سيدر رهن التشكيل.. وإلا فالآتي أعظم
عام المؤشرات الاقتصادية الحمراء.. هكذا يمكن وصف العام 2018 اقتصاديا. هو العام الاسوأ على الاطلاق منذ سنوات. نمو اقتصادي يلامس الصفر او ما دون، تضخم وصل الى مستويات قياسية لامس السبعة في المئة، ما يعني ان لبنان يعيش حالة ركود تضخمي اي حين يكون النمو ضعيفا او معدوما يقابله تضخم عال.. عجز موازنة فاق التوقعات وسيصل الى حدود الـ6 مليارات دولار في نهاية العام، اي اكثر بكثير مما كان متوقعا له في موازنة العام 2018.. دين عام مرتفع جدا ونسبته الى الناتج المحلي توازي 150 في المئة وخدمته تمتص ثلث الموازنة.. عجز كبير في ميزان المدفوعات يتخطى الـ3 مليارات دولار في عشرة اشهر.. عجز تجاري كبير يتخطى الـ14 مليار دولار في عشرة اشهر.. تراجع ملموس للتحويلات الى لبنان.. خفض للنظرة المستقبلية للبنان من وكالتي فيتش وموديز الى سلبي من مستقر.. وغيرها الكثير الكثير من المؤشرات.
كان يمكن للعام 2018 أن يبدل بوصلة هذه المؤشرات ايجابا لو تم تشكيل حكومة سريعا، ولو تنازل المعرقلون عن مطالبهم التي هي في كثير من المطارح غير محقة. علما ان الجميع يعي خطورة ما بلغه الاقتصاد وهم يقرون بذلك ولكن من دون اي تحرك يفيد البلد. تشكيل الحكومة لم يكن مطلبا داخليا فقط، فجميع التقارير الصادرة عن مؤسسات مالية دولية كانت تربط بين الاسراع في تشكيل الحكومة وبين اعادة الحياة الى الاقتصاد المتهالك، والا فلا يكون للبنان اي خلاص.
لماذا هذه المناشدة في الاسراع في تشكيل الحكومة؟ بكل بساطة، لان حكومة الرئيس سعد الحريري التي ادركت فداحة الوضع الاقتصادي واستحالة تمويل الاقتصاد ذاتيا دون دعم دولي، قررت اتخاذ خطوات جريئة وسريعة لانقاذ البلاد من الغرق فراحت تعد لمؤتمر دولي تستقطب فيه القروض الميسرة والمساعدات والاستثمارات بهدف عكس معدلات النمو والفقر والبطالة، على اعتبار ان زيادة الاستثمار العام ستساعد في تدعيم الاقتصاد المنخفض
وتعزيز الثقة بالقطاع الخاص في لبنان.
فكان مؤتمر سيدر في باريس برعاية الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، والذي رصد اموالا للبنان بقيمة 11.8 مليار دولار في مقابل تعهد الحكومة اقرار اصلاحات غير ممكن تنفيذها من دون وجود حكومة فاعلة تمنح الجهات المانحة الدولية اشارة الى مدى جديتها في النهوض بالاقتصاد الذي دخل اليوم في نفق مجهول لن يمكن الخروج منه الا عبر زيادة معدلات النمو.
لقد كانت اهمية مؤتمر سيدر في الشكل انه اطلق شراكة جديدة مع المجتمع الدولي كانت بمثابة بدايةً للنهوض الاقتصادي في لبنان ووسادة للمحافظة على استقراره.
ففي سيدر، قدمت الحكومة اللبنانية برنامجا للاستثمار العام يشمل حوالي 280 مشروعا في قطاعات مختلفة على اعتبار ان زيادة الإنفاق الرأسمالي سيؤدي الى تحسُّن ملحوظ في النمو الاقتصادي. فزيادة الإستثمارات ستزيد مداخيل الدولة، وتخفض العجز وكذلك معدلات الفوائد. بمعنى اخر، ان كل ارتفاع في مستوى الاستثمار بمليار دولار (أي ما يُعادل حوالى 2 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي) تُقابله زيادة بنسبة 1 في المئة في نسبة النموّ الاقتصادي.
كما قدمت الحكومة رؤيتها لـالاستقرار والنمو وفرص العمل استندت إلى أربع ركائز مهمة هي:
1 - زيادة كبيرة لمستوى الاستثمار العام على المدى القصير، من خلال تسريع تنفيذ المشاريع التي تم تخصيص قروض أجنبية لها من أجل استيلاد العمالة بسرعة، والشروع في برنامج رئيسي للمشاريع الجديدة للاستثمار في البنية التحتية لإرساء الأساس للنمو على المدى الطويل.
2- ضمان الاستقرار الاقتصادي والمالي من خلال التصحيح المالي الذي سيتيح التوسع المتوخى للاستثمارات العامة في إطار اقتصادي كلي قابل للتطبيق مع سيناريو دين مستدام. بمعنى ان تلتزم الحكومة ضبط أوضاع المالية العامة بنسبة 5 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي على مدى السنوات الخمس القادمة (أي نقطة مئوية واحدة سنوياً). وسيتم تحقيق ذلك من خلال إجراءات متعلقة بزيادة الإيرادات، وخفض الإنفاق حيثما أمكن، بما في ذلك خفض التحويلات الحكومية إلى مؤسسة كهرباء لبنان التي تجاوزت 4 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في السنوات الأخيرة.
3- اجراء إصلاحات قطاعية لضمان استدامة استثمارات البنية التحتية، وإصلاحات هيكلية وشاملة لقطاعات عدة من اجل ضمان الحوكمة الرشيدة وتأمين تحقيق إمكانات النمو الذي يقوده القطاع الخاص إلى أقصى حد ومستدام. وتشمل هذه الجهود مكافحة الفساد، والحوكمة المالية والإصلاحات، وتحديث وإعادة هيكلة القطاع العام، وتحديث الجمارك، وإصلاحات أسواق رأس المال، وتهيئة الظروف لاستعادة القطاع الخاص في لبنان الذي عادة ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني الذي تأثر بعدم الاستقرار السياسي وبالأزمة السورية.
4- وضع استراتيجية لتنويع القطاعات الإنتاجية والخدماتية في لبنان وتحقيق إمكانات لبنان التصديرية، مدعومة ببيئة أعمال تمكينية بما في ذلك إزالة الاختناقات أمام استثمارات القطاع الخاص، واستقرار الاقتصاد الكلي والمالي.
بالتوازي، توقع صندوق النقد الدولي ان يؤدي تنفيذ البرنامج الاستثماري مترافقاً مع الاصلاحات المالية والهيكلية التي تعهدت بها الحكومة، الى تحسين توقعات لبنان الاقتصادية، وان يخلق المزيد من فرص العمل واستقراراً في مستويات الدين العام ويضعه في منحى تنازلي. من هنا، فان صندوق التقد الدولي توقع ان يساهم هذا السيناريو، اي تنفيذ البرنامج الاستثماري والاصلاحات، بالاتي:
- أن يبلغ النمو ما نسبته 1.6 في المئة في 2018 وإلى متوسط 3 في المئة في الفترة بين 2019 و2023.
- أن يتراجع العجز إلى الناتج المحلي من 9.9 في المئة في 2018 إلى 6،4 في المئة في 2023 وإلى متوسط 7 في المئة سنوياً في الفترة بين 2019 و2023.
- أن يتراجع الدين العام نسبة إلى الناتج المحلي إلى 155 في المئة في نهاية العام 2018 فـ148 في المئة في نهاية 2023.
- أن ترتفع الاحتياطات بالعملات الأجنبية من 39 مليار دولار في نهاية العام 2018 إلى 53 ملياراً في نهاية العام 2023.
منتدى لندن
على الرغم من وجود حكومة تصريف اعمال، الا ان هذه الحكومة واجهزتها لم تتوقف عن الاستمرار بالعمل من اجل تطبيق مقررات سيدر في وقت كان مجلس النواب اقر عددا من مشاريع القوانين الاصلاحية المطلوبة. فهناك عمل كبير يجري في اجهزة الدولة على الرغم من وجود حكومة تصريف اعمال. كما ان الرئيس المكلف لم يكن مكتوف اليدين طيلة هذه الفترة، بل هو كان يبحث عن وسيلة لتسويق مشاريع سيدر وتوفير أرضية مناسبة تؤمن جذب الاستثمارات التي تحتاج اليها البلاد في القطاعات كافة ولاسيما من قبل القطاع الخاص. من هنا كان منتدى الاعمال والاستثمار البريطاني - اللبناني في العاصمة البريطانية في كانون الاول والذي شارك فيه عدد كبير من المستثمرين ورجال الأعمال والمؤسسات الدولية، والذي أكد التزام المجتمع الدولي بتعهداته حيال لبنان والثقة بقدرة اقتصاده على النهوض مجددا في ظل الرؤية التي قدمها في مؤتمر سيدر. لقد ابلغ الرئيس الحريري الحاضرين في لندن ان سيدر هو الوسيلة التي ستمكننا من تجاوز الوضع الاقتصادي الذي نمر فيه حاليا، ونقوم بالإصلاحات التي يجب علينا القيام بها، لأن لبنان لا يمكن ان يستمر بأسلوب العمل نفسه الذي كان يتبعه من عشر سنوات او اكثر. لدينا قوانين عمرها اكثر من خمسين عاما، لذا يجب علينا أن نطور أنفسنا خاصة وأن القطاع الخاص اليوم مختلف كليا عما كان عليه في السابق.
ولا بد هنا من اعادة التذكير بمؤتمر خاص بالقطاع الخاص كان عقد في بيروت قبل انعقاد مؤتمر سيدر، جمع عددا كبيرا من رجال الاعمال اللبنانيين والشركات الاجنبية المهتمة بالموضوع اللبناني، والذي تم خلاله عرض المشاريع في برنامج الاستثمار.
وهذا يعني ان اللقاء في بيروت ولندن اندمجا تحت شعار دور القطاع الخاص في اعادة تأهيل البنى التحتية في لبنان والاستثمار فيه، ان من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، او عبر المشاريع التي ستمولها مؤسسات دولية او من موازنة الدولة اللبنانية. ولندن لن تكون المحطة الاخيرة في برنامج تسويق مشاريع سيدر وتشجيع القطاع الخاص على المشاركة في اعادة التأهيل والاستثمار في لبنان، فستيلها اخرى في باريس وبرلين لهذا الغرض. مع الاشارة الى ان الحكومة تتوقع أن يؤمن القطاع الخاص ما نسبته بين 30 في المئة إلى 40 في المئة من حاجات التمويل المُحددة في برنامجها الاستثماري. وتقدر المشاريع الإجمالية التي تلبي متطلبات قانون الشراكة بنحو 7 مليارات دولار (قدمت الحكومة الى مؤتمر سيدر 18 مشروعا يمكن للقطاع الخاص ان يساهم في تمويلها).
موزانة العام 2019
وعلى اهمية كل ما تقدم، فان عدم وجود حكومة يعرقل اقرار مشروع موازنة العام 2019 يجب ان تكون صورة تقدَّم للخارج على أن لبنان بدأ بالعملية الإصلاحية، والتي بالتالي يفترض ان تتضمن اجراءات اصلاحية تعهد بها لبنان لاسيما بدء مسار ضبط العجز الكبير في المالية العامة وخفضه بنسبة 5 في المئة خلال 5 سنوات او ما قيمته مليارين و500 مليون دولار، بالتوازي مع اصلاح مؤسسة كهرباء لبنان. مع الاشارة الى عدد من التحديات التي يواجهها وزير المالية علي حسن خليل في هذا الاطار (هو انهى مشروع موازنة العام 2019 ورفعه الى الامانة العامة لمجلس الوزراء):
1- كهرباء لبنان: ان معالجة هذا الملف يعتبر الإنطلاقة لمعالجة المشكلات الأخرى، اذ من شأنها ان تخفض عجز بالمالية العامة بملياري دولار، وتحرّك الإقتصاد عبر تحسين القطاعات الإنتاجية وغير الإنتاجية، وتخفّض الفاتورة على المواطنين وجيوب المواطنين.
2- تكلفة الدين العام (التي ستصل إلى 6 مليارات دولار).
3- رواتب القطاع العام.
وهذا يعني ان تحديات العام 2019 ستكون اكثر صعوبة واشد وطأة على الاقتصاد من العام 2018. من هنا، فان المطالبة بالإسراع في تشكيل الحكومة لا يندرج في إطار المواقف السياسية، إنما بات حاجة واجب تنفيذها سريعاً، بهدف الاسراع في تطبيق الإصلاحات التي تعهد لبنان بها في سيدر كخارطة طريق للحصول على التمويل الخارجي وبدء تطبيق المشاريع الانمائية المطروحة من اجل بدء رحلة تحقيق معدلات نمو على طريق انقاذ الاقتصاد. صحيح ان سيدر ليس حلا سحريا لكنه الحل الوحيد لانقاذ لبنان من الغرق.. والا.. فالاتي أعظم بالتأكيد.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.