8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خاسرون ثلاثة عشية الموعد النهائي للوائح

عشية الموعد النهائي لتسجيل اللوائح، يبرز إلى الواجهة ثلاثة خاسرين.

الخاسر الأول، هو المنطق "الارادوي" الذي يعتبر ان مشكلة انعدام التوازن لصالح "حزب الله" سببها نقص في الارادة النضالية المضادة له، ويختزل الاشكال الى مباينة بين "ارادتين"، واحدة يمثلها الحزب، وثانية يمثلها الخط المواجه له، كما لو لم تكن هناك في لبنان بنية اجتماعية، وطبقات وطوائف ومناطق، ومجموعة مركبة من التعقيدات الاقليمية والتأثيرات الخارجية، فتخلص النتيجة مع معتمدي هذا المنطق الى تحويل مشكلتهم من مشكلة تداعٍ لبناء "عضلات الارادة" المواجهة للحزب، الى مشكلة مع الذين يعتبرونهم متراخين، لاسباب متفاوتة في الحيثية والتقدير، وإنما من دون اي عوامل موضوعية تؤخذ بعين الاعتبار. هذا المنطق الذي كان يمنّي النفس بأن يُراكم كرة ثلج "ماكسيمالية" (قصوية)، ليصبح هذا الاستحقاق استحقاقه بامتياز، تراجع بشكل متزايد في الآونة الاخيرة. ليس لان اخصام هذا المنطق استطاعوا تأمين خطاب بديل شامل عنه، بل لان منطق التصعيد في الصراع الداخلي الى خواتيمه لم يلق آذاناً صاغية، أولاً لعدم وجود من يحمل هذا المنطق ويستطيع تجسيد "خط الجماهير" في الواقع الفعلي من خلاله، وثانياً لان هذا المنطق لا يتعامل مع واقع ان هناك مؤسسات واجهزة دولة، وهناك قطاعات اقتصادية تتناقض حول اشياء كثيرة الا انها ذات مصلحة بالفعل في عدم الاسترسال وراء منطق "الذهاب في الصراع الى خواتيمه"، وعدم الاستهانة في نفس الوقت بأهمية عدم ترك كل اجهزة ومؤسسات الدولة للخصم، بحجة ان الخصم هو اصلاً "الكل في الكل". الشعبوية هنا لم تمتلك شروطها كشعبوية، شرط جماهيريتها وحيويتها، والدلالات "العزوفية" و"الانفكاكية" عنها لا يمكن المكابرة عليها.

الخاسر الثاني هو المنطق "اللاسياسي" الذي سوّق لنفسه تحت مسمّى "قوى المجتمع المدني". من طموح مبالغ فيه لخوض الانتخابات بما يشبه اللائحة الواحدة الاجمالية لكل البدائل المدنية في كل الدوائر، الى تهاو "كرتوني" لاكثر ما شاهدناه من هذه الظواهر، التي اختزلت مشكلة البلد في ثنائية لعبة "عسكر وحرامية"، او في هذه الحالة "مجتمع مدني وحرامية"، وهنا ايضاً من دون مقاربة معرفية لتركيبة المجتمع اللبناني والتحولات المزمنة والآنية فيه، ومن دون تفكيك لمقولة "الطبقة السياسية"، والمكابرة على البعد الجماهيري للحزبيات الاساسية القائمة في لبنان، وتفسير هذا البعد بأنه "زبائنية" ليس إلّا. هذا القصور المعرفي لمن أراد "خرق الطبقة السياسية" كما يقول، ادى بظاهرة "قوى المجتمع المدني" الى تراجع كبير في معظم الدوائر، وبعيداً عن منسوب من الحيثية كانت لظواهر مشابهة في الانتخابات البلدية قبل عامين، وبعيداً أيضاً عن الحيوية التي أظهرها الشباب المنتفض ايام الحراك المدني الشعبي في مواجهة ازمة النفايات. فحتى بعد ان تراجعت ثنائية 8 و14 آذار من صدارة الى خلفية جزئية للمشهد الحالي، لم تستطع قوى المجتمع المدني كما تتسمّى، ان تطرح على نفسها مهمة بناء معارضة وطنية ديموقراطية تسعى إلى إعادة تحريك آليات تداول السلطة في لبنان.

أما الخاسر الثالث فهو اوسع مدى. انهم اللبنانيون بشكل عام، الذين خسروا في هذا الاستحقاق فكرة لطالما سُوّق لها، منذ السبعينيات، على انها "اصلاحية" و"تحديثية"، وهي فكرة "النظام النسبي". صحيح انه لم تعتمد النسبية الكاملة في لبنان دائرة واحدة، وأن تقطيع الدوائر والصوت التفضيلي مسخ النسبية مسخاً، إلّا أن الفكرة عن النسبية ككل، كحلالة المشاكل، والكفيلة بالتحديث، وبرفع مستوى تسييس الاستحقاق، اصيبت في صميمها. هذا المستوى من التهجين في لوائح هي في نفس الوقت مقفلة، لا يمكن شطب احد منها، انما يمكن تفضيل اسم واحد عليها فحسب، أدخل البلد في جملة من المفارقات، وفي اختلاف اساسي بين الاسلوب الذي تخاض فيه الانتخابات في دوائر نفوذ "حزب الله" و"حركة امل" وفي غيرها من الدوائر.

بقي أن الأربعين يوماً الفاصلة يمكن ان تعود فتشهد منسوباً من إعادة تسييس الاستحقاق، خصوصاً من بوابتَي دائرة بيروت الثانية وبعلبك الهرمل. لإعادة التسييس هنا مستلزماتها: التوسع في تقديم الرؤية المتّصلة بحال البلد بعد الانتخاب، وكيفية الانتقال من "ربط النزاعات" الى المبادرات الساعية من اجل تسوية شاملة وتاريخية للأزمة اللبنانية العامة. ليست الجرأة فقط في "السقوف العالية". الجرأة هي اساساً في الجرأة على الخيال، وعلى المبادرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00