8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في اللبنانيين!

يستحق اللبنانيون في مجملهم أشياء جميلة كثيرة من هذه الدنيا. فهم عذّبوا وتعذّبوا. وماتوا وموّتوا. وأخذتهم خفّة التمايز إلى مهاوٍ عميقة ورفعتهم في المقابل إلى ذرى محسودة! تاجروا بغيرهم وغيرهم تاجر بهم. وتعلّموا بغيرهم وغيرهم تعلّم بهم! استباحوا البدايات ولطمتهم النهايات. ظنوا عن خطأ أنّهم أذكى من ضحاياهم فاكتشفوا أن المعطى غير دقيق، وأن الفارق بين الذكاء والتذاكي هو ذاته الفارق بين آينشتاين والجحش!

طبائعهم تشبه طبيعتهم. وسطية متوسطية معتدلة وميّالة إلى الجمال. فيها وحشة جردية جبالية لكنها أليفة وتغري بالانكماش والشعر. مثلما فيها فتحة على زرقة البحر، وما يستبطنه ذلك من احتمالات سعة خيال تجعل اللون رديفاً للسماء بقدر ما هو شكل برانيّ للماء الذي لا شكل له ولا لون ولا طعم!

.. ومع ذلك فإن تذاكيهم هوية جامعة. وهذه كانت عنوان ذهابهم معاً إلى الكهف. وهذا كان له بابان. واحد مكتوب فوق عتبته خوف، وثانٍ مكتوب فوق عتبته غبن!.. ذكاء بعضهم أحالهم قلة سرعان ما اصطدمت بامتحان المكان واعتباره المقياس العلمي: أول شروط النباهة هو إدماج الغربة عن الوعي المشاع بين الجماعة، بغربة عن الجغرافيا التي تحوي هذه الجماعة! وتلك مفارقة فيها عصارة كل مرارات الدنيا! مثلما فيها بعض من دواعي الاحترام والتقدير لمعطى الخوف.. وهو الذي قيل ويُقال إنه أول الطرق إلى مقاربة الغيب والسماء قبل ان يكون صنو الحاجة التي كانت أول الطرق إلى مقاربة المرئي في شؤون الأرض ومن عليها.

في عادياتهم وراهنهم اجترار غريب للاستثناء والماضي. يعيشون في كتاب التاريخ ويبلفون الزمن. ويفترضون أن الذاكرة الطويلة تعني الشيء نفسه في الجامعات والخنادق! يربطون النجاح بالاستفزاز. والعصب بالاستنفار. ولا يستعيدون إلاّ كوالح عصر مضى وأناس غابوا معه. ويبنون على ذلك خلاصات سلبية لا تفعل سوى تحويل الجامعات إلى خنادق، والانتماءات إلى متاريس، وتجعل من الذاكرة الحيّة صنو العقل المغلق على ذاته، ليس إلا!

في درجات الوعي الاستعادي القاصر هذا، لا يسجل اللبنانيون اختلافات يُعتد بها، بل هم في ذلك أهل هوى مشترك وهوية جامعة.. يتقدم بعضهم على بعض آخر بأسلوب المرافعة وبيان التمايز، وفقط ذلك! بعضهم مأخوذ باللغة المسلحة وبعضهم مأخوذ بتسليح اللغة! بعضهم يأخذ التاريخ إلى العزلة، وبعضهم تأخذه العزلة إلى التاريخ. والجميع في المحصلة، في غربة نائية عن العصر والزمان وأسباب العقل!

ومع ذلك، تحوي إدانتهم هذه، أسباباً تخفيفية. وهذه تحيل الافتراض المكين بأنهم يستحقون أشياء جميلة كثيرة من هذه الدنيا، إلى خلفية طبية واضحة: من هم على هذا القدر من الغشيان والتوهان، يستحقون عناية خاصة ودراية استثنائية، وهذه متوفرة في المصحّات وليس في الأوطان.. وفقط ذلك! والسلام!

(هذا النصّ مُستعاد)

1387

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00