كتبت ميرنا منيمنة
حدّد رئيس الجمهورية التونسية قيس سعيد تاريخ 25 جويلية (تموز) موعداً لإجراء الاستفتاء على الدستور الجديد لـ"جمهورية جديدة". وتقول أوساط سياسية تونسية أن "سعيد" يسعى للإستفادة من رمزية هذا التاريخ لإستقطاب الشعب كونه تاريخ إعلان تجميد عمل البرلمان في 2021 وإقالة الحكومة.
ويتسلح أستاذ القانون الدستوري الرئيس سعيد بعبارات "لاعودة الى الوراء" و"بعد الإطلاع على الدستور " لإتخاذ قرارات تثير عواصف سياسية داخلية كان آخرها إعفاء 57 قاضياً بتهمة التورط في ملفات فساد والتواطؤ والتستر على الإرهاب علماً أنه كان في وقت سابق قد حلّ المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بعد أن طوقت القوى الامنية المبنى.
عملياً ، يتمتع قيس سعيد حالياً بالسلطات جميعها ،فإضافة الى صلاحياته الرئاسية والتشاركية في السلطة التنفيذية ،يقول المعارضون أنه بات يستأثر بالقضاء أيضاً في ظل غياب أي قدرة على الطعن في قراراته .
ويتولى سعيد هندسة سياسية جديدة في محاولة لتوسيع صلاحيات الرئيس في حين تشهد تونس موجة تحركات احتجاجية بدأت مع دعوة القضاة الى تعليق العمل في كافة المحاكم لمدة أسبوع بنسبة استجابة عالية جداً.
ومن ناحية أخرى ، يواجه سعيد اضراباً عاماً دعا اليه الإتحاد العام التونسي للشغل في خطوة اعتبرت تحدياً مباشراً له اليوم الخميس 16 يونيو)حزيران ( إضافة الى الدعوة الى خروج مظاهرات احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية في البلاد والإجراءات التي اقترحتها الحكومة بهدف الخروج من الأزمة المالية ومنها تجميد الأجوروخفض الدعم .
نتيجة لذلك توقفت الرحلات الجوية الدولية والداخلية من منتصف ليل الأربعاء بحسب التوقيت المحلي التونسي. وشمل الإضراب 159 مؤسسة حكومية بينها عشرة مطارات وشركة الكهرباء والغاز، فضلا عن مزود الاتصالات، والصيدليات المملوكة للدولة.
أما المواجهة الأقسى، فتتمثل بالمواجهة السياسية التي اعترضت على مشروع قيس سعيد حتى قبل الانتهاء من وضع المسودة الأخيرة للدستور موضوع الإستفتاء .
وفي محاولة منه لتخفيف الغضب السياسي ، دعا الرئيس التونسي لحوار داخلي وضع له قواعد سالفاً فرفض الحوار إلا "مع الصادقين" وليس مع "الخلايا السرطانية ". وعليه شمل المرسوم الرئاسي لتشكيل لجان الحوارالوطني وإعداد الدستور ممثلين عن خمس منظمات تونسية فقط ، مع عدم دعوة أي من الأحزاب السياسية.
لم تتأخر "جبهة الإنقاذ الوطني" والتي تضم مجموعة من الأحزاب والنشطاء، من بينهم أحزاب النهضة، وقلب تونس، والكرامة، وائتلاف مواطنون ضد الانقلاب، في إعلان رفض مرسوم الرئيس التونسي.
وفي خطوة تصعيدية أخرى ، أعلنت 5 أحزاب تونسية (الحزب الجمهوري ،التيار الديمقراطي ،التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات وحزبا العمال والقطب) إطلاق حملة لإسقاط الاستفتاء على الدستور رافضين " أن تتحول تونس إلى دولة مارقة والعودة إلى مسار العمل بالدستور وتطويعه لأمر الحاكم بأمره."
وفي تصعيد مقابل ،وتحت شعار "نعم للإستفتاء...لا للإضراب "طالب "حراك 25 جويلية المساند لإجراءات رئيس الجمهورية بمحاسبة الاتحاد العام التونسي للشغل بسبب إمكانية تنفيذه لاضراب سياسي." فمؤيدي سعيّد يرون أن الأحزاب السياسية فشلت على مدى عقد من الزمن في تحقيق تطلعات وطموحات الشعب فنظموا مظاهرة مؤيدة للرئيس التونسي دعوه فيها لمحاسبة الأحزاب التي حملوها مسؤولية عدم تحقيق أهداف الثورة مطالبين إعطاء سعيّد فرصة بعدما فشلت الأحزاب السياسية في تحقيق إصلاحات حقيقية.
وفي خطوة مغايرة من الإستفتاء ، وبسبب الإحتقان السياسي ، خرج حزب "آفاق تونس " بموقف معارض متقدم عبر عنه رئيس الحزب وزير المالية والتنمية و الاستثمار والتعاون الدولي فاضل عبد الكافي الذي دعا التونسيين الى المشاركة بـ"لا" رافعاً في وجه سعيد مجموعة لاءات "لا لمشروع قيس سعيد ،لا للشعبوية ،لا للهذيان ، لا للأحلام الوهمية، لا للإنفراد بالرأي ،لا لإحتكار السلطة ،لا لتقسيم التونسيين ،لا لتعيينات بالولاءات ،لا للمسار السياسي ..." شارحاً ان المشاركة بالإستفتاء لا تعني القبول به بل هي مقاومة ديمقراطية وإحتكام للصندوق في بلد يحاول بناء ديمقراطيته .و أشار عبد الكافي الى أن الحزب سوف ينظم حملة إنتخابية للتصويت بـ"لا" ولشرح المنهجية الخاطئة لرئيس البلاد . وذكرعبد الكافي بكلام سابق لقيس سعيد وصف فيه "الإستفتاء في الدول العربية بالديكتاتورية المتنكرة " ،مشدداً على ضرورة المشاركة خوفاُ من نتائج معدة سلفاً تعطي %90 لـ"نعم " الرئيس كما حصل في الاستشارة الإلكترونية التي نظمتها الرئاسة . و اعتبر الوزير السابق "أن الفرصة تاريخية امام التونسيين لرفض المسار الإنحداري للبلاد". ويضيف " إن الطريق مسدود أمام تونس والمشكلة ليست في الدستور أو دين البلاد أو النظام السياسي والإنتخابي على سبيل المثال لا الحصر لأن المشكلة الحقيقية التي تقض مضاجع الشعب التونسي هي مستويات الفقروالبطالة المرتفعة،هجرة الطاقات ،النقل العمومي، الصحة العمومية ،المالية العمومية المهترئة، التربية القومية ،معاناة القطاع الخاص، التضخم ،القدرة الشرائية للعائلة التونسية وليست مبايعة قيس سعيد."
ويؤكد أن الهدف يجب أن يكون وقف الإنهيارالإجتماعي والإقتصادي والعمل على بناء الرخاء الإقتصادي للشعب التونسي معلناً على أنه تواصل مع مختلف الأحزاب الفاعلة في الساحة السياسية التونسية للتسويق لقرار الحزب وحثهم على المشاركة السلبية.
ويشرح عبد الكافي أسباب التردي الإقتصادي التي يعود جزء كبير منه الى عدم استجابة الدولة التونسية للإلتزامات التي قطعتها في مؤتمر 2020 الذي أمن تمويلاً خارجياً ضخماً للإقتصاد ولكن تمت عرقلته إدارياً عبر رفض تحديث القوانين وإجراء إصلاحات جوهرية . ويشير رئيس حزب "آفاق تونس" الى أن مشروع "آفاق تونس " الإقتصادي مطروح للنقاش ويطالب المسؤولين في الدولة بمصارحة الشعب بالحقيقة كمدخل لإيجاد الحلول المناسبة مبدياً رفض الحضورالصوري للحزب في حوار إستشاري و ليس تقريري .
وفي خطوة وصفت بالجريئة ، دعا الوزير عبد الكافي قيس سعيد الى مناظرة كممارسة ديمقراطية والى الإستقالة والسير بالحملة الإنتخابية كونه زعيم الـ"نعم" معتبراً أن الرئيس سعيد لا يبدي أي أهمية لأولويات الشعب التونسي المعيشية .
أمام هذه الأزمة السياسية المعقدة وفي ظل تسارع وتيرة الإنهيار الإقتصادي ،يعيش الشعب التونسي كما اللبناني تبعات أنانية المسؤولين عن إدارة شؤونه وتأمين أدنى مقومات الحياة الكريمة له . فهل نحن ندفع ثمن أعاقة العملية الديمقراطية السليمة في منطقة لا تزال فيها الديمقراطيات فتية أم أن الشعبيوية التي يتقنها المسؤول الجاهل لمطالب شعبه أقوى من الحق في العيش الرغيد؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.