8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عام 2018: عالم على إيقاع ترامب



ملأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدنيا وشغل الناس من الأسبوع الاول في عام 2018 حتى الأسبوع الأخير. فقد لعبت سياساته وقراراته دوراً محورياً في تغيير الخارطة العالمية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. فللمرة الأولى في التاريخ التقى رئيس الولايات المتحدة مع رئيس كوريا الشمالية. وللمرة الأولى منذ أكثر من عقدين من الزمن خسر الإرهاب المرتبة الأولى كأكبر تهديد للأمن العالمي، إذ وفق الاستراتيجية الدفاعية الجديدة التي قدمتها إدارة ترامب هذا العام أصبح التنافس بين الدول الكبرى هو التهديد الأول. ومع تلويح هذه الإدارة بنقض معاهدات الحد من الأسلحة النووية في الربع الأول من العام المقبل، عاد سباق التسلح إلى الوضع الذين كان عليه إبان الحرب الباردة. وكما اتجه ترامب لرمي برنامج سلفه باراك أوباما للرعاية الصحية الأميركية في سلة المهملات، شطب بجرة قلم اتفاق فيينا الذي وقعته الدول الكبرى مع إيران لتجميد طموحاتها النووية العسكرية فأعاد العقوبات التي كانت مفروضة على الاقتصاد الإيراني متسبباً بتهاوي العملة الإيرانية إلى حد غير مسبوق. وتبنى ترامب في 2018 سياسة المواجهة الاقتصادية مع الحلفاء قبل الخصوم ففرض رسوماً جمركية على البضائع الأوروبية كما الصينية، مما ينذر بوقوع حرب تجارية شاملة لا أحد يعلم متى تنفجر بعد حقنة مورفين مؤقتة تلقتها العلاقات التجارية خلال قمة مجموعة الـ20 التي عقدت في بوينوس آيرس عندما اتفق ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ على هدنة مؤقتة للحرب الجمركية بين بلديهما. وبعد خسارة الحزب الجمهوري الأغلبية في مجلس النواب الأميركي لصالح منافسه الديموقراطي وصلت واشنطن مع نهاية العام (كما بدأته) إلى تكرار حالة الشلل الحكومي بسبب التعارض الشديد بين قرارات ترامب وتطلعات الديموقراطيين، خاصة في ما يتعلق بتخصيص مليارات الدولارات لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك. كما أنهى الرئيس الأميركي صلاحيات العديد من وزراء حكومته واعلن النصر على تنظيم داعش الإرهابي مقرراً سحب القوات الأميركية من سوريا وسط ذهول حلفاء واشنطن في المنطقة (في مقدمهم الأكراد) وفي العالم (في مقدمهم فرنسا). ونقل ترامب رسمياً سفارة بلاده لدى إسرائيل إلى القدس المحتلة غير آبه بسخط الفلسطينيين والعرب من خطوته تلك.

وبيئياً عانى العلماء الأمرين في اصدار توصيات للحكومات في شتى مؤتمرات التصدي لظاهرة التغير المناخي، والسبب الرئيسي في ذلك يعود إلى فقدان الدور الضاغط الكبير الذي كانت تؤديه واشنطن لإجبار العديد من الحكومات على الالتزام بالتدابير الدولية المتخذة للحد من انبعاث الغازات الدفيئة. سياسات ترامب هذه أسهمت أيضاً بشكل كبير في ارتفاع شعبية المتطرفين القوميين والشعبويين في العديد من البلدان الاوروبية ووضعت العالم على خط سير جديد بعيد عن الشراكات والتحالفات، خط يرتكز على نهج بلدي أولاً.

وفي ما يلي أبرز بصمات العام 2018 على العالم:

* التنافس الاستراتيجي لا الإرهاب أصبح التهديد الأول للأمن العالمي*

منذ الشهر الأول من عام 2018 أعلنت الولايات المتحدة استراتيجية دفاعية جديدة أزاحت الإرهاب من صدارة أولوياتها واستبدلته بـالتنافس الاستراتيجي بين الدول. وحددت وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) أربع دول بالأسماء هي الصين وروسيا وايران وكوريا الشمالية، معتبرة أن السياسات التوسعية لهذه الدول وأنشطتها العسكرية أصبحت تشكّل التهديد الأول للأمن القومي الأميركي. ثم اعلنت وزارة الدفاع البريطانية أولويات جديدة وضعت فيها أيضاً التنافس الدولي كمصدر أول للخطر على الأمن القومي البريطاني. وما ساهم في الربط بين استراتيجيتي واشنطن ولندن استعار الهجمات السيبرانية التي شنتها مجموعات قراصنة الكترونيين ضد المؤسسات والشركات الأميركية والبريطانية، وأكدت التحقيقات أن مصادر تلك الهجمات هي روسيا والصين، وبنسبة أقل إيران وكوريا الشمالية. وتعرضت دول الاتحاد الأوروبي هي الأخرى لموجة مشابهة من الهجمات الإلكترونية إنما بمعدل أقل. وطغى على أسلوب القراصنة الروس طابع الدعاية السياسية والبروباغندا الساعية إلى تفتيت المجتمعات الغربية.

وعلى الرغم من أن العام 2018 لم يسلم من هجمات إرهابية كالهجوم الذي شنه فرنسي داعشي في ستراسبورغ قبيل عيد الميلاد وعملية ذبح سائحتين دنماركية ونرويجية في جبال الأطلس المغربية في الفترة عينها، ولم يسلم من محاولات شن هجمات إرهابية كمحاولة تنفيذ عمل إرهابي ضد تجمع للمعارضة الإيرانية قرب باريس، إلا أن نسبة دموية الهجمات وعددها كان أقل من الأعوام السابقة (باستثناء افغانستان التي ضاعفت حركة طالبان الهجمات الدموية فيها). ولعل إعلان ترامب في نهاية العام النصر على تنظيم داعش وسحب القوات الأميركية من سوريا خير دليل على أن واشنطن بدأت تشغل نفسها عن الحرب على الإرهاب بالمنافسة التجارية بينها وبين الصين وبسباق التسلح بينها وبين روسيا.

قمة عقدت في العاصمة الفنلندية هلسنكي بين ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين واتفق فيها الطرفان على تحسين العلاقات الثنائية، لكن واشنطن أكدت لاحقاً نيتها نقض معاهدات الحد من الأسلحة النووية لأن روسيا لا تلتزم فعلياً بها، بل تنتهكها بصورة مستمرة منذ العام 2015. وفي آخر اجتماع لحلف شمال الأطلسي (ناتو) أكد أمينه العام ينس ستولتنبرغ أن جميع الدول الأعضاء تؤيد الولايات المتحدة في موقفها هذا لأنه من غير الممكن أن يستمر طرف واحد فقط في تطبيق المعاهدة في حين أن الطرف الآخر ينتهكها باستمرار. وأعطى ترامب بوتين مهلة تنتهي مطلع شباط المقبل لكي تبرهن روسيا فعلياً عن التزامها بالمعاهدات المذكورة. كما أبرم ترامب مع جينبينغ مهلة (تنتهي مطلع آذار المقبل) بشأن تجميد فرض مزيد من الرسوم الجمركية على البضائع مقابل إجابة بكين على كافة طلبات واشنطن وهواجسها تجاه العلاقة التجارية الغير متوازنة بين البلدين والتي تعود على الصين بفائدة أكبر بكثير من الولايات المتحدة.

على صعيد الحراك العسكري ميدانياً، شددت الصين قبضتها على الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي بعدما بنت قواعد عسكرية لها هناك، ما دفع الأميركيين إلى التنسيق مع الاستراليين وجيرانهم في بابوا غينيا الجديدة من أجل إعادة بناء قاعدة عسكرية بحرية في تلك الجزيرة يكون الهدف الاستراتيجي منها رفع العصا في وجه النفوذ الصيني المتزايد في المحيط الهادىء. من جهتها سببت روسيا استنفاراً في أوكرانيا ودول الجوار بعدما اقدمت البحرية الروسية في أواخر تشرين الثاني على إطلاق النار على 3 سفن حربية أوكرانية والاستيلاء عليها في بحر آزوف، فما كان من أوكرانيا إلا أن وضعت أراضيها الحدودية تحت حكم الجيش مدة شهر كامل وطلبت الحماية من الناتو ضد اي عدوان روسي. وقد استدعت تلك الحادثة إدانة غربية واسعة لذلك التحرك الروسي، ومع ذلك لم يحرك بوتين ساكناً وما تزال السفن الأوكرانية وبحارتها قيد الاحتجاز. كما شهد هذا العام انفصال الكنيسة الأورثوذوكسية الأوكرانية تماماً عن الكنيسة الأم في روسيا.

*سنغافورة استضافت أول قمة أميركية - كورية شمالية في التاريخ*

استضافت سنغافورة في 12 حزيران حدثاً سياسياً تاريخياً غير مسبوق، تمثل بقمة جمعت الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم جونغ أون. وانتهى هذا الاجتماع الفريد من نوعه في تاريخ البلدين إلى توقيع وثيقة تفاهم مشتركة وافقت فيها بيونغ يانغ على إطلاق سراح الأسرى الأميركيين لديها على الفور، وانهاء برنامجها النووي العسكري دون تحديد جدول زمني لذلك. وشرعت خلال النصف الثاني من العام في تدمير مواقع نووية، رغم تشكيك العديد من الخبراء الدوليين في مدى صدقية ما تقوم بها السلطات الكورية الشمالية.

واللافت أن قمة سنغافورة جاءت بعد سلسلة من التجارب الصاروخية الكورية الشمالية والتراشق الكلامي الناري والإهانات المتبادلة بين ترامب وكيم. كما كان لافتاً هذا العام أيضاً انعقاد 3 قمم (في نيسان وأيار وأيلول) جمعت الزعيمين الكوري الجنوبي مون جاي ان والكوري الشمالي كيم جونغ اون (قمتان عقدتا عند الحدود بين الكوريتين والثالثة في بيونغ يانغ) وأكد فيها الزعيمان فتح صفحة جديدة في تاريخ شبه الجزيرة الكورية. كما شارك الرياضيون الأولمبيون من البلدين تحت راية واحدة في اولمبياد بيونغ تشانغ الشتوي.

ولم تكن كوريا الشمالية لتقدم هذه التنازلات وتعلن نيتها تغيير سياساتها لولا تشديد العقوبات الدولية على اقتصادها. رغم ذلك ادت بعص التشنجات في الربع الأخير من السنة إلى تلويح بيونغ يانغ باستئناف انشطتها العسكرية النووية في حال لم يتم رفع العقوبات الاقتصادية عنها.

*العقوبات الأميركية تخنق الاقتصاد الإيراني مجددا*

انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق فيينا الخاص بتجميد الأنشطة الإيرانية النووية، وبموجب هذا الانسحاب أعاد ترامب على دفعتين فرض كامل العقوبات على إيران. وعرض عليها في الوقت عينه الإجابة على 12 شرطاً لكي توافق واشنطن على إبرام اتفاق جديد يشمل البرنامجين الإيرانيين النووي والباليستي ودعم الارهاب. ودخلت العقوبات حيز التنفيذ على مرحلتين الأولى في آب وشملت قطاعات السيارات وقطع غيار الطائرات وتجارة الذهب والمعادن النفيسة وحرمان القطاع المالي الإيراني من الدولار الأميركي. اما الدفعة الثانية والأهم ففرضت ابتداء من الخامس من تشرين الثاني وشملت قطاعي النفط والشحن بالاضافة إلى التعاملات المالية الأجنبية مع ايران. وشهد العام 2018 هبوطاً حاداً في قيمة الريال الإيراني. وأنهت غالبية الشركات الأوروبية أعمالها في إيران، رغم إصرار الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الثلاث الموقعة مع إيران على الاتفاق النووي (بريطانيا وفرنسا والمانيا) على تمسكهم بالاتفاق والاستمرار في التعامل مع طهران. وسيحاول الأوروبيون مطلع العام المقبل بلورة قوانين جديدة تتيح تأمين الحماية اللازمة للشركات الأوروبية المتعاملة مع طهران من العقوبات الأميركية. لكن كبار مدراء البنوك الاوروبية يشككون في استطاعة بروكسل الالتفاف على العقوبات.

وأصدرت الخارجية الأميركية في 2018 تقريراً شاملاً عن انتهاكات النظام الإيراني حمل عنوان نظام خارج عن القانون: سجل أنشطة إيران التخريبية. وتضمن التقرير 7 فصول تتحدث عن الأنشطة الإيرانية التدميرية. الفصل الأول عن دعم إيران للإرهاب، الثاني يتناول برنامج إيران للصواريخ، الثالث: أنشطة إيران المالية غير المشروعة، الرابع: تهديد إيران لسلامة الملاحة البحرية، الخامس: تهديد إيران للأمن الالكتروني السيبراني، السادس: انتهاكات حقوق الإنسان في إيران. السابع: التدهور البيئي في إيران.

وفنّدت واشنطن رسمياً الشروط الـ12 التي تريد إدارة ترامب من إيران تنفيذها لرفع العقوبات. وهي بالتدريج كما أوردتها الخارجية الأميركية عكسياً من الشرط رقم 12 حتى الشرط رقم 1 كالآتي: يجب على النظام الإيراني أن: 12. يعلن بشكل كامل عن الأبعاد العسكرية السابقة لبرنامجه النووي، وأن يتخلى عن مثل هذه الأنشطة بشكل دائم وبشكل يمكن التحقق منه. 11. وقف تخصيب اليورانيوم وعدم مواصلة إعادة معالجة البلوتونيوم. وهذا يشمل إغلاق المفاعل الإيراني للمياه الثقيلة. 10. أن يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول غير المقيد إلى كافة المواقع - النووية المعروفة أو المشبوهة - في جميع أنحاء البلاد. 9. أن يتوقف عن انتاج وتطوير الصواريخ الباليستية وأن يحد من إطلاق أو تطوير أنظمة صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية. 8. إطلاق سراح جميع المواطنين الأميركيين المحتجزين لديه، وكذلك سراح مواطني الدول الحليفة. فكل مواطن من هؤلاء محتجز في إيران بتهم زائفة. 7. أن يوقف النظام الإيراني دعمه للجماعات الإرهابية في الشرق الأوسط، بما في ذلك حزب الله اللبناني وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. 6. احترام سيادة الحكومة العراقية والسماح لها بنزع سلاح المليشيات الشيعية في العراق وتفكيكها وإعادة دمجها. 5. أن ينهي دعمه العسكري لميليشيا الحوثي وأن يعمل من أجل التوصل إلى تسوية سياسية سلمية في اليمن. 4. سحب جميع القوات المنتشرة تحت القيادة الإيرانية من جميع أنحاء سوريا. 3. التوقف عن دعم حركة طالبان والإرهابيين الآخرين في أفغانستان والمنطقة، وأن يتوقف عن إيواء كبار قادة تنظيم القاعدة. 2. أن ينهي دعم فيلق القدس (التابع للحرس الثوري الإيراني) للإرهابيين والشركاء المسلحين. 1. انهاء سلوكه التهديدي ضد جيرانه، بما في ذلك: التهديد بتدمير إسرائيل، وإطلاق الصواريخ على المملكة العربية السعودية والإمارات

كما كان العام 2018 عاماً قياسياً بالنسبة لعدد رزمات العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على شبكات تمويل حزب الله وأفرادها المنتشرين حول العالم. وشملت العقوبات عشرات الأفراد والمؤسسات المنضوين تحت لواء الحزب أو المتعاملين معه، بمن فيهم نجل أمينه العام جواد حسن نصر الله. ومع دخول العقوبات على ايران، الأم الروحية للحزب، حيز التنفيذ بدأ الخناق المالي يشتد عليه أكثر فأكثر.

وشهد العام 2018 منذ بدايته احتجاجات شعبية واسعة في شتى المناطق الإيرانية ضد البطالة وغلاء المعيشة والظروف الاقتصادية الخانقة، كما طالب المتظاهرون برحيل الرئيس حسن روحاني. واستغرق النظام الإيراني عدة اشهر حتى تمكن من إعادة السيطرة على نبض الشارع، لكن التظاهرات عادت للظهور وإن بشكل متقطع خلال النصف الثاني من العام. ويتوقع ان تتضاعف قوة الغضب الشعبي ابتداء من العام المقبل على وقع الخناق الاقتصادي المشدد الذي يتوقع ان تسببه العقوبات الاميركية، خاصة في حال فشل الاتحاد الاوروبي في الالتفاف عليها.

ووجّه النظام الإيراني أصابع الاتهام الى مجلس المقاومة الايرانية المعارض في تأجيج غصب الشارع، وهدد علناً بالنيل من قيادات مجاهدي خلق في الخارج. وبالفعل حاول العملاء الإيرانيون بغطاء ديبلوماسي في العواصم الأوروبية تنفيذ مخططات إرهابية كانت ستستهدف تجمعات المعارضة الإيرانية في الخارج. وقد أحبطت قوى الأمن الفرنسية بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأوروبية مخططاً إرهابياً كان سينفذ ضد تجمع سنوي ضخم للمعارضة الايرانية قرب باريس في حزيران. وقد ادت التحقيقات إلى مداهمات واعتقالات في صفوف الشبكات التي تعمل لصالح إيران في دول أوروبية عدة مثل فرنسا والمانيا وبلجيكا والدنمارك.

* بوادر حلحلة في أزمة اليمن بعد هدنة الحديدة*

الضغط العسكري للتحالف العربي دعم الشرعية في الميدان والضغط الاقتصادي الذي اوجدته العقوبات الأميركية على إيران ولّدا خرقاً هاماً في جدار الحرب اليمنية، فمع تناقص الموارد المالية التي كانت إيران تمد الحوثيين بها رضخ هؤلاء في نهاية العام أمام مساعي منظمة الأمم المتحدة التي قادتها السويد من أجل التوصل إلى هدنة وقف اطلاق النار في منطقة الحديدة الساحلية وجوارها. ومع أن العام انتهى من دون التزام ميداني تام من قبل الحوثيين بوقف إطلاق النار، إلا أن من المتوقع أن تستتب الأمور بشكل أفضل خلال العام المقبل.

فقد وافق التحالف العربي والسلطة الشرعية في اليمن أواخر العام على السماح لجرحى الحوثيين ومصابيهم بالسفر إلى الخارج للعلاج، ثم التقى وفد السلطة مع وفد للحوثيين في مفاوضات سلام استضافتها العاصمة السويدية استوكهولم وتكللت بالنجاح، إذ وافق الطرفان على هدنة وقف أطلاق النار في الحديدة وجوارها وفي مناطق عدة أخرى هامة تعد شرايين حياة لمناطق يمنية عدة.

وكشفت بيانات للأمم المتحدة اعدتها منظمة انقاذ الاطفال (سايف ذي تشيلدرن) أن حوالى 85،000 طفل دون سن الخامسة يموتون جوعاً في اليمن بسبب الحرب الأهلية. واتهم الحوثيون بتحويل الطعام والمساعدات إلى مقاتليهم وترك المدنيين يتضورون جوعاً.

وأصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في الشهر الأخير من العام قراراً جديداً بشأن اليمن يحمل الرقم 2451 تم تبنيه بمبادرة بريطانية وصوتت عليه بالإجماع دول المجلس الـ15. ويقضي نصه بنشر فريق لمراقبة الهدنة في الحُديدة. وشدد القرار الأممي على المرجعيات الثلاث (قرار مجلس الأمن رقم 2216، والمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني) كأساس للحل السلمي في اليمن، معتبرا أن القرار 2451 يدعم اتفاق ستوكهولم بشأن الوضع في الحديدة وموانئها. وفوّض مجلس الأمن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بنشر فريق لمدة شهر مبدئياً، لمراقبة ودعم وتسهيل تنفيذ الاتفاق بين الطرفين. كما طلب من غوتيريس تقديم مقترحات بشأن عمليات المراقبة الأساسية لوقف إطلاق النار وإعادة نشر قوات الطرفين ودعم إدارة وتفتيش موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى وتعزيز وجود الأمم المتحدة في منطقة الحديدة. ويطالب القرار الدولي غوتيريس بتقديم تقرير أسبوعي إلى مجلس الأمن بشأن تنفيذ الاطراف المعنية ما جاء في القرار، الذي يدعو الحكومة اليمنية والحوثيين إلى إزالة العقبات البيروقراطية أمام تدفق الإمدادات التجارية والإنسانية بما في ذلك الوقود، وأن تضمن الأطراف الأداء الفعال والمستدام لجميع موانئ اليمن. ويعد القرار تفعيلاً حقيقياً واقعياً للقرار 2216، ويأتي على مراحل لإلزام الحوثي بالانسحابات قبل أي خطوات سياسية. ويمنح القرار الأمم المتحدة تفويضاً بالحضور على الأرض كمراقبة وباستلام الموانئ، كما يجبر الحوثيين على سحب قواتهم من الحديدة وباقي الموانئ خلال 21 يوماً.

*انسحاب الأميركيين من سوريا يخيف الأكراد ويزعج الفرنسيين*

زعمت إسرائيل أنها دمرت تقريباً كامل البنية التحتية الإيرانية في سوريا بعد شن أكثر من 100 غارة جوية على مواقع ومراكز عسكرية إيرانية هناك. وأصبحت تلك الغارات المحمومة أكبر عمل تقوم به إسرائيل في سوريا منذ الحرب الإقليمية عام 1973، كما أنها تعد التدخل الإسرائيلي الأكثر دراماتيكية في الصراع السوري المستمر منذ بدايته عام 2011. وقد قُتل في الغارات أكثر من 50 ايرانياً.

وسلمت روسيا خلال 2018 بشار الأسد منظومة صواريخ اس 300 الدفاعية المضادة للطائرات لكن هذا لم يمنع الإسرائيليين من مواصلة غاراتهم الجوية حتى نهاية العام. ورغم الجهود التي بذلتها فرنسا من أجل تحريك مفاوضات السلام السورية في سبيل البدء بعملية انتقال سلمية للسلطة، إلا أن شيئاً فعلياً لم يتغير، لا بل امسك الأسد بالسلطة بقبضة من حديد بعدما حوصرت معارضته في ادلب، فيما أعلنت واشنطن أن اولوياتها في سوريا لم تعد لتغيير نظام الحكم فيها. كما أن سحب القوات الأميركية من الأراضي السورية يعد بمثابة ضوء اخضر للأسد كي يستمر في الحكم كيفما شاء، رغم احتجاجات معارضيه الذين يتمسكون حالياً بالحبل الفرنسي كآخر حبل ممكن للدعم. هذا وقد رأى مراقبون أن ترامب بهذا الانسحاب ترك لنظيره التركي رجب طيب اردوغان حرية التصرف في شمال سوريا، مما ينذر الجالية الكردية هناك بعواقب وخيمة، إذ أن تركيا تحضر لعملية عسكرية ضخمة قد تنفذها في الأشهر الأولى من 2019.

*واشنطن تنقل سفارتها لدى إسرائيل إلى القدس المحتلة

في 14 أيار افتتحت الولايات المتحدة رسمياً سفارتها في القدس بعد أشهر من اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالمدينة عاصمة لإسرائيل، ثم حولت مقرها الديبلوماسي في تل أبيب إلى قنصلية. وقد أدى هذا التحرك الذي أضافت إليه الحكومة الإسرائيلية مزيداً من التوسع في بناء المستوطنات إلى تجدد الاشتباكات الحدودية بين قطاع غزة واسرائيل. وتبادل الجيش الإسرائيلي إطلاق النار والصواريخ مع حركة حماس وتوابعها على فترات متقطعة خلال العام سقط خلالها عشرات القتلى من الطرفين.

وتعتبرمسيرة العودة الكبرى التي انطلقت منذ 30 آذار عند حدود غزة ويطالب فيها المحتجون بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التحرك الفلسطيني الشعبي الأكثر قوة في عام 2018، فقد كانت أسابيعها الأولى دموية ولقي فيها 168 فلسطينياً حتفهم بنيران الجيش الإسرائيلي الذي تذرع بأن ضحاياه كانوا يحاولون اختراق السياج الحدودي لشن عمليات إرهابية وتخريبية داخل إسرائيل.

وفي الشهر الأخير من العام أعلنت استراليا اعترافها بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، لكنها أكدت أنها لا تسعى إلى نقل سفارتها لدى اسرائيل إلى القدس، وستكتفي بفتح قنصلية في المدينة.

بالطبع ندد العرب عموماً والسلطة الفلسطينية خصوصاً بالسياسة الأميركية تجاه القدس، وأكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس تمسك شعبه بالمدينة عاصمة لدولة فلسطين، وأعلن في نهاية العام حل البرلمان ودعا إلى انتخابات عامة جديدة ستجرى خلال النصف الأول من العام المقبل. لكن العام 2018 شهد انحسار عملية المصالحة الفلسطينية وعودة الشرخ مجدداً بين حركة حماس والسلطة.

* انقسام ليبيا مستمر.. قيادة جديدة للعراق*

خلال 2018 استمرت الاوضاع في معظم الدول العربية على ما كانت عليه عام 2017. فالإنقسام داخل ليبيا استمر عاماً آخر بين سلطة اللواء خليفة حفتر في بنغازي والحكومة الليبية المدعومة من الغرب في طرابلس. لكن 2018 كان أفضل من سابقه لجهة انحسار العمليات الإرهابية داخل البلد وتكثف الجهود الديبلوماسية لإعادة اللحمة إلى البلاد. وسدد الجيش الوطني الليبي ضربات قوية للإرهابيين والإسلاميين المتطرفين في شمال شرق ليبيا. كما نجح الجيش في تحرير منطقة الهلال النفطي التي تنتج نحو 60 في المئة من صادرات ليبيا النفطية، فضلاً عن إسقاط المسؤول الأول عن الإرهاب في مصر وليبيا هشام عشماوي. أما الانتخابات فأجلت حتى العام المقبل على الأقل. وجاء البيان الختامي لمؤتمر باليرمو في ايطاليا مترهلاً لأن حفتر رفض المشاركة في صياغته. إذ خلا نص البيان من أي مواعيد محددة، وشدد في العموميات على البديهي مثل: ضرورة دعم الخطة الأممية من أجل الاستقرار والأمن في ليبيا. وقف إطلاق النار عبر نشر قوات نظامية. ضرورة حسم المرحلة الانتقالية وتبني دستور دائم للبلاد تجرى على أساسه الانتخابات التي يجب احترام نتائجها الديموقراطية. توحيد مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة العسكرية.

وفي مصر جدد الناخبون ثقتهم برئيسهم عبد الفتاح السيسي الذي شن عملية عسكرية شاملة ضد الإرهابيين في سيناء حققت بعضاً من أهدافها وردت الصاع الصاعين لجيوب الدواعش التي طالت مراراً بإرهابها الوحشي للأقباط.

وشهد العراق انتخابات نيابية في شهر أيار نتج عنها برلمان جديد حصل فيه تحالف السائرون بقيادة مقتدى الصدر على أكبر عدد من المقاعد 54 مقعداً من أصل 329، فيما تقاسمت الأحزاب الأخرى المقاعد المتبقية على الشكل التالي: تحالف فتح بقيادة هادي الأميري (48 مقعداً)، تحالف النصر بقيادة حيدر العبادي (42)، تحالف دولة القانون بقيادة نوري المالكي (25)، الحزب الديموقراطي الكردستاني بقيادة نشيرفان بارزاني (25)، تحالف الوطنية بقيادة أياد علاوي (21)، حركة الحكمة الوطنية بقيادة عمار الحكيم (19)، اتحاد المواطنة الكردستاني بقيادة كوسرات رسول علي (18)، والمتحدون من أجل الإصلاح بقيادة أسامة النجيفي (14 مقعداً). وانبثقت عن هذا البرلمان في تشرين الأول حكومة جديدة برئاسة عادل عبد المهدي، كما اختار البرلمان برهم صالح رئيساً للبلاد.

وفي الأسبوعين الأخيرين من العام اندلعت تظاهرات شعبية في السودان ضد غلاء المعيشة، تضمن بعضها مطالبات بتنحي الرئيس السوداني عمر البشير عن السلطة. فسارع الأخير إلى إلقاء خطاب في الأمة تعهد فيه بإصلاحات اقتصادية توفر للمواطنين حياة كريمة، واعداً بإعادة الثقة إلى قطاع البنوك. ومع حلول نهاية العام كانت التظاهرات تخرج في 12 ولاية من أصل 18. ويواكب السودانيون في المهجر تظاهرات بلادهم، ويعبرون عن سخطهم أمام السفارات السودانية في العواصم الغربية وأيضاً في القاهرة وعواصم عربية أخرى، مطالبين البشير بالرحيل.

استمرار محنة البريكست

توصل المفاوضون البريطانيون والأوروبيون بعد 17 شهراً من المفاوضات إلى وضع نص اتفاق خاص بتحديد أطر العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد تاريخ البريكست المقرر ليحدث وفق معاهدة لشبونة في 29 آذار المقبل. لكن حكومة تيريزا ماي أنهت العام 2018 دون أن تتمكن من إقناع عدد كاف من النواب البريطانيين بدعم الاتفاق كي يمر في مجلس العموم عندما يعرض على التصويت. وهذا الواقع هو الذي أجبر ماي إلى تأجيل جلسة تصويت في العموم على الاتفاق من 11 كانون الثاني 2018 حتى منتصف كانون الأول 2019 زاعمة أنها ستتمكن خلال الأسبوعين الأولين من العام الجديد من انتزاع بعض التطيمنات الإضافية من بروكسل بخصوص بند الباكستوب. وكانت السنة بالإجمال عصيبة على ماي التي نجت في نهايتها من تصويت داخل حزب المحافظين لحجب الثقة عنها.

ويعتبر بند الباكستوب المرتبط بالمنطقة الجمركية للاتحاد الأوروبي وإمكانية إجراء عمليات التفتيش على البضائع بين بريطانيا العظمى (انكلترا وويلز واسكتلندا) وأيرلندا الشمالية من أجل منع الحدود الصعبة بين ايرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، هو النقطة التي يتركز عليها رفض عشرات النواب البريطانيين لنص الاتفاق. فالنص الحالي يبقي الحدود بين الايرلنديتين مفتوحة طوال الفترة الانتقالية لتنفيذ البريكست (أي بين 29 آذار المقبل ومطلع العام 2021) على أن يتفاوض الأوروبيون مع البريطانيين خلال تلك الفترة على معاهدة خاصة بالحدود بين الايرلنديتين ترضي الطرفين، لكن في حال فشلت المفاوضات فإن الاتفاق بنصه الحالي يسمح للاتحاد الاوروبي بابقاء الحدود بين الايرلنديتين مفتوحة إلى ما لا نهاية. وهذا الاحتمال إن أصبح أمراً واقعاً قد يؤدي في نهاية المطاف قانونياً وسياسياً إلى فصل ايرلندا الشمالية تماماً عن المملكة المتحدة، وبالتالي يصبح اتحادها مع جمهورية ايرلندا في بلد واحد امراً شبه محتوم.

وهكذا تدخل المملكة المتحدة العام 2019 وملف البريكست مفتوح على شتى الاحتمالات. وتوقعت مصادر حكومية وإعلامية أن يطرح مجلس العموم قريباً إجراء استفتاء شعبي جديد في البلاد يخيّر المقترعين بين 3 خيارات هي: أ- بريكست وفق الاتفاق الذي توصلت اليه حكومة ماي مع بروكسل. ب- بريكست دون اتفاق. ج- الغاء البريكست والبقاء في الاتحاد الاوروبي.

* قضية سالزبري تعزل روسيا ديبلوماسياً *

على صعيد الديبلوماسية الدولية كانت قضية سالزبري الحدث الأبرز في عام 2018. فقد أرسلت أجهزة الاستخبارات الروسية عميلين إلى مدينة سالزبري الإنكليزية حيث استخدما سائل النوفيتشوك الكيميائي في تسميم الجاسوس المزدوج السابق سيرغي سكريبال وابنته يوليا في الرابع من آذار. واعتبرت بريطانيا وإلى جانبها كافة الدول الغربية محاولة الاغتيال تلك على أنها هجوم روسي على أرض بريطانية بأسلحة كيميائية محظورة دولياً. وقد أدت تلك الحادثة بعد اثبات الوكالة الدولية لحظر انتشار الأسلحة الكيميائية نوعية المركب الكيميائي السوفياتي الصنع الذي استخدم في الاعتداء إلى طرد عشرات الديبلوماسيين الروس من كافة الدول الغربية، ما اضطر روسيا التي أصرت على نفي صلتها بإعتداء سالزبري إلى القيام بخطوات مماثلة فطردت عشرات الديبلوماسيين الغربيين من أراضيها.

ثم تفاقم الموضوع لاحقاً بعدما ألقت أجهزة الاستخبارات والأمن البريطانية والهولندية القبض على خلية قراصنة إلكترونيين روس تعمل تحت غطاء ديبلوماسي وهي تحاول اختراق المنظومة الالكترونية الخاصة بمقر هيئة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية الكائن في مدينة لاهاي الهولندية في سبيل عرقلة التحقيقات الدولية الخاصة بإعتداء سالزبري وبإعتداء كيميائي شنه جيش بشار الأسد ضد المدنيين في سوريا. ونظراً للحصانة الديبلوماسية التي يتمتع بها العملاء الروس، اكتفت الحكومة الهولندية بترحيلهم إلى بلادهم

وأدت تلك الأحداث إلى كشف المزيد من الشبكات الاستخباراتية الروسية الناشطة في الغرب والتعرف على طبيعة واسلوب عملها. وقد ساهمت تلك التحريات في تعزيز قدرات أجهزة الأمن الإلكتروني والاستخبارات في الغرب على تحصين دفاعات الدول الغربية للتصدي للخروقات والانتهاكات الروسية، خاصة بعدما خلصت التحقيقات التي اجريت في الولايات المتحدة على مدى العامين الماضيين بأن روسيا فعلاً تدخلت الكترونياً وبكثافة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أجل التأثير على الرأي العام الأميركي والترويج لحملة دونالد ترامب الرئاسية وفي الوقت نفسه التشهير بهيلاري كلينتون.

* التطرف القومي والشعبوية يجتاحان اوروبا *

وصلت شعبية التيارات والأحزاب القومية والشعبوية المناهضة للعولمة عموماً والاتحاد الأوروبي خصوصاً معدلات غير مسبوقة في أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. والفارق في عام 2018 أن تلك التيارات المتطرفة وصلت فعلياً إلى السلطة في عدة دول مثل ايطاليا والنمسا، وهزت عرش الحكومات في دول أخرى مثل المانيا، كما أدى حراكها الشعبي في الأسابيع الأخيرة من العام إلى إسقاط حكومة بلجيكا وإحداث شلل نصفي في إقدام فرنسا آن مارش.

وامتطت تلك الأحزاب بالدرجة الأولى حصان مناهضة الهجرة ورفضت رفضاً قاطعاً السياسات التي وضعها كل من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وسجلت انتصارات كبيرة في الانتخابات التي أجريت في عدة دول أوروبية. ففي ايطاليا شكلت حركة 5 نجوم الشعبوية حكومة ائتلافية مع جبهة الشمال القومية المتطرفة، وسرعان ما بدأت هذه الحكومة في إحداث صداع لقادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل من خلال رفضها سياسات الهجرة المشتركة وإصرارها على انتهاج سياسة ايطاليا أولاً. وقد أدت موافقة حكومة شارل ميشيل بلجيكا على السياسة العالمية للهجرة التي وضعتها أواخر العام منظمة الأمم المتحدة، إلى غضب في شوارع بلجيكا وانسحاب الوزراء الفلمنديين من حكومته التي انهارت فاضطر ميشيل هو الآخر الى تقديم استقالته للملك.

وفي فرنسا منذ 17 تشرين الثاني، أجبرت مسيرات حركة السترات الصفر الشعبوية المطعمة بأنصار التجمع الوطني اليميني المتطرف واتباع حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على تقديم تنازلات مالية كبيرة قد تؤثر سلباً على اقتصاد البلاد والتزاماتها تجاه المؤسسات القارية والدولية، لا سيما مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وشهدت شوارع باريس الرئيسية مشاهد خراب ودمار بسبب أعمال عنف لم تشهد لها مثيلاً منذ ستينات القرن الماضي.

وموجة التعصب القومي التي ساهمت سياسات ترامب في إذكائها حول العالم لم تقتصر سطوتها على القارة الاوروبية فحسب، بل وصلت أيضاً إلى أميركا الجنوبية وتحديداً إلى البرازيل حيث فاز اليميني المتطرف جايير بولسونارو في الانتخابات الرئاسية وسيستلم مقاليد الحكم في بلاد السامبا مطلع العام المقبل.

* استمرار اضطهاد الروهينغا والاويغور في بورما والصين *

دفعت الظروف الاقتصادية الخانقة مئات آلاف الفنزويلليين للهجرة إلى بلدان الجوار أملاً في حياة أفضل من الجحيم الذي أوقعت سياسات الرئيس نيكولاس مادورو البلاد فيه. وفي انتخابات مشكوك في صحتها جدد مادورو لنفسه الرئاسة لولاية جديدة. وبدل انتهاج سياسات إصلاحية في بلاده الرازحة تحت الديون قرر مادورو تعزيز ترسانتها العسكرية مبرماً صفقات بمليارات الدولارات مع روسيا، مما أعاد سيناريو الحرب الباردة مجدداً إلى القارة الأميركية.

واستمرت خلال 2018 مأساة المسلمين الروهينغا وتواصلت هجرتهم من الاضطهاد في ولاية راخين البورمية نحو المجهول في دول الجوار حيث في معظم الأحيان لا يلقون الترحاب. وتم هذا العام الكشف عن برنامج تأديبي وضعته السلطات الصينية لإجبار المسلمين الأويغور في إقليم شينجيانغ على اعتناق فكر قومي صيني بعيد عن الانتماء الديني الإسلامي، وقد بنت لهذا الهدف معسكرات اعتقال وصفتها بأنها مدارس توعية وطنية.

التغيّر المناخي جاء بمزيد من الكوارث الطبيعية

شهد العام 2018 وصول انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون في الغلاف الجوي للأرض إلى أقصى رقم له حتى الآن. وأرجع الخبراء السبب في ذلك بشكل رئيسي إلى اعتماد البشر بشكل كبير على السيارات التي تعتمد على وقود يبعث ثاني اوكسيد الكربون في الجو، وأيضاً على المصانع التي تعتمد على الفحم كمحروق للطاقة.

وقال باحثون إن السوق العالمية المزدهرة للسيارات ساهمت في زيادة انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون إلى أعلى مستوياتها في العام المنصرم. كما أن العامل الرئيسي الآخر في ارتفاع انبعاث الكربون بنسبة 3 في المئة تقريباً هو استخدام الفحم في الصين، مدفوعاً بجهود الحكومة لتعزيز الاقتصاد المتدهور هناك.

ومع أن مصادر الطاقة المتجددة ازدادت في 2018، لكن ازديادها لا يواكب ارتفاع ثاني أكسيد الكربون أو يحد منه. وبحلول نهاية العام سجلت الأرصاد ارتفاع نسبة انبعاثات الكربون إلى 2.7 في المئة. وهذا رقم أكبر بكثير من عام 2017 الذي بلغت النسبة فيه 1.6 في المئة.

وجاء في تقرير منظمة الأمم المتحدة للبيئة أن الانبعاثات ارتفعت بنسبة 1.3 في المئة لتصل إلى 53.5 مليار طن في عام 2017 بسبب النمو الاقتصادي العالمي وضعف الجهود لتحسين كفاءة الطاقة. وأضاف التقرير أن الانبعاثات يجب أن تنخفض إلى حد أقصى قدره 40 مليار طن بحلول عام 2030 حتى يتبقى للعالم فرصة جيدة لتحقيق الهدف في اتفاق باريس للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى أقل من 2 درجة مئوية. وقال التقرير إن تحليل السياسات الحالية لجميع البلدان أظهر أن الإجمالي العالمي سيستمر في الارتفاع ليصل إلى 59 مليار طن بحلول عام 2030. وحذرت المنظمة الدولية من أن هذا المستوى من الانبعاثات سيسرع حصول تغير مناخي كارثي، حيث أظهرت الأبحاث السابقة أنه سيؤدي إلى خسارة 99 في المئة من الشعاب المرجانية، مما سيرفع منسوب مياه البحر بمقدار متر، ويعرض مئات الملايين من الناس لخطر المجاعة بسبب تلف المحاصيل.

وقال التقرير إن البقاء في حدود التخفيضات 2 مئوية لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري يجب أن يكون ثلاثة أضعاف مقارنة بالخطط الحالية على مدى السنوات الـ 12 المقبلة. لذا سيتعين تخفيضات خمسة أضعاف المعدل الحالي للحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية، وهو المستوى الذي يعتبر العلماء أن أي معدل أعلى منه سيلحق ضرراً.

وتم عرض جميع هذه الهواجس في مؤتمر بمدينة كاتوفيتشي البولندية في الشهر الأخير من العام واتفقت وفود دول العالم على معاهدة جديدة تضمن الالتزام بتنفيذ اتفاقية باريس المناخية الموقعة عام 2015 والتي إذا تم العمل وفقها ينبغي أن لا ترتفع درجة حرارة الكوكب بأكثر من درجة ونصف مئوية خلال العقود الثلاثة المقبلة.

وشهد العام 2018 محطات شتى من غضب الطبيعة كان أقساها في القارتين الآسيوية والأميركية فقد أدت موجات التسونامي الناتجة عن زلازل وبراكين في إندونيسيا إلى مصرع أكثر من 1500 شخص، في حين أدت الأعاصير والعواصف إلى خسائر مادية كبيرة على شواطىء أميركا الشرقية، فيما احترقت مساحات شاسعة من غابات وقرى وبلدات ومصايف ولاية كاليفورنيا الواقعة على الشاطىء الغربي الأميركي. كما تميّز الطقس في أوروبا بشتاء بارد جداً وصيف حار جداً مما أدى إلى خسائر في الأنفس البشرية وألحق أضراراً جسيمة بالمحاصيل الزراعية. وشهدت دول عدة في افريقيا وأيضاً إيران وأستراليا أشهراً عدة من الجفاف والقحط التام مما أدى إلى نفوق الماشية وانحسار الانتاج الزراعي وشح المياه.

*بوش الأب وعنان وماكين أبرز الراحلين*

ودّع العالم في 2018 كوكبة من البارزين في شتى المجالات. في السياسة رحل الرئيس الأميركي السابق جورج هربرت ووكر بوش وزوجته برباره وأمين عام الأمم المتحدة السابق كوفي عنان والسيناتور الأميركي جون ماكين والزعيم السابق لحزب الليبراليين الديموقراطيين البريطاني بادي آشداون. في العلوم عالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هوكينغ. في الفنون المطرب الفرنسي الأرميني شارل ازنافور والمطربة الأميركية اريثا فرانكلين والأوبرالية الإسبانية مونتسيرات كاباييه والممثل المصري جميل راتب والمغني الجزائري رشيد طه والممثل الأميركي بيرت رينولدز والممثلة السورية مي سكاف والمغنية الأيرلندية دورلوريس اوريوردان والمطرب اللبناني نهاد طربيه. في الأدب مؤلف القصص المصورة الأميركي ستان لي والأديبة اللبنانية اميلي نصر الله والأديب السوري حنا مينه والروائي الكويتي اسماعيل فهد اسماعيل والأديب الأميركي فيليب روث والصحافي والكاتب الأميركي توم وولف. في الموضة مصمم الأزياء الفرنسي اوبير دو جيفنشي والمصممة الأميركية كايت سبايد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00