13 نيسان 2023 | 11:00

أخبار لبنان

‏"إذا ما إجا ظالم.. بتجي جربوعة"‏

رشيد درباس




كُلما أمْعَنّا في الاستقلالنمعن في العبودية.‏

سمير عطالله


الرهان أنواع،منها المغامرة والمقامرة والاحتراف. لكنه ‏في السياسة يُبْنَى على وقائع ملموسة، ويُعزَّزُ بالحنكة والخبرة ‏والبصيرة، فالسياسيُّ الفذُّ هو من يقرأ النتائج من أسبابِها، من ‏غير تبصيرٍ ولا مراهنة، وما عدا ذلك قبض ريح،أشبهُبما جاء ‏على لسان "زياد الرحباني"في إحدى مسرحياته، حين راح ‏يحاول إقناع مدير الفندق بتأجيره غرفة مؤكدًا له أن الأجرة ‏سيقبضها فور فوز "ظالم" أو "جربوعة" في سبق الخيل؛فكم ‏طوت السنابك من أَوْهَامِ مراهنين! وكم داست على مصائر من ‏وضعوا رواتبهم في قبضة "جوكي" بناء على "تعليمة" أو ‏منامات تزورهم في السَّحَر!وكم نشأت على هامش هذا ‏المضمار زمر تتكسب من ادعائها معرفة الجواد المحمَّل بالمال ‏في كل شوط، وهؤلاء أطلق عليهم لقب"المتَكَهِّنين".‏

وفي القواميس أنَّ "كَهَنَ له" تعني قضى له بالغيب، ولقد ‏كان في العرب كَهَنَةٌ، منهم من زعم أن له تابعًا من الجن يلقي ‏إليه الأخبار، ومنهم من ادَّعى أنه يعرفالأمور بمقدمات يستدل ‏بها على مواقعها، وهذا كانوا يَخُصُّونَه باسم العَرّاف.وسمَّت ‏العرب كاهنًا كلَّ من تعاطى علمًا دقيقًا، فعدَّتِ الطبيب كالمنجّمِ ‏كاهنًا.‏

لم تندثر مهنة الكهانة رغم التطورات العلمية المذهلة، فما ‏زال المنجمون وأهل قراءة الطوالع، ملجأَ أفواج كثيرة ‏ومشارب متعددة، فيهاالجاهلوالمؤمن بالماورائيات والعاجز ‏الذي أعيته الوسائل المادية عن إنجاز ما يريد، فعاذبِطاقةٍ خفية ‏يتولاها وسيط روحاني، أو شيخ من أهل الكرامات، أو عفريت ‏مستتر في أعماقه.‏

وفي لبنان دأبت بعض الشاشات على تسلية المشاهدين ‏ليلةَ رأس السنة، بعرض تكهنات نجوم لمعوا في المزاج العام ‏لمعانًا أزهى من بريق السياسيين، فتصاعدت أهميتهمعلى ‏حساب خفوت أشعة أهل السياسة والحكم، الذين أصبح بعضهم ‏طُلابَ تكهنات، يستطلعون عبرَها دوريًّا آراء الناس بهم، أو ‏يستخبرون عن مصائرهم عقبى ما ارتكبوا من فشل ‏وتخريب.ذلك أن العقل البليد العاجز عن ابتكار الحلول أو ‏قراءة الخرائط هو عقل انتقائي، إذا وجد أن "نبوءةً" تَفَوَّهَ بها ‏ميشال حايك أو ليلى عبد اللطيف قد تحققت، لجأسريعًا إلى ‏أحدهما لاستيلاد نبوءةٍ تخصُّه، متناسيًا أن من يعتمد على ‏برمجة مسبقة وَيُوَسِّع أطُر توقعاته، لا بد له من أن يتكهن ‏بأمور تحصل فعلًا.أما الوجدان العام الذي تَعْتَورُهُ حالات ‏استسلام أو يأس من الواقع، فقد يتكيَّف أحيانًا مع ما يسمعه من ‏أشخاص يقرأون معارفهم في الغيب عن ورقة مكتوبة، ‏ولوأخطأوا غالبًا في تلاوتها، في حين أن ذلك النوع من ‏‏"المعرفة المتميزة" يعتمد على البداهة والاستشراف والومض ‏الهابط عليهم من فوق.فيا حَبَّذا لو نَبَّهَنا أهل الكشف إلى الأزمة ‏المصرفية قبل وقوعها، أو يا حبذا"رأوا"متى يكون لنا رئيس، ‏وما صفاته:أَسِيادِيٌّ أم ممانع أو في منزلة بين بين، لكي نتمكن ‏من ترتيب أمورنا على قاعدة تلك البيانات.‏

كان الأمر ليهون لو اقتصر على "عَرَافَةٍ" تقع في باب ‏السلوى والترويح. أما أن تصبح جِدًّا كاملًا متلبّسًا جهالة ‏السياسيين، فتلك مشكلة عويصة تحتاج إلى تصدٍّ صريح ‏ومعالجة صارمة، ذلك أن النواب الذين ينبغي لاسم الرئيس أن ‏يخرج من أسِنَّةِ أقلامهم، يبررون عجزهم عن كتابته على ورقة ‏الانتخاب بفقدان المعلومة، وشلل الإرادة، ويجيبون على ‏السؤال بسؤال، وهم ليسوا بأقلَّ من الشعب حَيْرةً.‏

إن القوى السياسية الموزعة حتى التشظّي، قد استقالت ‏كليًّا من واجب الابتكار الوطني، وقبعت في مواقعها تتبادل ‏الخطابات النارية، مع علمها المسبق أن البلاغة وقوة الحجة ‏والنبرة القوية والاستشهاد بالدستور وبالقوانين، أمور لن ‏تُكْسِب أيَّ فريق أرضًا جديدة على حساب فريق آخر. وهنا ‏أقول لكل من يأخذه الجَوُّ المحموم المسموم، الملغوم بدعوات ‏الانفصالِ والنكوصِ إلى جغرافيات جديدة وثقافات هجينة، إن ‏اللبنانيين لن يذهبوا إلى اقتتال طائفي مهما كانت الذرائع، لأن ‏الذين لم تُوَحِّدْهُمالبحبوحة التي فَرَّطوا بها، وَحَّدَتْهُمْ الفاقة التي ‏فرَّطَت بهم، وهم لن يمتشقوا البنادق لنصرة أذان أو ‏جرسيناجيانالأجواء العالية، ويأنفانمن النزول إلى حضيض ‏طائفي مستهلك.‏

يقول نعوم تشومسكي: "استراتيجية الإلهاء عنصر ‏أساسفي التحكم بالمجتمعات، وذلك عبر وابل متواصل من ‏المعلومات التافهة لتحويل انتباه الرأي العام عن المشاكل ‏المهمة..."‏

نحن أَدْمَنَّا الوقوف تحت هذا الوابل المتواصل من ‏التفاهات الكاذبة، "فكل حزب بما لديهم فرحون" من غير إيلاء ‏الوطن الحزين أي اهتمام بدولته المخَلَّعة، وبالفقر الزاحف ‏على بيوته كلها، حتى وصلت الأمور،أو كادت، إلى شفا ‏الفوضى الشاملة التي لن يسيطر عليها أحد، لأن جميع ‏التنظيمات مهما بلغت صلابتها، تنهار كليًّا عندما تنهار ‏السدود، ويعجز الجنود. فعجبًا كيف أن القوى السياسية، بدلاً ‏من ذهابِها إلى منتصف الطريق لدرءِ الفوضى،شكلت ‏فرقاغتيال كامنة عندأيّ منعطف يمكن أن يطل برأسه ‏منهمرشح محتمل، سواء كان عسكريًّا أو اقتصاديًّا أو ذا رأي ‏سياسي، كأنما عدنا إلى عصر القناصة ومناظيرهم الضَّالَّة.‏

‏ لفتني أن رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" يزدري بكل ما ‏يمت بصلة للبيوت المالية العالمية التابعة للاستكبار (على حد ‏قوله)، فيما يُطْلَبُ من المرشح سليمان فرنجية سلسلة ضمانات ‏لا يملك رئيسُ الجمهورية دستوريًّا أن يقدّمَها، وهي في حقيقتها ‏تنازلات برسم حزب الله دون سواه، وهذا يورث الشك بأن ‏إطلاق نار استباقيًّا جرى لا على "المرشح الاقتصادي" ‏وحسب، بل على الحل الاقتصاديوعلى الزيارة الباريسية، ‏ربما، للتخفيف من غلواء المبادرة الفرنسية ومتطلباتها.‏

هنا "وقف حمار الشيخ في العقبة" كما جاء في المثل، ‏فالإعلام الممانع الذي كفَّ عن مهاجمة السعودية كبادرة حسن ‏نية تجاه الإنجاز الصيني، عَوَّض عن ذلك بإضرام النار ‏المحلية عبر اتهام القوات بالسعي للتقسيم، في حين تطلب ‏‏"القوات" من "الممانعة" رفع الراية البيضاء وإخلاء الساحة ‏اعترافًا منها "بفشلها الذريع" في إدارة البلاد، فأي واقعية في ‏هذا الجدل الذي يدلُّ على العجز عن إنتاج تسوية داخلية، ‏استباقًا لتسوية سَتُفرض علينا في وقت قادم. ودليلي على هذا، ‏أن ميزان القوى السياسي قبل العسكري الذي لا يسمح بانتصار ‏حاسم لهذا أو ذاك، يُسقط هذه المقولات، وَيُنَبِّهُ أصحاب ‏الرجاحة إلىضرورة الخروج من المتاريس التي تَدَّعي التمسك ‏بالمبدئية اللفظية إلى حقل التسوية التي لا بد منها.‏

لم يقصِّر الشعب اللبناني في المبادرات، فقد رفض ‏الاحتلال الإسرائيلي وهزمه، وأنجز انتفاضة الرابع عشر من ‏آذار وأعطى قواها غالبية برلمانية راجحة، وهو الذي انتفض ‏في تشرين الأول، ثم وقف في الطوابير الطويلة ليوصل إلى ‏المجلس النيابي، من الثقوب الضيقةلقانون انتخابي طائفي ‏لعين، بعضَ مرشحيه الذين جَرَّعوه الخيبة، لأن المبادرات ‏الشعبية إذا لم تواكبها قوى منظمة براغماتية وفعالة، تتراخى ‏نتائجها إلى زمن قادم قد لا تستطيع انتظاره بنيتنا المتهالكة. ‏

بعد هذا، أرى المحللين السياسيين الذين أَعْيَتْهم المعرفة، ‏يلجأون إلى "عَرَافة" لا تقوم على تحضير الأرواح المحلية ‏وإشعال البخور البلدي، لأنها انتقلت إلى الصيغة الدولية، فهذا ‏يتكئ على ما قرأه في صمت سفير قابله، وذاك على حدسه بعد ‏زيارة عاصمة أجنبية، وذلك يبتسم ويقول: كلمة السر عندي ‏وليس لها تبديل. أما أنا،إن كان لي أن أدلي بدلوي، فإنني لا ‏أضربُ بالمندل حين أَتَكَهَّنُ- في زمان الجهل والمجهولية- بأن ‏الساسة اللبنانيين استقالوا من الفعل وإنتاج الصيغ، وراحوا ‏يعِدون أنفسهم بما سوف يأتيهم بالظرف المختوم من غير ‏المرور بقانون الشراء (الديمقراطي)، ذلك أن البند اللبناني في ‏الملف الصيني لم تظهر معالمه بعد ولا درجة ترتيبه في جدول ‏الأعمال، وهذايفسر انعدام المبادرة بانتظار رقم "لوتو"يترقبه ‏المترقبون، في حين أن الواجب الوطني الذي هو في متناول ‏اليد يملي على "المرجئة" وأهل الانتظار، الإسراع في اختيار ‏حارس قضائي تكون مهمته المؤقتة شراء عمر آخر للدولة، ‏لأنها ما زالت قابلة للحياة. وفي هذه المثابة أقول إن دعوة ‏الذهاب إلى الصين بحثًا عن حل اقتصادي، أجابت عليها ‏الصين بالدعوة إلى حل سياسي هو مفتاح كل باب.‏

وإذا عدنا إلى التهكن الموثوق والطريف، علينا جميعًا ‏الإصغاء إلى "العرَّاف" الأكبر زياد الرحباني الذي قرأ لنا ‏مصيرنا قبل أقل من نصف قرن، وأوضح لنا أن "نزل ‏السرور" الذي أسسه"المرحوم المهضوم الذي كان يحن على ‏المحروم"، لم يعد يتسع لهذا الكم من الثورات والأوهام ‏والمغامرات، وأن نزلاءه المتكاثرين لا يبرزون هوياتهم لعامل ‏الاستقبال المضرب عن العمل، وأن استمراره كمضافة مؤقتة ‏أو إقامة دائمة لا يمكن أن يعتمد على ما يدرُّه، عليه "ظالم"أو ‏‏"جربوعة" في ميدان سباق الخيل، فكلاهما له دلالة من اسمه.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

13 نيسان 2023 11:00