11 شباط 2022 | 14:05

عرب وعالم

ماكرون إلى ولاية رئاسية ثانية.. إلا إذا!

ماكرون إلى ولاية رئاسية ثانية.. إلا إذا!

بشارة غانم البون




هدوء الشارع الفرنسي وعدم حماسته للاستحقاق الرئاسي، يترافق مع بعض ‏الصخب في وسائل الاعلام الفرنسية التي باتت تترقب المواقف والبرامج وتستعد ‏للمناظرات بين مختلف المرشحين خصوصاً لدى المرشحين المتقدمين الذين ‏أظهرتهم نتائج الاستطلاعات الاخيرة. موضوعان يتصدران واجهة الاهتمام: ‏الأول، يتعلق بمعرفة قدرة المرشح على اجتياز الحاجز القانوني لقبول دخوله ‏رسمياً في السباق الى قصر الاليزيه، والثاني، يتعلق بمدى تقدم أو تراجع هذا ‏المرشح أو ذاك في استطلاعات الرأي. ‏

عقبة 500 “توقيع”! ‏

الموضوع الأول يتعلق بمعبر الزامي نص عليه قانون 1976 ويشير الى ضرورة ‏جمع 500 “توقيع” لفاعليات لها واقع تمثيلي ومنتخبة كالنواب (اعضاء الجمعية ‏الوطنية) واعضاء مجلس الشيوخ ورؤساء المناطق والمجالس المحلية والبلديات ‏والمستشارين في هذه المجالس، ولا يمكن إعطاء التوقيع إلا لمرشح واحد. تشكل ‏هذه التواقيع بداية رحلة “التبني والدعم” للترشيح. ويسهر المجلس الدستوري على ‏هذه العملية من أجل التحقق من صحة التواقيع وتعددية المناطق الجغرافية التي تأتي ‏منها (ضمان التمثيل الوطني) واتخاذ قرار حول مدى أهلية هذا الترشيح وإعطاء ‏الموافقة عليه او عدمه. وتهدف هذه القاعدة إلى الحد من عدد المتنافسين على أعلى ‏منصب تنفيذي في الدولة واستبعاد الطلبات التي لا تحظى بالدعم التمثيلي. بالنسبة ‏لاستحقاق هذه السنة، سيتمكن المرشحون من جمع هذه التوقيعات الثمينة اعتبارًا ‏من يوم الجمعة 27 كانون الثاني/يناير 2022 وحتى يوم الجمعة 4 آذار/مارس ‏الساعة السادسة مساء. ولأن جمع التوقيعات أمر شاق للغاية، لا سيما للمرشحين ‏‏“الصغار” ومرشحي الأحزاب المتطرفة، فإن البحث عن تواقيع “الداعمين” يبدأ قبل ‏المواعيد القانونية بوقت طويل. حتى أن بعض المرشحين يطلب مساندة هؤلاء ‏‏“الداعمين” المحتملين قبل عام من إجراء الانتخابات. لذا يقضي بعض هؤلاء ‏المرشحين وقتهم في جمع وعود “الدعم” خلال هذه الفترة. وبعد مصادقة المجلس ‏الدستوري على التوقيعات والترشيحات، يجب على الحكومة نشر القائمة الرسمية ‏للمرشحين في 11 آذار/مارس 2022. ومنذ صدور قانون 25 نيسان/أبريل لعام ‏‏2016، والذي يفرض المزيد من الشفافية من خلال نشر المجلس الدستوري أسماء ‏ووظائف الموقعين، بات كثيرون من الفاعليات يترددون في اعطاء تواقيعهم ‏خصوصاً للمرشحين المتطرفين يميناً ويساراً. وهو مبدأ انتقده عدد من المرشحين ‏من بينهم جان لوك ميلنشون (يسار متطرف) ومارين لوبان وإريك زمور (يمين ‏متطرف)، الذين يطالبون بالعودة إلى مبدأ إخفاء هوية “الموقعين” نظراً لأنهم ‏يجدون صعوبة في جمع العدد القانوني اللازم. يحرص ماكرون على تقديم نفسه ‏على انه رجل دولة يركز على قضايا الساعة من إدارة الأزمة الصحية (كورونا) ‏في فرنسا إلى جهود دبلوماسية يبذلها في كل الاتجاهات بشأن الأزمة الأوكرانية ‏كون فرنسا ترأس حالياً الاتحاد الأوروبي. وهو يؤجل اعلان ترشحه ويتهمه ‏خصومه بالقيام بحملة انتخابية غير معلنة من هنا تبرز، حسب المختصين في ‏السياسة الداخلية الفرنسية، أهمية معرفة الصورة النهائية للائحة الرسمية للمرشحين ‏التي ستتبلور في مطلع آذار/مارس بعد المصادقة على الترشيحات نظراً لأن ‏خروج مرشح رئيسي لعدم حصوله على الدعم الكافي سيعيد توزيع الأوراق ‏والأصوات بين المرشحين المتبقين. ‏

واللافت للإنتباه ان الرئيس ايمانويل ماكرون، الذي لم يعلن بعد قرار ترشيحه ‏رسمياً للانتخابات الرئاسية المقبلة، كان أول من استطاع جمع 500 توقيع حسب ما ‏أفاد به المجلس الدستوري تبعته فاليري بيكريس مرشحة حزب “الجمهوريين” وآن ‏هيدالغو مرشحة الحزب الاشتراكي. ويحرص ماكرون على تقديم نفسه على انه ‏رجل دولة يركز على قضايا الساعة من إدارة الأزمة الصحية (كورونا) في فرنسا ‏إلى جهود دبلوماسية يبذلها في كل الاتجاهات بشأن الأزمة الأوكرانية كون فرنسا ‏ترأس حالياً الاتحاد الأوروبي. وهو يؤجل اعلان ترشحه ويتهمه خصومه بالقيام ‏بحملة انتخابية غير معلنة ومقنعة مستفيداً من موقعه الحالي في قصر الاليزيه. ما ‏هي توجهات الناخبين؟ قبل شهرين من موعد فتح صناديق الاقتراع الرئاسي في ‏دورته الأولى، كيف تبدو اوضاع المرشحين لدى الرأي العام الفرنسي؟ حتى الآن، ‏وحسب آخر استطلاعات الرأي، يحل ماكرون في المركز الاول متقدماً على سائر ‏المرشحين مع 24 بالمئة، تليه فاليري بيكريس مرشحة حزب “الجمهوريين” ‏‏(اليمين المعتدل) مع 16.5 بالمئة، غير أن الجديد والمفاجىء في الاستطلاعات تقدم ‏اريك زمور وتقاسمه المركز الثالث مع مارين لوبان بنسبة 14 بالمئة، وهما ‏المرشحان اللذان يتنافسان على تمثيل اليمين المتطرف. ويبدو ان اعتماد زمور ‏مواقف اكثر تشدداً من لوبن منحه مزيداً من التأييد الشعبي! إلا ان لوبان عادت في ‏استطلاع أخير الى التقدم على زمور ومنافسة بيكريس (15.5- 15) على المركز ‏الثاني الذي سيكون محور الاقتراع في الدورة الاولى والمنافسة ستكون شديدة عليه ‏بين الثلاثي بيكريس – لوبان – زمور. إقرأ على موقع 180 الأردن؛ أخطر من ‏‏"مؤامرة" وأقل من انقلاب وفي آخر المواقف المتطرفة، اعتبر زمور أن المنحرفين ‏الذين يقطنون الضواحي هم “رفاق سلاح للجهاديين” في “معركة حضارية” تضع ‏المهاجرين في مواجهة الثقافة الفرنسية التقليدية. ‏

الكاتب اليميني المتطرف، الذي لطالما استخدم ضحايا هجمات الجهاديين في فرنسا ‏منذ 2015 ذخيرة سياسية له، خاطب جمعاً من اعضاء الشرطة في احدى نقابات ‏رجال الشرطة قائلاً لهم انهم “في الجبهة الأمامية لمعركة حضارية”، وأضاف ‏‏:”هناك حضارتان على أراضينا ولا يمكن لهما التعايش بسلام، نحن بحاجة الى أن ‏تفرض واحدة منهما نفسها، وهي حضارتنا”، مشيرا إلى وجود صلة “بين ‏المنحرفين العاديين والجهاديين”. وقال “انهم الشيء نفسه”، مستفيضاً في شرح ‏نظريات قدّمها في كتبه تفيد بأن الدين وليس الفقر او الاستلاب هو ما يثير الجرائم ‏في الشوارع في أحياء فرنسا الأشد قسوة. وكان زمور تعرض خلال السنوات ‏العشر الماضية لخمس عشرة دعوى قضائية بسبب تصريحاته المثيرة للجدل بتهمة ‏الإهانة العرقية والتحريض على الكراهية أو الطعن في الجرائم ضد الإنسانية. وقبل ‏مدة حكم عليه بدفع غرامة قدرها عشرة آلاف يورو لتحريضه على الكراهية بعد ‏وصفه في لقاء تلفزيوني المهاجرين القصر غير المصحوبين بذويهم بأنهم ‏‏“لصوص” و”قتلة” و”مغتصبون”. معاهد الاستطلاع تحذّر من أن المشهد السياسي ‏لا يزال متقلّباً ومن أن نتائج الانتخابات غير محسومة خصوصاً انها تتخوف من ‏نسبة مرتفعة قياسية في مقاطعة التصويت. كما ينبغي انتظار الحملة الانتخابية ‏الرسمية قبل الدورة الأولى وترقب “المناظرة – المواجهة” بين المرشحين النهائيين ‏قبل الدورة الثانية وقد اغتنم ماكرون مناسبة انعقاد “منتدى عوالم المتوسط” الذي ‏نظم في مدينة مرسيليا في الجنوب الفرنسي للرد على هذه المواقف اليمينية ‏المتطرفة، فدافع عن “ثروة التعددية” التي يتمتع بها الفرنسيون من الشتات ولا سيما ‏‏“من بلاد الشام والمغرب وجنوب أوروبا” ومنتقداً بذلك زمور من دون أن يذكر ‏اسمه. وقال ماكرون: “أولئك الذين يأتون من الجانب الآخر من البحر الأبيض ‏المتوسط” هم “فرصة لجعل فرنسا أكبر”، مستنكرًا ما يردده أولئك الذين “يشكّكون” ‏في الفرنسيين القادمين من “مكان آخر”. ‏

ماذا عن أحوال مرشحي اليسار؟ ‏

الانقسامات والخلافات داخل صفوف احزاب اليسار أضعفتها وجعلت مرشحيها ‏ينالون نسبة متدنية من تأييد الرأي العام الفرنسي كما لم تنجح كل محاولات توحيد ‏الصفوف والاتفاق على مرشح واحد يمثل اليسار المعتدل وانصار البيئة (حزب ‏الخضر)، بالرغم مما تردد عن بداية تقارب بين يانيك جادو (البيئة-الخضر) ‏ووزيرة العدل السابقة كريستيان توبيرا. واكبر شاهد على تراجع اليسار هو الفشل ‏الذريع لمرشحة الحزب الاشتراكي، (الذي أوصل رئيسين الى قصر الاليزيه ‏فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند)، رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو التي لا تتجاوز ‏نسبة التأييد لها حدود الـ4 بالمئة حتى الآن!‏

‏ لمن الغلبة؟

‏ يبقى ان ماكرون، حسب كل الاستطلاعات، هو المرشح الأوفر حظاً للفوز ‏بالاستحقاق الرئاسي في الدورة الثانية مع 57 بالمئة في مواجهة بيكريس (المنافسة ‏الجدية التي لم تستطع حتى الآن تحقيق الخرق المطلوب) و61 بالمئة في مواجهة ‏زمور أو لوبان. واعتبرت صحيفة “لو موند” في افتتاحية أخيرة لها “أن كل هذه ‏التوازنات قد تتبدل، وفي هذه المرحلة يأخذ التصويت لإيمانويل ماكرون شكل خيار ‏تلقائي”. لكن معاهد الاستطلاع تحذّر من أن المشهد السياسي لا يزال متقلّباً ومن أن ‏نتائج الانتخابات غير محسومة خصوصاً انها تتخوف من نسبة مرتفعة قياسية في ‏مقاطعة التصويت. كما ينبغي انتظار الحملة الانتخابية الرسمية قبل الدورة الأولى ‏وترقب “المناظرة – المواجهة” بين المرشحين النهائيين قبل الدورة الثانية وأثر ذلك ‏على خيار الناخبين المترددين الذين لم يحسموا خيارهم بعد. وقد ذهب عدد من ‏المراقبين في الإتجاه نفسه بالدعوة الى إلتزام الحذر لأن “المزاجية الانفعالية” ‏تحرك دائماً خيار الناخب الفرنسي مع ما تحمله من مفاجآت، إضافة الى الوضع ‏السياسي المتقلب وان المدة الفاصلة عن موعد الانتخابات معرضة لأي تطور ‏سياسي استثنائي او حدث طارىء في الشارع قد يغير الموازين ويبدل الخيارات.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

11 شباط 2022 14:05