28 نيسان 2022 | 08:46

عرب وعالم

قراءة متأنية في الأوضاع السياسية التي تشهدها تونس

كتب غازي طعمة

في البدء، لابد من إلقاء الضوء وبكل وضوح وموضوعية على الأحداث التي انطلقت في تونس عام 2011 تحت مسمى "الثورة" ضد الديكتاتورية السائدة حينها، والتي قال البعض عنها انها "الربيع العربي" أو "ثورة البو عزيزي".

وفي قرائتنا هذه لا بد من وضع النقاط على الحروف، خاصة أنني كنت حينها في تونس، وتابعت ما حدث بعين المراقب والقريب من الأحداث، وبوسعي تفصيل الأمور على الشكل التالي:

- هي ليست بثورة بتاتاُ، والأمر الذي انطلق من تونس كان مؤامرة ضد النظام تحت عباءة المناداة بالديمقراطية من بعض المعارضين الذين كانوا في الدول الأجنبية، وعلى رأسهم زعماء حركة النهضة الإسلامية (الإخوانية ) والتي ناضلت من بريطانيا وتمولت منها، وكان الدور الرئيسي لإحدى الدول العربية التي مولت هذه المعارضة داخل تونس وخارجها، وكان البو عزيزي ضحيتهم، واستعملوه واوقعوا به في ليلة ظلماء تحت عنوان الانتحار نتيجة ظلم السلطة في حينه، وان إحدى الشرطيات في البلدية إهانته وصفعته، الأمر الذي أثار لديه غضبا، فقرر الانتقام ورفع الظلم عنه، وبكل وعي وتصميم ذهب البو عزيزي غاضبا إلى إحدى محطات البنزين، واشترى غالون بنزين وحمله وذهب به إلى مركز الولاية محتجا ومهددا بالانتحار، وافرغ البنزين على نفسه بحالة لا وعي، وأمام جمهور من المحتجين اشعل سيجارة، الأمر الذي اشعل البنزين بجسمه. وهناك قول بأن أحدهم أشعل عودا من الكبريت أثناء تجمع الناس لمشاهدة ما يحصل، وفي النهاية نجحت المؤامرة التي أُعِدّ لها بكل حرفية وكان للمال الدور الرئيسي فيها.

ومنذ ذلك التاريخ بدأت تونس تدخل في صراعات حزبية ومجتمعية وجهوية، لا وعي فيها ولا وطنية، بل فقط المصلحة الحزبية الخاصة، وتفلت الإعلام الغوغائي تحت عنوان حرية الرأي.

ومنذ انطلاقة الفورة الشعبية عاشت تونس تحت الحكم الإسلامي الإخواني والمغلف بالديمقراطية وفق مزاعم أصحابه، حيث وصلت الأحزاب العاملة في تونس إلى ما فوق المائة حزب، معظمها ممثلة بأشخاص لا يتجاوز عددهم مؤسس الحزب مع بعض الاعضاء الذين يعدون على اصابع اليد، وربما أقل. و أمام هذا الواقع السياسي الفوضوي عمت الفوضى السياسية والحزبية طيلة سنوات ماقبل الانتخابات التشريعية والرئاسية الحالية، التي أفرزت مجلس نواب ضعيف ومقسم، تنقصه الرؤية الإصلاحية المطلوبة، وكان أن وقع العديد من المشاكل الشخصية والفكرية في داخله، والتي وصلت إلى حد الضرب وكان من حصيلتها إثارة الاحتجاجات الشعبية التي عمت الساحة السياسية في تونس، فوجهت الانتقادات الخارجية إلى المسؤولين عن هذه الحالة.

تحولات سياسية جذرية في الساحة السياسية التونسية

وأمام هذا الواقع السياسي المرير الذي أصاب تونس نتيجة تضارب مصالح احزابها والتخلي عن الواجبات الوطنية العليا وتحقيق شيء من العدالة الاجتماعية والمحافظة على الاستقرار السياسي والاقتصادي اللذين تلاشيا واثارا لدى الجماهير في جميع الجهات التونسية الاحتجاجات والاضرابات والاضطرابات التي أنذرت بالكثير من المخاطر على الصعيد الوطني، وأمام هذا الواقع السياسي المتفلت والغوغائي الذي امتد الى مجلس نواب الشعب و الحكومة التي سمى رئيسها ومعظم أعضائها رئيس الجمهورية قيس سعيد، وعرفت باسم "حكومة المشيشي" الذي بدوره تمرد على من سماه، وأمام هذه الوقائع المؤلمة والتحركات الشعبية، تحرك رئيس الجمهورية واقال الحكومة المتمردة، واتبعها بتجميد أعمال مجلس نواب الشعب الذي غاب عنه التشريع المطلوب للمجتمع التونسي، ووصل الأمر بالرئيس في النهاية إلى حل مجلس النواب ملوحا بانتخابات تشريعية جديدة.

وتقول مصادر سياسية مقربة من الرئيس سعيد أنه وضع حدا للتدخلات الخارجية في سياسته المتبعة في الداخل التونسي، وان القرارات التي يتخذها نابعة من احتياجات سياسية داخلية جوهرية، ولا علاقة التدخلات الخارجية بها، باعتبار أن الحزب الرئيسي في تونس هو حزب النهضة الإسلامي الذي له ارتباطات خارجية معروفة، وهذا ما اوصل البلاد إلى ما وصلت إليه من فوضى على مستوى الدولة والمجتمع.

وتؤكد المصادر المراقبة للشؤون التونسية أن الرئيس سعيد يتخذ قراراته الداخلية بغطاء من موقعه كرئيس جمهورية، وبدعم من قوات الجيش والحرس الوطني وقوى الأمن الداخلي، معززة بقاعدة شعبية تدعم الرئيس في هذه التوجهات، وهو يتبع خارطة طريق سياسية من ملامحها أمور ثلاثة:

- الدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة ربما تكون على أساس قانون انتخاب جديد .

- تاليف لجنة دستورية لتأسيس المحكمة الدستورية العليا التي تراقب اصدار القوانين من مجلس النواب وتتلقى الطعون التي تقدم أمامها من بعض أعضاء المجلس

- تاليف لجنة من النخب الدستورية في تونس لوضع دستور جديد للبلاد، خلافا للدستور الحالي المعمول به حاليا، والذي كان لحزب النهضة اليد الطولى في وضعه.

وتقول المصادر المطلعة أن الرئيس سعيد نجح في مخططه السياسي، والان اصبح حزب حركة النهضة الإسلامي غير متماسك كما في السابق، وشهد في المرحلة الأخيرة انسحابات من مكتبه السياسي على مستوى القيادات الفاعلة في الحركة، ووجهت إلى الغنوشي، زعيم الحركة، انتقادات سياسية واضحة، الأمر الذي زاد من الخلافات داخل هذه الحركة.

وختاما، سوف تشهد تونس حراكا شعبيا في مختلف الجهات التونسية، تأييدا للرئيس سعيد، ولمطالبته بوضع حد لكل الفوضى السياسية وعدم الاستقرار الاقتصادي والتضعضع الاجتماعي الذي تسببت به الأحزاب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

28 نيسان 2022 08:46