رحل الشاعر المصري حلمي سالم عن عمر يناهز الحادية والستين، إثر مرض اشتراكات معقّد، من فشل كلوي الى سرطان رئة وقبلهما عملية قلب مفتوح، فكأنما اجتمعت على هذا الشاعر الشفاف، الشغوف بالحياة والناس والقضايا والنضال والاحتجاج شغفه بالشعر. ومن قال أن كل هذا يمكن فصله عن الشعر؛ آخر مرة رأيته في القاهرة، وكنّا قد التقينا في بيروت، وقبلها في باريس... وكانت لقاءات غامرة، مفعمة بالعفوية والصداقة... وقبل نحو شهر اتصلت به عندما تناهى إليّ أنه يعالج في المستشفى، وردّ، بصوت متفتح، حي، مليء بالأمل، وبالحياة. لم يكن صوت إنسان يعاني كل هذه الأمراض، ولا كل هذه الأوجاع، ولا كل جلسات كسل الكلى، ومعالجة السرطان... بدا صوته مشرقاً، صباحياً، برغم كل هذه المعاناة. هذا هو حلمي سالم. وأتذكر أنه بعدما أجرى عملية القلب المفتوح قبل سنوات عدة، قال لي قلبي رجع شباب... وصحتي بوم على الطريقة المصرية الجميلة. في الاتصال الهاتفي الأخير بدا متفائلاً: سأخرج من المستشفى بعد أيام، وأضاف ومش حنشوفك، فقلت أكيد أكيد... لكن إذا ذهبت الى مصر فلن ألتقي الذي تعود صداقتي به الى أكثر من ثلاثين عاماً، ربما في الوقت الذي كانت تصدر فيه مجلة إضاءة الطليعية. وعندما أذهب الى مصر ولا ألتقيه، سأحس بأن شيئاً ناقص في هواء القاهرة، وأن الشعر قد افتقد كثيراً من الشعر.
حلمي سالم من أبرز الشعراء الطليعيين في السبعينات، انتفض في طليعيتين: شعرية وسياسية. في الشعرية كان مع أحداث شعرية أخرى، يجوسون في عوالم الحداثة وغوامضها، وأسرارها، وشوارعها، حداثة المدينة. من مدينة الحداثة. وفي هذه الطليعية لم يقع حلمي سالم لا في التجريد الشعري، أو اللغوانية التي يمكن أن نرثها عن بعض التراكميين ممن يسمون الروّاد، وعن الشعارات الفارغة، وعن المرجعيات الناهية، والمركزيات العقيمة. لم يكن الشعر لعبة بالنسبة إليه، من حيث الإغراق في العبث الشكلي، أو السردي، أو البهلوانية اللفظية بحياة حميمة. الحياة بكل فصولها سكنت شعره. أقصد التجربة الإنسانية، سواء تماهت بالجموع (القضايا السياسية) أو تماهت بالفردية، فهي أساس قصيدته. الفرد جماعة. العزلة مأهولة. الحياة بصيغة العالم. الأنا بمعنى كل شيء. ولهذا، نجد أن حلمي سالم وعلى امتداد نتاجه، جمع بين ذلك التدفق وتلك الحساسية اللغوية. ذلك الفضاء المتسع وهذا الهاجس بالتفاصيل. كتب عن فلسطين وكأنها منه وهدمتها (أي ليست مجرد قضية قومية أو سياسية). كتب عن الجنوب اللبناني وكأنه منه. من أنهاره. من معابره. من وعره. من آلامه. من أوجاعه... كتب عن الحب بما يليق بمحب. وكما يليق برهافة شغوف، وبلغة هي الى حرارتها وحنوها تجترح جديداً في البوح. وأكثر: في اللغة. وعندما جمع بحسه المتفتح الحداثي بين الموزون (تفعيلة وسواها) وبين قصيدة النثر أجاد في الإثنين، فما هو وقع بين قصيدة نثر عمودية أو تفعيلية (كما وقع فيه بعض مجايليه) ولا هو وقع في التفعيلة النثرية، التي تخسر في إيقاعاتها السهلة ما لم تربحه من نثريتها.
ولأنه شاعر أصيل، عرف كيف يفعّل مواقفه النضالية بالحلم، والاحتجاج، وكيف يشرع قصيدته بأدواتها كلها على ما يهدد الحرية. والفرد. والإنسان. والمدينة. والتعدد. ولهذا كان على الطرف النقيض من كل أحادية إيديولوجية مقلقة سواء كانت مادية أو تاريخية أو طائفية أو دينية!
أي هو انحاز الى الإنسان الحر. الحي. المنفتح. المنقشع. في مجتمع عادل، ونظام عادل. وبين سياسية ديموقراطية. وكاد يدفع حياته ثمناً لمواقفه. خصوصاً عندما نظمت حملة موجهة ضده من بعض المتعصبين السلفيين، اتهمته بالكفر وبالمس بالذات الإلهية وبالدين من خلال قصيدة على شرفة ليلى مراد. ورفعت عليه دعاوى. وتعرض للضغط والإرهاب. لكن هذا، وبشجاعة تليق بشاعر مثله واجه كل هذه الحملات الشعواء الماضوية الجاهلية حتى في عزّ معاناته. هذا الشاعر النبيل، حلمي سالم، رأى حقول الربيع العربي تزهر في تونسو في مصر وفي ليبيا وفي اليمن وصولاً الى سوريا. كحّل عينيه بمرأى الملايين الثائرة. شارك في اعتصامات الميدان. وكتب قصائد تحية للثوار... حتى في عزّ عذاباته ومرضه، كان قلبه مع شباب الثورة في مصر... وفي العالم العربي. عاش حلمي سالم متمرداً متفتحاً، حالماً، محباً للحياة، وللناس... ومات في عزّ أحلامه. رأى المعجزة الشعبية وأغمض عينيه...
نم هنيئاً يا صديقي فأنت ما زلت بيننا في قلب الزمن العربي الجديد... بل أمامه وحوله ومن كل جهات القلب.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.