المدن - خلدون الشريف
على الرغم من إعلان موسكو انسحابًا جزئيًا لقواتها عن حدود أوكرانيا بالتزامن مع وجود المستشار الألماني أولاف شولتس، في الكرملين، عكست توصية مجلس النواب الروسي الدوما (النواب) غير الملزمة للرئيس الروسي بالاعتراف باستقلال إقليمي "لوغانسك ودونيتسك" الانفصاليين في أوكرانيا تلويحاً من جانب موسكو باستعدادها للتصعيد إذا ما لزم الأمر، من خلال تأمين تغطية شعبية وبرلمانية إذا ما وقع تصعيد عسكري على أي جانب من الحدود.
وبدا واضحًا أنّ مشكلة روسيا مع أوكرانيا هي رأس جبل الجليد من مشاكلها مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأنّ الروس يطلبون التفاوض حول أصول المشكلة وجذورها وليس فقط ظاهرها، أي أزمة أوكرانيا عينها. وقد أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ بين هذه المشكلات "عدم توسع الناتو، وإزاحة البنية التحتية العسكرية للكتلة إلى مواقعها في عام 1997، وعدم نشر أنظمة الضربات القتالية بالقرب من الحدود الروسية"، وأضاف "كل شيء، في رأيي، واضح ومفهوم. نحن مستعدون للحديث عن قضايا أخرى وردت في الردّ الذي تلقيناه، ولكن بالاقتران مع ما هو ذو قيمة قصوى وأهمية قصوى".
إذن، يبدو جليًا أنّ موسكو تستهدف ما هو أبعد من أوكرانيا وتستعد كما فعلت عبر تاريخها السوفيتي إلى أشكال التصعيد كافة، على الرغم من ان كل تصعيد مع الغرب كان يؤدي إلى أنصاف حلول ترضي الطرفيْن.
الحرب الباردة
في العام 1958، طلبت موسكو من كل من واشنطن ولندن وباريس سحب قواتها من برلين خلال ستة أشهر. رفضت واشنطن، واستضاف الرئيس الأميركي آنذاك، دوايت أيزنهاور، الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف في كامب ديفيد عام 1959 بهدف التوصل إلى اتفاق.
ظلّ منسوب التوتر بين البلديْن يرتفع وسرعان ما ازداد الوضع سوءاً عندما أسقطت القوات السوفييتية طائرة تجسس أميركية من طراز U2 واعتقلت قبطانها فرانسيس باورز في أيار/مايو من العام 1960 في حدث فاقم المواجهة بين القوتيْن العظمتيْن خلال الحرب الباردة.
وعلى الأثر، انهارت قمة باريس الاميركية السوفيااتية في الخامس عشر من الشهر نفسه بعد لحظات على انعقادها، حيث رفض خروتشوف الاعتذار لأيزنهاور واتجه إلى برلين لعقد معاهدة مع ألمانيا الشرقية ما دفع الرئيس الأميركي إلى إعلان حالة الطوارئ في القوات الأميركية في العالم ولكن سرعان ما تجمدّ الملف الألماني إلى أن تسلّم الرئيس جون كينيدي الحكم في كانون الثاني من العام 1961.
وفي مطلع العام 1961، حاصرت موسكو برلين الغربية وعقد كينيدي وخروتشوف قمة في فيينا في حزيران/يونيو. وفي أوّل مواجهة بين الرجليْن في أوج الحرب الباردة، طالب خروتشوف بسحب القوات الغربية من برلين بخشونة واضحة ما دفع بكيندي إلى إرسال آلاف الجنود إلى أوروبا. آنذاك، كانت دول عدم الانحياز قادرة على لعب دور الوسيط من الرئيس المصري جمال عبدالناصر والرئيس اليوغسلافي جوزيف تيتو ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو. وعندها استعاض خروتشوف عن التصعيد العسكري بأن أمر بتشييد جدار برلين في آب/أغسطس الذي تطلّب إسقاطه 30 عاماً.
واصل خروتشوف تصعيده وفي العام التالي، أي في سنة 1962، رصدت وزارة الدفاع الأميركية موقعاً لبناء ورشة صواريخ باليستية في كوبا، ما استدعى تلويحاً أميركياً بقصفها واجتياح الجزيرة. وآنذاك، أعلن كنيدي في إطلالة تلفزيونية أنّ أيّ صاروخ يطلق من كوبا باتجاه أي دولة في العالم الغربي سيستدعي انتقاماً أميركياً من الاتحاد السوفيتي نفسه. بالتوازي، كانت القنوات الأميركية تقوم بعملها، فأدّت الاتصالات إلى سحب الروس صواريخهم مقابل وعد أميركي بعدم اجتياح الجزيرة، وبعد سنة أُتبع الوعد بقيام واشنطن بسحب صواريخها الباليستية من تركيا.
الناتو يتوسع ويخرق الاتفاق
منذ سقوط جدار برلين وتوحيدها، وافق الاتحاد السوفيتي بقيادة ميخائيل غورباتشوف على ضم الجزء الشرقي منها إلى ألمانيا تحت لواء الناتو، غير أنّ اتفاقًا شفهيًا تم بين كل من الرئيس الأميركي جورج بوش الأب والفرنسي فرنسوا ميتران ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر والمستشار الألماني هلموت كول بألاّ يتوسع الناتو إنشاً واحداً باتجاه أوروبا الشرقية ودول البلطيق، وبعدها تعهّد الغرب للرئيس الروسي بوريس يلتسين بعدم تمدد الناتو صوب جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.
على أرض الواقع، بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991، كان الأمر مغايراً. فبعدما خرج عدد من دول حلف وارسو من تحت العباءة السوفيتية، انضمت هذه الدول إلى الناتو، كانت البداية مع هنغاريا وبولندا وجمهورية التشيك في العام 1999. وبعد 5 سنوات، وتحديداً في العام 2004، تبعتها بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا. واصل الناتو توسعه شرقاً واقترابه من مناطق نفوذ الاتحاد السوفيتي السابق، وفي العام 2009 وافق على انضمام ألبانيا وكرواتيا. ومع انضمام الجبل الأسود عام 2017 ومقدونيا الشمالية في العام 2020، بلغ عدد أعضائه 30 دولة. ومؤخراً، أُدرجت البوسنة والهرسك وجورجيا وأوكرانيا ضمن فئة الدول الطامحة للانضمام.
واجه الناتو منذ تأسيسه في العام 1949 تحديات كثيرة فرضتها الحرب الباردة. وفي السنوات الخمس عشرة الأخيرة، شكّل النزاع المسلح بين روسيا وجورجيا في صيف العام 2008 اختباراً خطيراً، حيث تدخل الجيش الروسي في جورجيا دعماً لأوسيتيا الجنوبية، المنطقة الانفصالية الموالية لروسيا، بعدما أطلقت تبيليسي عملية عسكرية. وفي غضون خمسة أيام فقط، هزمت القوات الروسية الجيش الجورجي وهددت بالسيطرة على عاصمة البلاد. وآنذاك، وضع انسحاب القوات الروسية واعتراف موسكو باستقلال "أوسيتيا الجنوبية" و"أبخازيا" حداً للتوترات العسكرية. وما زالت موسكو تحتفظ حتى اليوم بوجود عسكري فيهما. في أوائل العام 2014، خاض الحلف تحدياً جديداً بعد الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، وآنذاك، سيطرت قوات موالية لموسكو على شبه جزيرة القرم وضمّتها إلى روسيا بموجب استفتاء اعتبرته أوكرانيا والدول الغربية غير شرعي. ومطلع العام الجاري، أنهت قوات عسكرية بقيادة روسية انسحابها من كازاخستان، الجمهورية السوفيتية السابقة، بعد انتشارها دعماً للنظام القائم على خلفية احتجاجات عنيفة لم تشهدها البلاد منذ استقلالها في العام 1991.
أوكرانيا خزان من الموارد الطبيعية
يكرر الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ الموقف نفسه، فدائماً ما يردد أن الحلف وافق مبدئياً على انضمام أوكرانيا وجورجيا إليه، من دون تحديد موعد زمني لذلك، إذ يدرك الغرب أنّه من شأن خطوة من هذا النوع أن تتسبب باضطرابات لا تُحمد عقباها في تلك المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية. وتُعتبر أوكرانيا بلداً زراعياً من الدرجة الأولى، فهي الأولى أوروبياً لجهة المساحات الصالحة للزراعة، وهي تساهم بتأمين احتياجات العالم من البطاطا ودوار الشمس والبيض والجبن. وتُعد أوكرانيا واحدة من أكبر مصدري الحبوب في العالم (تحتل المرتبة الثامنة)، بل تمثّل صادراتها إلى جانب الصادرات الروسية نحو ربع الإمداد العالمي من القمح. على مستوى الطاقة، تحتل أوكرانيا المرتبة الأولى في أوروبا لجهة الاحتياطيات المؤكدة القابلة للاسترداد من خامات اليورانيوم، كما تحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث الاحتياطيات المكتشفة من خامات المنغنيز (12%). كذلك، تمتلك أوكرانيا ثاني أكبر احتياطي لخام الحديد في العالم (30 مليار طن)، وذلك بحسب لجنة الكونغرس الأوكراني الأميركية. وإضافة إلى ما سبق، لا بد من الإشارة إلى أنّ ثلث كميات الغاز الروسي إلى أوروبا الغربية تمّر في خطوط أنابيب عبر أوكرانيا.
شتاء بارد
في قمة فيينا، توجه خروتشوف لكينيدي بالقول إنّ الأمر متروك لبلاده "لتقرير ما إذا كانت هناك حرب أم سلام"، وهدّده بالرد في حال استفزازه: "ستكون هناك حرب، وسيكون أمامنا شتاء بارد". اليوم، يهدّد بوتين الغرب بشتاء بارد أيضاً، ولعل تسجيل أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء الأوروبية ارتفاعاً بأكثر من 10% يوم الاثنين، يمثّل لمحة عن مستقبل الأسعار في حال تُرجمت التهديدات الروسية عملياً.
قبل ثلاثين عاماً، حصل غورباتشوف على اتفاق شفهي بعدم توسع الناتو، اتفاق خرقه الغرب باستمرار وواجه نتيجته تحديات خطيرة في الأعوام 2008 و2014 ومطلع 2022 قبل أن تُقرع طبول الحرب في أوكرانيا. أفضت الاختبارات السابقة إلى أنصاف حلول، فدائماً ما كان أصلها مرتبطاً بتطويق وحصار روسيا للحصول على تنازلات. وهذه المرة أيضاً تسلك التطورات هذا المسار، ولعل إعلان روسيا الأربعاء الانتهاء من مناورات عسكرية وسحب جزء من قواتها من شبه جزيرة القرم أولى المؤشرات إلى التهدئة. ويُتوقع أن يتبع هذه التهدئة تراجع غربي عن تطويق روسيا وتجريدها من حزام الأمان حولها، بالأدوات العسكرية، إلاّ أنّ هذا السيناريو المرجح مرهون بتنازلات يقدّمها الطرفان بما يضمن مصالحهما ويربط النزاع بينهما الى حين اندلاع توتر جديد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.