8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحوار بين الأديان والثقافات يبدأ بالديموقراطية وبحرية الخيار الفكري

لم يكن مؤتمر مدريد العالمي للحوار الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في العاصمة الإسبانية تموز الفائت، ولا المؤتمر الذي عقد في مقر الجمعية العمومية في نيويورك في اليومين الماضيين بدعوة من المملكة السعودية، ومؤتمرين لاهوتيين، أو فقهيين، أو مفسرين لمضامين الأديان، ولا الثقافات ولا الحضارات. إنهما لم يكونا مؤتمرين تجريديين، أو فكريين، أو إيديولوجيين، ولم يُستدعَ إليها، لا فقهاء، ولا لاهوتيون، ولا حتى دكاترة أَلمعيون أو اختصاصيون في أمور الدين والدنيا والآخرة... كان كلاهما سياسياً في جوهره يطل على ما هو غير سياسي أي علاقة تلك الكُتل الدينية والتاريخية، والمجاميع الثقافية في أحوالها الائتلافية، والاختلافية، لا الخلافية، باعتبار أن هناك ما يشبه الاتفاق على التركيز على ثقافة السلام والحوار بين تلك المكونات الدينية والثقافية والحضارية يتمحور على الجانب الذي يفترض أنه في صلب تلك المعطيات، إلا عندما تحول الاختلافات الى خلافات، وعداء وانفصالات اتنية ودينية وأصوليات من كل الأجناس، تضع العالم في مهب التقسيمات الغريزية، وعلى حدود التهويمات اللاعقلانية، بما تؤدي إليه من تعصب، وانغلاق، وفوبيا متبادلة... خدمة لسياسات ومصالح وأطماع متناقضة... وحتى إيديولوجيات متفجرة. لهذا، ربما حيّدت الأديان والثقافات بمحتوياتها وأهدافها (اللاهوتية السماوية) عن الصراع، باعتبار أنه، ومنذ سقوط جدار برلين، وقبل ذلك، وتداعي الإيديولوجيات المادية والتاريخية، بدت الأديان والحضارات بدائل في صراعات جديدة لا تقل دموية، ولا عنفاً، ولا شراسة عن الصراعات الإيديولوجية في القرن العشرين الماضي. بل نكاد نقول ان القرن العشرين الذي كان عصر الإيديولوجيات على اختلافها، من النازية الى الشيوعية الى الصهيونية، من دون أن ننسى الفاشيات، كأنما كان خروج التنوير من صحواته العقلانية المنقشعة الى غيبوباته الايديولوجية والعنصرية والرأسمالية... والماركسيات السلطوية (لا الفكرية دائماً). أي كأنما اتخذت هذه الظواهر التاريخية والجغرافية والقومية بأطرها المحددة (الحزبية والسياسية) سمات دينية، من حيث حركاتها الحتمية، أو حتى طوباويتها، أو بالنظر الى أنبيائها الماديين الجدد لكي لا نقول الطغاة. فكان ستالين نبي عصره الشيوعي (وهل كان حقاً شيوعياً!)، وكان هتلر نبي عصره النازي (الآري)، ليتحدر من هؤلاء سلالات من أنبياء العالم الثالث الصغار والأبطش تحت سقوف توتاليتاريات مغلفة، أي أصوليات نافرة طلعت كلها من صُلب الديموقراطيات، ومن صلب الحداثيات، وحتى من صلب فكرة التقدم...
وكان من الطبيعي، بعد انهيار تلك الأزمنة والبنى والأفكار الإيديولوجية النهائية والقدرية (تحت شعارات الديموقراطية، والحرية، والعقلانية، وإرادة الجماهير...) ان يتبدد كثير من مكونات تلك الكتل، لكن ليبقى الكثير، كإرث لما بدأ يظهر بقوة من ظواهر دينية وإثنية وأصوليات استمدت من العصر الإيديولوجي عنفه، وتسلطه، وحتى لا عقلانيته، وأدواته الإعلامية وعقله اللاغي للآخر... بعيداً من التسامح، والحوار، قريباً من المناخات الغفيانية والانقلابية!
وإذا عدنا الى ما يسمى (أو كان يسمى) المرحلة الراهنة من أواخر الستينات (بعد نكسة 1967)، وانتصار الرأسمالية على أنقاض نهايات التاريخ وحكامها، يتجلى ذلك قوياً، وسافراً، بعد 11 أيلول، وخصوصاً في الحرب التي أعلنت على العراق، وأفغانستان، والغزو الأميركي، وسيطرة الإمبراطورية الجديدة سيطرة شبه مطلقة على العالم، إذا عدنا الى تلك المرحلة، واسترجعنا مقولات تعيين الأعداء الجدد للإمبراطورية بعد أعدائها الآفلين (بعد سقوط جدار برلين والاتحاد السوفياتي) من خلال فلسفة صراع الحضارات وصدمة الحضارات... نجد وكأن إرثاً جديداً من النبوءات المتقمصة في السطوة الرأسمالية، أو كأن ملامح من القرون الوسطى، تلوح في مسوح جديدة، وأزمات جديدة.. وحروب تعلن أن عصراً دينياً جديداً يُطل... من مشارف الغرب ضمن صراع حُدّد فيه الاسلام ينبوعاً، ومصدراً للإرهاب، أو مهدداً للسلم، ومدمراً القيم الغربية والإنسانية...).
فمن حرب باردة مع المعسكر الشيوعي الى حروب ساخنة مع المعسكرات الإسلامية، بحيث تم، وبعد 11 أيلول بالذات (كمنطلق وكذريعة) خلط ممارسات بعض القوى الإسلامية، وجوهر الإسلام نفسه. أكثر: عندما حاولت الحركات الإرهابية الشتى أن تمزج أهدافها السياسية بجوهر الإسلام نفسه. وهكذا كان لفوبيا الإسلام كظاهرة معممة وارثة لفوبيا العالم الشيوعي. من فوبيا الى فوبيا. أي من عنصرية الى عنصرية. ومن أصولية الى أصولية، إذ إزاء الأصوليات الإسلامية المستنفرة، لا بد من أصوليات مسيحية أخرى مستنفرة، تعطي نفسها شرعية التطرف والجنون عبر طوائف ومذاهب مسيحية متطرفة على تقاطع مع اليمينيين الجدد في أميركا تحكي باسم المسيحية للسياسة وهي تحاول إذابة جوهر المسيحية باليهودية، خدمة لإسرائيل ولنفوذها وعدوانها. ونظن أن الأصوليات المسيحية والإسلامية خدمت معاً الصهيونية بشكل أساسي، من ناحية تشويه الديانتين الكبريين الأولى من خلال تأويلها تأويلاً سياسياً (يهودياً ـ صهيونياً) والثانية من خلال المساهمة في تصوير الإسلام (كجوهر) وكأنه منبت الإرهاب. من هنا، برزت الحاجة بعد استفحال الأمر، وبعدما كاد يؤدي ذلك الى تفكك حتى المجتمعات الإسلامية والعربية، في صراعات دموية وعنفية، وحتى الدولة كمفهوم حديث، برزت الحاجة الى محاولة وضع الأمور في نصابها: أي توضيح أن الإسلام وكذلك المسيحية والظواهر الحضارية الأخرى، لا يمكن أن تكون (كمعطيات) ذرائع صدامات إيديولوجية أو اثنية، خدمة لأهداف سياسية ضيقة أو متسعة. وكلنا يذكر أنه، حتى، قبل ثلاثة أو أربعة عقود كان ثمة من ينادي بحوارات إسلامية، مسيحية، وهل ننسى الإمام موسى الصدر في هذا المجال؟ أو بحوارات حضارية بين مختلف الشعوب، بل وأكثر أن النظام اللبناني، الطائفي مثلاً، بآلياته الدستورية والميثاقية وحتى الاجتماعية كأنه كان وعلى امتداده نموذجاً لحوارات أحياناً بين الأديان والطوائف، وأحياناً أخرى نموذجاً لحروب بينها. وإذا اعتبرنا أن الأصوليات أو الظواهر أو أشكال التطرف الدينية او المذهبية (أو الاثنية)، هي صناعة قد لا تختلف كثيراً عن صناعة أي مركب استهلاكي، أو أي سلعة كالأحذية أو كالملابس. عرفنا أن الإرهاب، وبصوره المتحولة، ومسمياته ونعوته، هو أيضاً مجرد صناعة: فالتطرف الطائفي يؤدي الى الإرهاب؛ وكذلك القبلي، والقومي، والإيديولوجي، والديني طبعاً. ومصانع الإرهاب معروفة بماركاتها وكليشياتها وبضاعتها، في القرن العشرين، وربما حتى اليوم. فالغرب وخصوصاً الدول الاستعمارية وبالأخص أميركا... وتالياً الصهيونية، هي المختبرات الأساسية لتوليد جراثيم الإرهاب في العالم، إما من خلال صنائعها المباشرة (بن لادن لمواجهة السوفيات في أفغانستان مثلاً)، أو من خلال سياساتها وممارساتها. ونظن أن دعم الغرب لقيام الكيان الصهيوني والانحياز المطلق إليه، وتبرير جرائمه، ومخططاته العدوانية والتوسعية، وأشكال عدوانه المستمرة منذ ما قبل 1948 وحتى اليوم، أدى اولاً الى قيام أنظمة عربية (باسم استرجاع فلسطين)، انقلابية وإرهابية: إرهاب الأنظمة والدول، مقابل الإرهاب الصهيوني في فلسطين والعالم. وكان نشوء هذه الأنظمة العربية العسكرية التوتاليتارية والأمنية نعمة لتعزيز وجود الكيان الصهيوني، وترسيخ اسسه من خلال تركيز هذه الأنظمة على قهر شعوبها ونهبها وتحويل بلدانها الى سجون كبيرة، وتحويل جيوشها مجرد حرس جمهوري او غير جمهوري لحماية النظام لا الارض ولا الوطن: نضال بالشعار واستسلام في الواقع: وما بينهما ارهاب عميم تنتجه هذه الأنظمة. وكان من الطبيعي ان هذه الاسئلة التي تحولت من انظمة جماهيرية شعبية عروبية قومية اشتراكية ديموقراطية الى انظمة مذهبية او طائفية وصولاً الى العائلية وَصَفَّت كل ادوات المجتمع المدني النقابية والسياسية والثقافية، من الطبيعي ان يهيأ المجتمع الاعزل لأي بديل غير مدني ولاتنويري... اي مجتمع تسهل على الظواهر الدينية والفئوية استفراسه اي يسهل على اي ممارسة ارهابية بالمعنى السائد ان تنزرع فيه باسم الاسلام او الاصولية او الحقيقة المطلقة او استعادة الأمجاد الغابرة!
هذا ما خبرناه وعلمناه من التجارب والحروب والعنف. وكان من الطبيعي ايضاً وازاء الهزائم التاريخية التي حققتها هذه الأنظمة الفاسدة، والتخلي عن حقوق اوطانها في استعادة اراضيها السلبية من العدو الصهيوني (الجولان، ومعظم فلسطين)، ان تنشأ ردود فعل عاصفة ورافضة يائسة وظواهر متفجرة (منها ما هو مكبوت حتى الآن بفعل القمع) وعودة الى الاسلاف والمعجزات والخوارق والتقوقع والتعصب.. وهي في جوانب منها من انجازات تلك الأنظمة المهزولة ومن تجلياتها وكانت المسيحية والاسلام هما الضحيتان كجوهر ديني: اد تفجر الحروب الطائفية والمذهبية عندنا اتسم بملامح الارهاب: الغاءالآخر، خطوط التماس، القتل على الهوية، الكانتونية التي تجلت في بعض المجتمعات عندنا ما بين منتصف السبعينات ومن التسعينات لتتجدد في مجتمع آخر كانتوني! لكن اصاب الاسلام ما اصاب جوهر المسيحية من تشوه على ايدي المسلمين والمسيحيين هنا وعلى ايد اخرى هناك ليمهد كل هذا لخلو الساحة من اي صمود في وجه الانسياق لاي ارهاب او عنف او اصولية، باسم الاسلام أو المسيحية...
انه صراع حضارات بدا محدوداً ثم توسع: صدام اديان بدأ: وطوائف وقبائل واثنيات.. بل كأن العالم اليوم فقد عقله ومقاييسه النقدية ومنصاته الدفاعية عن انجازات التنوير والحداثة... ليقع في ثنائيات قاتلة، اريد ان يكون الاسلام والمسيحية (في اوروبا وأميركا...) الصورة المستظهرة لها حتى بدا وكأنها حروب فوبيات وكراهية وحقد واستغلال وهذيانات عنصرية تنتشر كالأوبئة ليس بين الدول والانظمة فقط بل بين الشعوب والمذاهب.. والمراتب والقيم.
على هذا الاساس يأتي مؤتمر الحوار في مدريد وفي نيويورك في الأمم المتحدة وبرعاية العاهل السعودي كأنهما محاولتان (بين محاولات اخرى) لتحويل المجرى الذي وضعت فيه الثقافات والحضارات والأديان، وتغيير قنواتها وتوجهاتها واشكال استغلالها من قيم انسانية متراكمة الى ذرائع الحروب والافكار والتباعد ومن محتويات السلام وسعادة الانسان والتقريب بين الناس الى ادوات مصنعة لالغاء اي حوار، أو اي لقاء، أو اي اعتراف بالآخر. اي محاولة تحوير ارث القرن العشرين الأيديولوجي الذي تمثل باندفاعات الأصوليات الى ارث متفاعل او متسامح في فضاء متسع من التلاقي والانفتاح ومواجهة اشكال التطرف والتعصب والارهاب. بمعنى آخر محاولة سحب ورقة الاسلام (وكذلك المسيحية) من الأيدي المجنونة الى ايد اخرى، خصوصاً على صعيد الشعوب.
واذا كان مؤتمرا مدريد ونيويورك وسائر المؤتمرات ضرورية. فانها غير كافية لصنع ثقافة سلام واظهار القيم الاساسية في الاديان والحضارات. فاذا كانت الحضارات من صنع كل البشرية على امتداد العصور واذا كانت الاديان من صنع السماوات والماورائيات لا سيما التوحيدية فهذا لا يخفي الوجه السياسي لا للاستخدام الديني ولا للاستخدام الثقافي والفكري. فالمسألة اذا لم تكن في جوهر الدين فيعني انها في الجانب السياسي الذي يستغله: ويعني ذلك، انه لا يمكن حتى اتاحة فهم الاديان كتأويلات وقراءات مفتوحة الا بالحرية والديموقراطية، الا بتعزيز الفرص لتأسيس مجتمع مدني، يتمتع بكل الحقوق المدنية، عند هذه الشعوب والانظمة، اي حرية اختيار المعتقد والفكر والسياسة والانتماء لا منعها وابتزازها ولا اعدامها!
مؤتمر نيويورك حقق كتجمع واسع ما حقق وكذلك مدريد وبعض المؤتمرات الهامشية لكن يبقى المهم أيضاً: هل يمكن ان ينجح الجميع بالتركيز على ثقافة السلام والتسامح في الاديان والحضارات من دون ديموقراطية؟
هذا هو السؤال الصحيح.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00