أمس، كان يوماً من تاريخ آخر. فلنُسَمّه يوم الحرية. ومنذ سنوات (2000) كان أيضاً يوم من تاريخ آخر عندما دُحر العدو وانسحب من الجنوب والبقاع الغربي. فلنسمّه أيضاً يوم التحرير. ولكن أمس أيضاً كان اكتمال التحرير بالحرية: قوس قزح عَثَر على كل ألوانه وفضاءاته.
ذلك أن العودة تشبه الحياة. أو تشبه حياة ثانية. فما بالك إذا حملت هذه العودة أسرى مقاومين استثنائيين اعتقلهم العدو الصهيوني، وعندها تشبه العودات حَيَوات كثيرة، تنتقل، بالغريزة والكشف وحتى بالعدوى إلى كل الناس. أمس كأن كل اللبنانيين عادوا إلى الوطن. نسوا همومهم، وآلامهم، وجوعهم، وفساد الحكام، والذل العربي، والاستسلامات "الجماعية" العربية (وغير العربية) ليتطهروا بصورة المقاومين من فلسطين المحتلة التي جعلها العدو سجناً كبيراً.
ذلك أن بيروت، ومَنْ يجرؤ على أن يقول إنها واحدة في قتامها ومواتها، ومَنْ يجرؤ على أن يقول إنها على لونٍ مكسور، ومتنٍ جهيض فحسب. ذلك أن بيروت دائماً، ومن عمق الأسْوَدِ أحياناً، تطل من بهاء ثان. ترفدك كالمعجزة، هنا، وكالفجاءة هناك، ومَنْ سيقول إنها على صورة الرُّحل، أو على هودج الترف، أو على محك الفساد والفاسدين، ولصوص الهيكل، وعملاء المصادفات فقط. ومَنْ سيقول ذلك فحسب، يحسب أنه، بلا صُبح في عينيه، ولا نهار، في كفيه. ذلك أن بيروت، على المقلب الملتبس. الهش هنا، والصلب هناك، ذلك أنها عديدة. وكل المدن العظيمة مدن عديدة. ذلك أنها كالانسان العديد. المتشابك. المتناقض، المتشظي. المتآلف أيضاً على غير أحادية، إذ أنها، وعلى ما فيها من طوائف وطائفية، وقبائل وقبلية، وعائلات وعائلية. مجتمع، إذا سبرتَ جذوره، بدا لك موصولاً في غوره السحيق، في ترابه الموصول. انه المجتمع الذي يعرف كيف يأنف الواحدية المغلقة، وكيف يقاوم الدكتاتورية. وكيف يهزم النظام إذا تعسكر، والدولة إذا ذابت في النظام، والسلطة إذا تسلطت، هذا الإباء الذي يجدل جذور بيروت، هو الذي يجعلها الاستثناء. فبيروت، في ذلك، استثنائية في هشاشتها، واستثنائية في تماسكها.
أمس كان يوم بيروت الاستثنائية. بدت أمس وكأنها وحدها الاستثناء بين المدن. بل بدت عاصمة المدن. مدينة المدن. ذلك أن مجتمعات كثيرة حولنا، وامتداداً إلى الأبعد، انهزمت أمام استبداد حكامها (ولو إلى حين)، قبلت. خضعت، صفَّقَت للذل. استسلمت للموتى. انكسرت أمام القمع. صمتت أمام ضوضاء المعدن والعسف، خفتت في المعتقلات. هرهرت أمام العدو. انساقت وراء القوى الخارجية الطاغية. استُبيحت وغطت عوراتها. ذلك أن المجتمعات، عندما تفقد غرائز الحرية، تفقد أيضاً معنى التحرير. ذلك أن المجتمعات التي تنصاع، وتطأطئ رؤوسها، تنصل انسانيتها ذاتها. ينصل انسانها، يُشيّأ. يُصبح متاعاً من أمتعة الموتى. من أطلال الفَوْت. من جماد الأمكنة.
على أن بيروت جامعة الأضداد (وهذا عزّها)، ولأنها الاستثناء، كانت أمس يوم الحرية، وأيضاً يوم الانسان، بقوته، وحزنه، وألقه، وكآباته، وغصصه، وحرقته، وفرحه الأقصى. واحتفاليته العالية بإنسانيته. بيروت الاستثناء، كانت أمس، بيروت الأزمنة المختلطة والمختلفة، بيروت الموتى والشهداء والتوابيت والدمع والرفات والحزانى والسواد، وكانت أيضاً بيروت الزهو والفرحة. هكذا هي. خطوط غير متوازية، لكن ممتزجة من الأزمنة والأمكنة. من المشاعر والغرائز الجامحة، ومن الاستشفاف والاستيعاب. وعندما تراءت لي تلك الجموع الزاحفة من كل الجهات والتواريخ، والأعلام والرايات والهتافات، المتراصة، كأنما تراءت في جموع تنضم إلى ذواتها انضمامها إلى الآخرين. إذ أن جموع بيروت أمس كانت جموعاً، تحمل المقاومة في يد والسلام في يدٍ أخرى. المقاومة لكل مَنْ يهدد استثنائيتها. والسلام لكل المسالمين. هذه هي عبرة الغلبة. ودرس الانتصار. وهذه هي المآلات التي توحد المتناقضات، من هنا وهناك، في لحظة تاريخية مفتوحة. أو فلنقل في لحظة حياة خاصة جداً. إذ أن ما انتصر أمس كان تعبيراً عن انتصار الحياة بكل ما تعني من إيمان ووعي وحرية وديموقراطية. فاختيار الحياة يشبه اختيار الموت، بل ان وراء كل اختيار للموت أحياناً كثيرة، اختياراً لحياة. حياة أخرى. ومستقبلاً آخر. فلا الحرية هدف ذاتها. ولا التحرير أيضاً هدف ذاته: الانسان هو المصب. بل ان الأديان والمعتقدات والأفكار إذا لم تكن في خدمة الحياة. أي في خدمة الانسان. أي في خدمة الاختيارات الفردية والجماعية، فهذا يعني أن ثمة خطأ في التأويل، وشططاً في التفسير، وانحرافاً في الفهم وهذا يعني وقوعاً في المفاضلة والفصل على صعيد الانسان. وأوليست هذه مشكلة الصهيونية والنازية والفاشية، في أنها جزّأت الانسان. قسمت الواحد إلى أبيض وأسود. إلى مختار وغير مختار. أي صنّفته في المراتب المعيارية الأحادية؟ أوليس هذه أيضاً مسألة خرافة صراع الحضارات، وأشكال العنصرية، التي تحوّل العالم غيتوات وجزراً وضفافاً متناحرة، وعقولاً قائمة مغيّبة مستنفرة على عنصرية الإلغاء والقتل والاعدام، واستئباد الغرائز في متونها المفلتة؟ أوليس هذا ما يحصل في فلسطين؟ عنصرية متهوّدة، لا تستبيح الأرض وتقتل وتدمّر، وتنتهب فحسب، بل تمارس احتقاراً للذات الانسانية، (والتي هي في كل الأعراف والأديان ذات إلهية. أو ذات سامية في وجودها ومآلاتها). إذ أن المقاومة الاسلامية اللبنانية أمس، ومن شدة ما في إيمانها الانساني، وامتداداتها العربية، وأبعد، تواصلت مع هذا العمق الفلسطيني، حتى انسانه، وحتى السجون المكتظة بناسه، وناصرت القضية، وحملت العدو على تحرير الأسرى. فكأن الاحتلال الموزع يوحد القضايا. يفتح المقاومات المتنائية على بعضها، لتكون انتفاضة الأقصى في الوطن الفلسطيني صنو المقاومة في لبنان وصنو المقاومة في العراق، بل صنو كل مقاومة في العالم تناضل من أجل استعادة حقوقها وأرضها وكرامتها وتاريخها.
المقاومتان، أمس، كانتا متوأمتين. كأنما جسد واحد بأجساد كثيرة. أو أجساد كثيرة بجسد واحد. ذلك، ان تلاحم أهل الحق يتخذ أحياناً كثيرة، لا سيما عندما يكون محاصراً بقوى الشر المعادية من ناحية، وبالواقع العربي المضعضع والمتواطئ ومصغّر الرقاب، والمتهافت، يصبح تلاحماً عضوياً لا يتوجه فقط للدفاع عن ذاته وإنما أيضاً للدفاع عن تلك القوى المتنكرة لتاريخها ومصيرها وشعبها.
فلسطين كانت هنا في بيروت أمس. وبيروت كانت في فلسطين. والأسرى اللبنانيون هنا كانوا من سمات الأسرى الفلسطينيين هناك. والعدو المشترك واحد. والمسألة واحدة. والوشائج ذاتها، والحياة ذاتها. والحرية ذاتها. والأرض ذاتها. والمقاومة ذاتها. وهي خصوصية كل تمرد، أو رفض، أو مواجهة، أينما حَلَّت، أو حُدّدت.
وبيروت أمس، وبهذا المعنى، كانت مكاناً خاصاً، بقدر ما كانت كل الأمكنة، كانت ذلك الفضاء المترامي المتحرّك، المتنامي إلى كل الفضاءات العربية. لم تعد ضمن حدودها الضيّقة، ولا ضمن شوارعها، ولا حتى ضمن ناسها. كانت كالهواء الذي يعبر كل مسافة ملغاة. كل قامة محنية. كل سجين مغلق. كل حرية منتهكة.
أمس، كان يوم من تاريخ آخر. من أمكنة انفتحت على ناسها، كما تنفتح الينابيع على الينابيع. ذلك أن العودة، وما رافقها من مشاعر جماعية عالية، ومن مختلف الجهات، جعلت ما وزعته الحروب والموت والفرقة، على توحد. فهل هي البداية الحقيقية للحمة تقوم على التعدد، والتنوّع والخاص؟ ذلك أن يوم أمس كانت بيروت الأكثر الاستثناء بين المدن العربية، الأكثر "خطأ" في المحيط "العاقل" الحاسب والمحسوب، والأكثر مغامرة في بيئة أقعدتها أشكال الخنوع والاقامة في الهزيمة والخضوع.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.