7 تشرين الأول 2021 | 10:28

عرب وعالم

من "العيون الخمس" إلى "أوكوس".. أميركا تقرّر هوية "العدو"!‏

من

خلدون الشريف




لأن الصين هي العدو الجيوسياسي الأول للولايات المتحدة، قد نشهد خلال سنوات ‏هذا القرن تحولات غير مسبوقة منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية. بعض الكبار ‏سيصبحون صغارًا والعكس صحيح. أحلاف تندثر وتمضي وأحلاف جديدة تولد. ‏إلى أين يفضي هذا المسار؟

‏ ليس من السهل إطلاق التخمينات، ولا بأس من العرض التاريخي لوضع الأمور ‏في نصابها. ثمة مسار تم تدشينه مع بدايات الحرب العالمية الثانية، في مطلع ‏اربعينيات القرن الماضي، تمثل في تبادل المخابرات الأميركية والبريطانية ‏معلومات امنية تتصل بالمخاطر التي تهدد أمنهما القومي، وانتهى بالتوقيع على ‏‏“ميثاق الأطلسي” (‏Atlantic Charter‏) وصولاً إلى انشاء منصة ثابتة لتبادل ‏المعلومات الإستخبارية، عرفت بـ ‏UKUSA‏ (آذار/مارس 1946) انضمت اليها ‏كندا عام 1948 ثم استراليا ونيوزيلندا عام 1956 بحيث بات اسمها العيون الخمس ‏‏(‏five eyes‏). على مدى اكثر من 75 عامًا حافظت تلك البلدان الناطقة بالإنكليزية ‏على بنية تحتية مشتركة للمراقبة والمتابعة لأجهزة استخبارات فاعلة ومنتشرة على ‏مساحة جغرافية واسعة جدًا وظلت تلك المنصة سرية حتى عام 2000، عندما ‏اُعلن عن هذا التنسيق الخماسي بشكل واضح، وفي حزيران/يونيو 2010، أماطت ‏المخابرات البريطانية والأميركية اللثام عن الإتفاق الأساسي الكامل بين البلدين ‏ونشرت بعض وثائق الإتفاق بين الفريقين. إنتهت الحرب العالمية الثانية وبدأت ‏‏“الحرب الباردة”، فتعزز الحلف الأميركي البريطاني في مواجهة التمدد السوفياتي ‏والمنظومة الشرقية (حلف وارسو) وازدادت اعمال المراقبة والرصد والتنصت مع ‏التطور التكنولوجي ثم الرقمي، حيث باتت البرامج المخصصة لرصد وسائل ‏التواصل الإجتماعي تشكل إحدى أهم ادوات التجسس غير المباشر في عصرنا ‏هذا. تظل الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا لجميع دول التحالف الرباعي. لذلك هم ‏بحاجة إلى المضي قدمًا في ادارة صراعاتهم معها بحذر، برغم تكريس مناخ حرب ‏باردة جديدة على الصعيد الدولي في عام 2013، سرّب ادوارد سنودن العامل في ‏مجلس الأمن القومي الأميركي السابق وثائق كشفت بعض آليات عمل “العيون ‏الخمس” وطريقة تنصتها عبر تنفيذ برامج مراقبة جماعية واسعة واعتراض ‏مكالمات وكابلات بحرية وما الى ذلك من اساليب وتقنيات متعددة. ‏

ومن المعروف أن كل عضو في التحالف الخماسي مسؤول عن جمع المعلومات ‏الاستخبارية وتحليلها في مناطق معينة من العالم. – تتولى بريطانيا مراقبة أوروبا ‏وغرب روسيا والشرق الأوسط وهونغ كونغ. – تشرف الولايات المتحدة أيضًا ‏على الشرق الأوسط بالإضافة إلى الصين وروسيا وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي. ‏‏– أستراليا هي المسؤولة عن جنوب وشرق آسيا. – نيوزيلندا هي المسؤولة عن ‏جنوب المحيط الهادئ وجنوب شرق آسيا. – تراقب كندا المناطق الداخلية لروسيا ‏والصين وأجزاء من أميركا اللاتينية. على الرغم من هذا التوزيع، يبقى لكل دولة ‏الحق في العمل في نطاق الدول الأخرى، على ان يكون “المنتج النهائي” متبادلًا ‏بين الدول الخمس. بعد التسونامي الذي ضرب شواطئ المحيط الهندي في 26 ‏كانون الأول/ديسمبر 2004 ودمر مناطق واسعة وقتل ما يقارب ربع مليون نسمة ‏من 14 دولة، ابرزها اندونيسيا وميانمار وسيريلانكا والهند وتايلاند والمالديف، ‏اعلنت كل من الولايات المتحدة والهند واستراليا واليابان عن اطلاق حوار امني-‏انساني رباعي لحماية منطقة المحيط الهندي والتنسيق هناك. وفي العام 2007، ‏عقدت جولة حوار أولى بدعوة من رئيس الحكومة اليابانية بحضور ديك شيني ‏نائب الرئيس الأميركي ورؤساء حكومات كل من استراليا والهند، شكلت نقطة ‏انطلاق تحالف كواد (‏QUAD‏) الرباعي وترافقت تلك المناقشات مع مناورات ‏عسكرية مشتركة بين الدول الأربع استدعت احتجاجًا صينيًا قبل أن تتوقف تلك ‏الإجتماعات العلنية بدءًا من العام 2008 لتعود وتستأنف عام 2017 وصولًا إلى ‏مأسسة عمل التحالف وعقده اجتماعين سنويًا. وفي عام 2019 اتخذت الدول ‏المتحاورة قرارًا برفع مستوى التمثيل الدائم الى من السفراء إلى وزراء الخارجية. ‏وفي اذار/مارس 2020 إنعقد المنتدى الرباعي لدول تحالف كواد تحت عنوان ‏مواجهة كوفيدـ19 بمشاركة كل من كوريا الجنوبية، فيتنام ونيوزيلندا. وكواد الى ‏الآن، كما كواد+ لا يزالان مثيرين للنقاش، لكن الأكيد أن الولايات المتحدة تريدهما ‏بكل أبعادهما العسكرية والأمنية والإقتصادية في مواجهة الصين، فمع وصول ‏الديموقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض مطلع هذه السنة، وضع الأخير خطة ‏معلنة لحصار الصين وعقد اول اجتماع قمة مع قادة كواد في اذار/مارس 2021 ‏وكان افتراضيًا، وتلاه بعد ستة اشهر إجتماع رباعي في واشنطن (24 ‏أيلول/سبتمبر الماضي) برغم المخاوف من كورونا، ما يؤشر الى ضرورة لقاء ‏القادة بشكل مباشر لسبب كبير: الصين. وبرغم محاولة الأميركيين إثارة قضايا ‏كوفيد وانبعاثات الكربون في القمة، إلا أن الواضح ان الدول الأربع تعتبر الحضور ‏الصيني في المحيطين الهندي والهادئ أبرز تحدٍ ينبغي مواجهته. طبعاً لكل دولة ‏حساباتها مع الصين، فالهند والصين تشتركان بأطول حدود غير مرسمة بين بلدين ‏في العالم، حيث حصل اشتباك في حزيران/يونيو 2020 ادى الى سقوط 20 قتيلًا ‏من الجيش الهندي ودفع الهند إلى حظر تطبيقات صينية شديدة الشعبية مثل “تيك ‏توك” وسواها. كما تدهورت علاقات استراليا بالصين بعدما دعت كانبيرا الى ‏اجراء تحقيق عالمي حول امكان انطلاق فيروس كوفيدـ19 من مختبرات ووهان، ‏ناهيك عن خلافات البلدين الجمركية والتجارية التقليدية. اما نزاع اليابان مع ‏الصين، فهو تاريخي من ملكية أراضٍ الى ملكية جزر في بحر الصين الشرقي. ‏إقرأ على موقع 180 الصين وروسيا مستفيدتان من مغامرة ترامب وإنحسار ‏نفوذ واشنطن ينسحب ذلك على الولايات المتحدة التي تخشى على تجارتها ‏حيث عبرت بضائع بقيمة 2 تريليون دولار من خلال مياه المحيطين الهندي ‏والهادئ عام 2019. وتوترت العلاقات مع بكين في السنوات الأخيرة في عهد ‏الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي انخرط في حرب رسوم جمركية متبادلة مع ‏بكين. على الرغم من أن اسم الصين لم يرد في كلمة الرئيس الأمريكي خلال ‏الإعلان عن اوكوس فإن ذلك لم يُخفِ أن الهدف الوحيد للكيان الوليد هو تطويق ‏الصين ايضًا ومنعها من بسط نفوذها على منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ وعلى ‏الرغم من كل ماسبق تظل الصين شريكًا تجاريًا رئيسيًا لجميع دول التحالف ‏الرباعي. لذلك هم بحاجة إلى المضي قدمًا في ادارة صراعاتهم معها بحذر، برغم ‏تكريس مناخ حرب باردة جديدة على الصعيد الدولي سيبقى الأميركيون قطبها ‏الأول (مع معظم التحالفات التي ورثوها بعد الحرب العالمية الثانية) ولكن ستصبح ‏الصين قطبها الثاني وليس روسيا (الإتحاد السوفياتي سابقًا). وفي موازاة تحالف ‏كواد، أطلق الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني بوريس ‏جونسون ورئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، في 15 أيلول/سبتمبر ‏‏2021، شراكةً أمنية-عسكرية ثلاثية، هي تحالف أوكوس (‏AUKUS‏ الاسم مكون ‏من الأحرف الأولى من أسماء الدول الثلاث)، بخلاف كواد الذي لم يصل إلى حد ‏التحالف الأمني ـ العسكري. وبموجب اوكوس، ستحصل أستراليا على أسطولها ‏الأول من الغواصات الأميركية التي تعمل بالطاقة النووية، مما سيجعل منها الدولة ‏السابعة التي تشغّل غواصات من هذا النوع بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ‏وفرنسا وروسيا والهند والصين. وعلى الرغم من أن اسم الصين لم يرد في كلمة ‏الرئيس الأمريكي خلال الإعلان عن اوكوس فإن ذلك لم يُخفِ أن الهدف الوحيد ‏للكيان الوليد هو تطويق الصين ايضًا ومنعها من بسط نفوذها على منطقة شرق ‏آسيا والمحيط الهادئ. وبغض النظر عن الأهداف المشتركة أو المختلفة بين ‏المجموعات الثلاث وهي العيون الخمس وكواد وأوكوس (‏five eyes, quad, ‎and AUKUS‏) تحاول إدارة بايدن الرقص على حبل مشدود بينها وبين الصين ‏وفق المعادلات الآتية، بحسب الاعلان الأميركي: – التعاون مع الصين حيث يمكن ‏‏(نموذج ملف تغير المناخ). – التنافس حيث ينبغي، كما هو الحال في التقنيات ‏الجديدة. – مواجهة الصين حيث تجب المواجهة، حسب تصورات افتراضية ‏لإعتداء بكين على جيرانها. وفضلًا عن حدة إعتراض رئيس فرنسا إيمانويل ‏ماكرون على تطيير صفقة الغواصات النووية بين فرنسا وأستراليا، إلا أن تداعيات ‏اوكوس ستؤثر أكثر على علاقة دول “اسيان” ‏ASEAN‏ في ما بينها ومع استراليا. ‏واسيان منظمة اقتصادية تضم دولًا في جنوب شرق آسيا تأسست عام 1967 في ‏العاصمة التايلاندية بانكوك وتضم اندونيسيا والفليبين وماليزيا وسنغافورة وانضمت ‏اليها لاحقًا بروناي وفيتنام ولاوس ثم بورما وكمبوديا، بالإضافة إلى تايلاند. وقد ‏اعتبرت اندونيسيا ان الغواصات النووية تشكل خطرًا عليها (ثمة حدود مشتركة ‏بينها وبين استراليا) وانضمت إليها ماليزيا في دق ناقوس الخطر من سباق تسلح ‏نووي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبلغ الشعور بالخطر سنغافورة الدولة ‏الأقرب والأوثق تحالفًا مع استراليا. وكانت الدول الأعضاء في “آسيان” قد وقعّت ‏عام 1995 على معاهدة إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في جنوب شرقي ‏آسيا، والتي التزمت بإبقاء الأسلحة النووية خارج المنطقة. في الخلاصة، قال جو ‏بايدن كلامًا جميلًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا حيث أوضح أنه لا يريد ‏حربا باردة مع الصين. لكن الكلام يتبدل بتبدل موازين القوى والى ان يحصل هذا ‏التبدل يقف العالم على اهبة الإستعداد لطي صفحة “الإرهاب الإسلامي” بعد ان ‏طوى قبلها صفحة الشيوعية والإتحاد السوفياتي ليفتح صفحة الصين والتنين القابل ‏للتمدد والإنتشار.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

7 تشرين الأول 2021 10:28