12 نيسان 2023 | 11:37

عرب وعالم

العراق... والمجتمع الذي تمزّق!


خيرالله خيرالله- النهار العربي


يتحدث رئيس الوزراء العراقي محمّد شياع السوداني، المرّة تلو الأخرى، عن "جائحة الفساد" في العراق. ما الذي يمكن توقعه من بلد جعله الاحتلال الأميركي تحت رحمة ميليشيات مذهبيّة ترفع الشعارات الفارغة من كلّ مضمون وتنفّذ في واقع الحال المطلوب منها إيرانياً؟

ثمّة كلمة لا يمكن التهرب من قولها. ما يشهده العراق حالياً، خصوصاً منذ عشرين عاماً، هو نتيجة تمزيق ممنهج للنسيج الاجتماعي بدأ فعلياً في العام 1958. وقتذاك سقط النظام الملكي نتيجة انقلاب عسكري لم يتورّع منفذوه عن ارتكاب مجزرة ذهب ضحيتها أفراد الأسرة الهاشميّة. منذ صيف العام 1958، ما زالت ترتكب المجازر الواحدة تلو الأخرى وصولاً إلى ما آلت اليه أوضاع العراق اليوم.

قبل عشرين عاماً، يوم التاسع من نيسان (أبريل) 2003 تحديداً، سقط تمثال صدّام حسين في بغداد. سقط عملياً نظام أنهك بلداً عربيّاً مهمّاً، بل أساسياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد فرض صدّام نفسه، بالقوّة، رئيساً صيف العام 1979. ما يحدث في عراق اليوم نتيجة طبيعية للقضاء على النسيج الاجتماعي في بلد كان، ولا يزال يمتلك ثروات كبيرة، في مقدّمها الثروة الإنسانيّة.

ليس صحيحاً أن التدهور في العراق بدأ مع سقوط صدّام ونظامه وتسليم إدارة جورج بوش الإبن، البلد على صحن من فضّة إلى النظام الإيراني الحاقد على كلّ ما هو عربي في المنطقة، فضلاً عن آنّ لديه حساباً قديماً يريد تصفيته مع العراق. الأقرب إلى الواقع أن المجتمع العراقي راح يتحلّل شيئاً فشيئاً منذ سقوط النظام الملكي والقضاء على العائلة الهاشميّة التي كانت تجمع، في الحد الأدنى، بين العراقيين وبين مكونات المجتمع.

لم يكن مجيء صدّام إلى الرئاسة سوى تتويج لعملية انهيار للمجتمع تسارعت مع سقوط تمثاله وتولّي الميليشيات والأحزاب المذهبيّة السلطة. دخلت هذه الأحزاب والميليشيات بغداد على دبابة أميركيّة وما لبثت أن باشرت المناداة بالانتهاء من الاحتلال الأميركي!

لم يكن هذا الاحتلال أقلّ غباءً من صدّام حسين الذي كان يعرف في أمور كثيرة باستثناء السياسة. كان البعثي الآخر حافظ الأسد يتلاعب بصدّام كما يشاء. قبل أن يصبح صدّام رئيساً دفعه حافظ الأسد في اتجاه تشكيل جبهة تولت ابتزاز العرب الآخرين بعدما ذهب الرئيس أنور السادات إلى القدس في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977. ليس معروفاً إلى اليوم أين كانت مصلحة العراق في إنقاذ نظام حافظ الأسد وقتذاك؟

خاض صدّام بعدما صار رئيساً حربين استنفدت الأولى موارد العراق ودول المنطقة وقضت الثانية على العراق نفسه نظراً إلى أنّها مهدت للحرب الأميركيّة في العام 2003.

كانت الحرب الأولى تلك التي خاضها صدّام مع ايران، مباشرة بعد سقوط الشاه وحلول نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة" الذي صاغه آية الله الخميني على قياسه. استمرت الحرب ثماني سنوات، بين 1980 و1988، وكانت كفيلة بتبديد موارد دول المنطقة، خصوصاً دول الخليج العربي التي دعمت العراق بشكل مكشوف. لم يدافع صدّام عن العراق فحسب، بل دافع أيضاً عن كلّ دولة من دول المنطقة. هذه نقطة تصبّ في مصلحته، وخصوصاً أنّ الخميني لم يُخفِ يوماً أنّه كان يريد "تصدير الثورة" إلى دول الخليج. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يكن صدّام قادراً على التصدي للخميني وهزيمته، كما حصل، من دون إعلان الحرب على إيران؟

حسناً، انتهت الحرب مع ايران في العام 1988 بشبه انتصار عراقي. خسر صدّام كلّ ما حققه عندما احتل الكويت في الثاني من آب (أغسطس) 1990. ما تلا حرب الخليج الثانية، التي أخرجت الجيش العراقي من الكويت، كان استكمالاً لعملية تدمير نسيج المجتمع العراقي. ساهمت بذلك العقوبات الأميركيّة من جهة وإصرار صدّام على البقاء في السلطة من جهة أخرى. كان من نوع السياسيين الذين لا يعرفون شيئاً عن العالم وموازين القوى فيه.

استطاعت القوات الأميركية، بدعم رمزي من قوات أخرى السيطرة على العراق، من دون الأخذ في الاعتبار البعد الإقليمي الذي سيترتب على مثل هذا العمل الذي أخلّ بالتوازن القائم في الشروق الأوسط منذ ما بعد انهيار الدولة العثمانيّة في عشرينات القرن الماضي. لا يزال الشرق الأوسط والخليج يعانيان من آثار الزلزال العراقي الذي تسببت به إدارة أميركيّة جاهلة ببديهيات الشرق الأوسط والخليج، خصوصاً بالواقع الداخلي العراقي وبنيّات "الجمهوريّة الإسلاميّة" ومشروعها التوسّعي.

في عشرين عاماً زاد نسيج المجتمع العراقي تمزقاً، خصوصاً في ضوء التركيز الإيراني على إثارة الغرائز المذهبيّة في بلد انهار فيه النظام التعليمي، بعدما كان من أكثر الأنظمة التعليمية تطوراً في المنطقة كلّها.

سيكون صعباً إعادة تركيب العراق والجمع بين مكوناته واخراجه من حلقة الفساد التي يدور فيها، وهي حلقة مغلقة. لا شكّ في أن كلّ النيات الحسنة موجودة لدى محمّد شياع السوداني، لكن هل تكفي النيات الحسنة لترميم مجتمع لم يعد فيه مكان لأي أفكار لها علاقة بالقيم الحضارية المتعارف عليها في عالم القرن الحادي والعشرين؟

تبدو أزمة العراق أزمة مجتمع تعرّض للتمزيق قبل أي شيء آخر بعدما تناوب عليه العسكر والبعث... والأحزاب المذهبيّة التي ترفض الاعتراف بأن الفضل في وجودها في بغداد يعود إلى الدبابة الأميركية قبل أي شيء آخر!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

12 نيسان 2023 11:37