً هنا وتارةً هناك،كالموقف ‏السوري المتقلب مراتٍ عديدةً بين الأفرقاء، تحالفًا وتحاربًا.‏

الصراعات اللبنانية- اللبنانية، لم تكن إذًا إلا قشرة تستَّر بها المتصارعون ‏الإقليميون والدوليون. فلما حصل اتفاق أوسلو وانتهت قطيعة مصر، وخابت ‏نتائج الغزو الاسرائيلي، رضيت الميليشيات اللبنانية بتسليم سلاحها، لأن ‏نزاعاتها الداخلية، على جِدِّيِّتِها، لم تكن سوى مسرح للُّعبة الخارجية. أما ما ‏نراه اليوم من بعض المبالاة "الخماسية" فيغلب عليه رفع العتب، تمهيداً للتنصل ‏من كيان نجح أصحابه في زَجِّه في المحرقة، وفشلوا بعد ذلك فشلاً ذريعًا في ‏استنقاذه، بل ذهبوا بملء الإرادة من جهة، وكامل التهاون من جهة أخرى، ‏يبحثون له عن معمعمة جديدة، إلى أن أصبح منصة بمنابرعديدة يجري من ‏خلالها التراشق بالعصور الحجرية دون المرور بالعصور البرونزية.‏

ملاحظة هامشية أوجهها لمن يبحثون عن الحلول الفدرالية الموسعة، ‏أنهم سيكتشفون عاجلاً أم آجلاً أن الانقسام لا يولد وحدات متينة، بل ‏خلايا جديدة خبيثة التكاثر. وأستطرد فأقول أنظروا إلى الفوضى المستدامة في ‏كثير من دول العرب، حيث الصراعات الإتنية أو المذهبيةليست سوى تبرير ‏سطحيلسحب دور سوريا والعراق من الصراع العربي الإسرائيلي، وجعل ‏السودان الخصيب جديبًا حتى ينسى أنه جزء عزيز من أمة العرب، وتحضير ‏ليبيا للصلح علىأن تظلَّ مقبرةً تطلب المزيد من أهلها، ليبقى النفط سلسبيلاً ‏بخسًا جاريًا إلى خَزَّانات الدول التي ترعى تلك النزاعات.‏

ضربت هذه الأمثال للتأكيد على أن لبنان لا يختلف حاله عن دول ‏شقيقة ذهبت إلى المأساة ولمَّا تخرج منها بعد، بسبب قياداتها التيتلهّت ‏بالمناكفات وأغفلت البحث عن الجوهر. ‏

عندما اسْتُهْدِفَتْ دولة الطائف في اللحظة الأولى لإنشائها باغتيال ‏الرئيس معوض، جرت محاولة للحفاظ على شكلها، وقامت ورشات كبرى ‏لإزالة آثار الحرب، وحصلت انتخابات نيابية وبلدية، وعمت الكهرباء، ‏وعادت العاصمة لؤلؤة الشرق. فلما تمادى "بعضنا" في توطيد ركائز تلك ‏الدولة، نُسِفَتْ ظهيرةَ ذلك اليوم من شباط من العام 2005، في تواطؤ ‏خبيث بين جهاتتآلفت حول فكرة جعل لبنان مرتهناً لصراعات لا تنتهي. ‏ولكن الشعب عبر عن حيويته المذهلة مرتين، الأولى في 14 آذار، والثانية في ‏‏17 تشرين الأول، وفي المرتين، أثبتت القيادات أنها لا تحسن الإدارة، ولا ‏تتمتع بالرؤية البعيدة، ولا تملك زمام المبادرة، ولا تؤلف تحالفات قوية، بما ‏ضيّع استتثمار الحدَثَيْن، أو أرجأ ذلك ليوم قد يأتي!‏

كل السطور السابقة مقدمة طويلة لموضوع مختصر يقتضي التعامل معه ‏بشجاعة ووطنية وإرادة قوية ونظيفة. فليس خافيًا على أحد أن الأطراف ‏الأقوى في المعادلة اللبنانية، على مر الحقبات التي ذكرت، كانت تستهزىء ‏بالدستور وبالاستحقاقات، وَتُدْخِلُ الدولة في فترات طويلة جدًّا من فراغ ‏رئاسي ممض، تقوضت معه الأعمدة، وتفسخت الجسور؛ فبعد انتهاء ولاية ‏الرئيس أمين الجميل، حُكِمَ لبنان من حكومتين متنابذتين وقوى مسلحة ‏منقسمة، إلى أن انتخب الرئيس الهراوي، ومن ثم جرى إنهاء استعصاء العماد ‏عون. وبعد انتهاء ولاية الرئيس لحود عادت الرئاسة إلى صالة الانتظار حتى ‏انتهى مؤتمر الدوحة إلى ما انتهى إليه. أما الفترة الطولى فكانت بين نهاية ‏ولاية الرئيس ميشال سليمان حتى الرضوخ والقبولبالرئيس عون، ونحن الآن ‏نعيش دورة أخرى من الفراغ والاستهزاء بالدستور لا ندري متى تنتهي، لأن ‏الأطراف الفاعلة تخندقت وبنت متاريس من المطالب الإسمنتية، وهي تعلم ‏تمامًا، أنها إذا لم تبادر إلى فتح كوى لحوار منطقي لا يقوم على القسر ‏والإرغام ومدعم بالمصداقية، يمكنها أن تبقى في خنادقها حتى العفن. وبعبارة ‏أخرى، فإن محور الممانعة يسعى لتحويل السيطرة الفعلية إلى استكمال ‏شرعنتها، فيما محور المعارضة، يستقوي بتشدده السياسي شبه الخالي من ‏الفاعلية العسكرية ومن المهارة، وكلا المحورين يعلمان أنه إذا لم يتم انتخاب ‏رئيس، فإن الأرض ستميد تحت الأقدام كلها، بما يوجب الذهاب إلى مرشح ‏لا يُسْعِدُ أيًّا منهما، أو يغضبه، وذلك حفاظًا على ما تبقى من الدولة، وفتح ‏باب الحلول الواقعية.فإذا كان الممانعون يرون أن مفتاحهم لهذا الباب، ‏مصبوب من معدن أصيل وثمين ومتين، وكان المعارضون يتمسكون بمفتاح ‏إلكتروني حديث متطور، فالعبرة ليست بالمفاضلة بين جودة أيِّ من ‏المفتاحين، بل بالمقدرة على فتح الباب الموصد، وإذا اقتضى الأمر البحث عن ‏مفتاح جديد أو إجراء تعديلات ما على أحدهما، وجب التفاهم على ذلك ‏لأن العبرة بالدرجة الأولى بانفتاح الأقفال والخروج من الانسداد القائم.‏

أن يكون للبنان رئيس جمهورية، أمر يتقدم على كل شيء، لأن الحال ‏إذا تمادى قد يصل بنا إلى زوال المنزل مع بقاء الباب موصدًا.‏

نطالع الصحف ونتابع التعليقات، فنرى معظمها يتمحور حول تفاهم ‏إيراني- سعودي لا بد منه ليفك عقدتنا، وربما كان هذا صحيحًا في جانب ‏منه- كما لمح الرئيس ماكرون- ولكن الجانب الآخر من الموضوع يقتضي منا ‏أن نُعِدَّ أنفسنا وعقولنا لتقبل الجرعات المستوردة، تحت طائلة نفض اليد منا ‏ومن عجزنا ومكابرتنا، وهذا ما رأيته في رسالة (لودريان):أنها رفع عتب قبل ‏إدارة ظهر أصدقائنا لنا.‏

هذا الكلام أربطه بمقالي الشهر الماضي عن (الحريرية بين التعليق ‏والعلق) لأن تضعضع الموقف السياسي للطائفة السنية لا يعوضه لقاء من ‏هنا، ووليمة من هناك؛ ذلك أن العصب الذي انطلق في الرابع عشر من ‏آذار، والغضب المتفجر في السابع عشر من تشرين الأول، لا يمكن أن يلتقيا ‏على خير في ظل استقالة طائفة تأسيسية من فعاليتها، بل أكاد أقول من ‏وجودها السياسي، لأن التسوية الوطنية برمتها تصبح مستحيلة إذا لم تكتمل ‏عناصرها كافةً.‏

هذا الكلام أخص به على وجه التحديد الرئيس سعد الحريري المطالَبِ ‏بالخروج من صمته، وكذلك بعض العرب الذين لم يتركوا لبنان يقع في زمن ‏الاعتداء الإسرائيلي، فهل يتركونه للانهيار الكامل مكتفين بالفرجة على ‏التراشق بحجارة العصور، واستعراض العضلات الكلامية؟

هل أنا بحاجة للتذكير أن رفيق الحريري عاد إلى بلده المدمر بمشروعه ‏السلمي التنموي، مدعومًا بالهبات السعودية ومنفقًا مما جناه من ثروة في ‏المملكة؟

هل نسينا أنه أنشأ أنبوب نفط افتراضي من المملكة إلى لبنان بتشجيع ‏لا حدود له من تلك الدولة الشقيقة؟

هل نسينا غضب الملك عبدالله والأمير سعود الفيصل يوم اغتيال ‏الرئيس الشهيد، وأن ولده سعد، تولى مهمته من غير سابق توقع أو استعداد، ‏وذلك بدعم مضاعف من المملكة؟

فلماذا إذًا، نتبع التَّقِيَّة والمواربة ولا نضع الإصبع على الجرح، لنسأل ‏من"يهمهم الأمر" عن حقيقة الأمر، ومتى يمكن لهذه الدولة المظلومة ان ‏تعرف رأسها من رجليها؟

أخلص من هذا للفت النظر إلى المصير السوري المحزن، والوضع العراقي ‏المقلق، والحالة الليبية الملغزة والمحيرة، والانتحار السوداني المفجع، وأحذر من ‏أنه إذا كانت خطة ما تعد لإلحاقنا بما يشبه الحالات المذكورة، فإنه لم يزل ‏بالإمكان تدارك الأمور حتى لا نكرر الأخطاء التي ارتكبت، ونستنقذ الدولة ‏قبل فوات الأوان. لا أحد ينكرُ أن الانقسام السياسي شبه الطائفي محتدم ‏جدًّا، ولكنه لا يفضي إلى أية حرب أهلية للأسباب التي ذكرت، ولوجود ‏جيش وطني ومتماسك وقوى أمن لم تستقل من واجباتها.‏

تبقى الملاحظة التي من شأنها أن تحرض على التسوية الداخلية، وهي ‏أن فرنسا اليوم لا تفاوض نيابة عن المسيحيين، ولا السعودية عن السُّنَّة ‏وباسمهم، فإذا كان دور الخماسية مقتصرًا على تبريد الظرف الإقليمي حولنا، ‏وتذليل بعض العقبات، وتشجيع الأطراف على إنتاج معادلة، ولو مؤقتة، ‏نكون قد نجونا من الذهاب إلى نوع من أنواع الفوضى التي يعيش فيها بعض ‏أشقائنا.‏

لبنان يستحق الاستقرار، وقد آن له أن يستريح كما فعل الإمام أبو ‏حنيفة عندما تبين له كم أن الجوهر يختلف عن المظهر، حيث لم تعد تنطلي ‏علينا المعارك اللفظية التي تشبه الألعاب النارية. كذلك لن يهتم اللبنانيون ‏بالصراع الـمُخلَّق، بين الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم، بعد أن ‏أستهلكوا فصولنا وسنواتنا بل معظم أعمارنا. ولقد صدق من قال إن قرارات ‏مجلس الأمن ليست سوى حبر على ورق، لأنها كذلك منذ نكبة فلسطين، ‏فعلام إذن تلك الضجة المفتعلة، وإلام يرشُّون لنا سُكَّراً فوق الموت، ‏ويعوضون علينا بعد نَهْب ودائعنا بإطلالة اموسهوكستين، وإلهائنا بوديعة إلهية ‏افتراضية تحت قاع البحر، مهلِّلين للحفَّار المتعدد الجنسيات، بأنه سيستخرج ‏غازًا بديلاً عن أوكسيجين التنفس، فيما المطلوب من التنقيب أن يستخرج لنا ‏رئيسًا، يُغَوِّزُ غازنا السائل كي لا تغري سيولته دعاة الصناديق ‏الائتمانيةبِتَجَرُّعِها على جاري عادتهم.‏



النهار 

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

4 أيلول 2023 20:14