18 كانون الثاني 2022 | 11:38

عرب وعالم

القضّ والقضيض والعام الجديد ‏

عمرو موسى - الشرق الأوسط اللندنية: ‏




نعم، انتهى عام 2021 بقضّه وقضيضه، وجاء عام جديد ومعه آمال في ‏ألا يكون مثل سابقه، وأن يوفر للناس في أرجاء العالم الأربعة وقاراته ‏الخمس (أو الست) فرصة للعودة إلى حياة طبيعية، وإن بقضٍّ وقضيض ‏مختلفين، يعبّر عنهما بتعبير «الطبيعي الجديد» (‏New normal‏). وهو ‏تعبير ذو طرافة سياسية، إذ يؤكد أن العودة، حين تتم، فسوف تكون إلى ‏ما هو طبيعي كما عشناه وعرفناه، وإنْ –ربما– بثوب أُعيد كيّه، وألوان ‏جرت إعادة صباغتها، ولكن يظل المضمون «هو هو».‏

وحتى لا نتوه في غمار التحليلات لما يعنيه ذلك التعبير على مستوى ‏العالم، دعوني أركز على ما يعنيه على مستوى الشرق الأوسط والعالم ‏العربي.‏

أولاً: لا أعتقد أن الانتقال من عام إلى آخر يشكل في ذاته نقلة نوعية ‏عندنا، ما عدا الاحتفاء بالعام الجديد والأمل في بعض الخير منه. إن ‏منطق الأمور لدينا والثقل السلبي لما نتحمله في نواحي حياتنا كافة يجعل ‏من غير المنطقي أن نتوقع خيراً كثيراً.‏

ثانياً: إن القوى الخارجية التي تتلاعب بأقدار المنطقة، ومنها القوى ‏الإقليمية (غير العربية) الصاعدة، لا ترى في العالم العربي شريكاً في ‏قيادة المنطقة، وإنما ساحة للتنافس وتحقيق المصالح التي تأتي في ‏معظمها على حساب أهل هذه الساحة، والغريب، بل الخطير، أن ‏الكثيرين من «أهل الساحة» لا يزالون ينتظرون خيراً من هؤلاء ‏وأولئك.‏

ثالثاً: لقد تغيرت أحوال العرب أنفسهم، وأرى أنه تغير إلى الأسوأ. فقد ‏أصبح لهم أعداء استراتيجيون جدد، بل أصبح لكل دولة عربية أو ‏مجموعة منهم عدو مختلف، ما ولّد أولويات مختلفة، ومن ثم أصبح ‏تعبير «الأمن القومي العربي» بلا مضمون ولا بنيان ولا معنى. وفي ‏الوقت نفسه، توقفت مشاريع التكامل الاقتصادي العربي أو تعطلت إلى ‏درجة كبيرة. وبمعنى آخر، فلا الأمن العربي ولا الاقتصاد العربي -‏وكان الاثنان يعدّان «الإسمنت» الذي يربط بين الدول والمجتمعات ‏العربية- بقيا على ما كانا عليه. لقد تآكلا.‏

رابعاً: حتى اللغة العربية ذاتها، الرابط الأساسي بين الناس في العالم ‏العربي، أصابها تراجع وضمور... لم تعد النخب العربية مهتمة بلغتها ‏ولا بتعليمها لأبنائهم وبناتهم الذين يمثلون أجيال المستقبل في العالم ‏العربي.‏

إن أيدي سبأ تتفرق... وا أسفاه.‏

خامساً: علينا أيضاً أن نلاحظ أمرين سلبيين آخرين، أولهما يتعلق بأن ‏مبادرات إعادة البناء أو محاولاته تتم في أغلبها بنبرة وإدارة محلية ‏‏(وطنية) دون الالتفات كثيراً إلى أهمية التكامل العربي (أو الإقليمي) ‏الذي يمكن أن يدعم عملية التنمية الوطنية، وثانيهما أنه بالنسبة إلى ‏التحديات الجديدة التي سوف تشغلنا في السنوات والعقود التالية، مثل ‏الأوبئة وتغيرات المناخ، لم نرَ –نحن المواطنين العرب– أي عمل كفء ‏في مضمونه وتنسيقه بين الدول والمؤسسات العربية المعنية. فلا نحن ‏قاومنا «كوفيد» معاً، ولا نحن أصحاب خطة إقليمية ذات بال للتعامل مع ‏التغيرات المناخية التي قد -بل سوف- تصيب بلادنا إصابات مباشرة.‏

سادساً: إني أتساءل، مع كل ما سبق أو رغمه، هل هناك فرصة لأن ‏يناقش المسؤولون العرب أموراً محددة، مثل إطلاق حملة تنويرية عربية ‏تشمل كيفية ربط عملية التعليم في مدارس العرب ببعض البرامج ‏المتشابهة في اللغة والتاريخ وبعض الموضوعات الجديدة والتكنولوجيا، ‏مثل الذكاء الصناعي ومفرداته باللغة العربية واللغات الأصلية له؟

نعم، إذا تم ذلك، أو بعض ذلك، فإننا نكون اقتربنا من المشاركة مع العالم ‏في صياغة «الطبيعي الجديد»، لأننا سوف نقدم نحن أيضاً شيئاً جديداً ‏يمكن أن نباهي به الأمم.‏

وأخيراً، أود أن أضيف ملاحظة إيجابية، إذ ذكّرني أحد المسؤولين ‏الليبيين الذين التقيتهم مؤخراً بأنهم في ليبيا شعروا بجوٍّ إيجابي تسلل إلى ‏أجوائهم السياسية بعد المصالحة العربية إثر اجتماع العُلا والتهدئة ‏الجارية بين تركيا ومصر.‏

هناك بعض الإيجابيات الأخرى لا شك، ولكنها لا تكفي كي تشكل ‏Trend، كما يقولون... وكل عام وأنتم بخير.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

18 كانون الثاني 2022 11:38