8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عولمة الخضوع

بعد سقوط جدار برلين، وهو السقوط المادي والمجازي للايديولوجية السوفياتية ونظامها السياسي والفكري (والبوليسي)، بدا ان ثنائية سياسية قد انهارت مع الجدار، لتنتصر أحادية، "العالم الحر"، و"الرأسمالية"، ولتنتفي في ذلك الحرب الباردة بين الدولتين الكبريين التي أحرقت العالم.
ولو شئنا استعراض ما رافق تلك الفترة أو ما سبقها (ولو بشكل محدد) لوجدنا وإن نسبياً، أن سقوط الاتحاد السوفياتي يكاد يؤرّخ، (بين ما يوضع من تواريخ وأسباب) هزيمته العسكرية والسياسية التي تمت في أفغانستان على أيدي "المجاهدين" الذين افتتحوا شعار حربهم الأميركية على السوفيات برفع رايات دينية "اسلامية" مؤمنة في وجه الكُفَّار و"الملحدين" و"أعداء الله" و"الاسلام".
حرب "صليبية" ضد حرب "صليبية" أخرى. الغزو السوفياتي لأفغانستان حُوِّل، (بنصيحة أميركية، وبخطوة رأسمالية، وبعقل غربي)، حرباً على الدين. ومن هناك تخرّجت مدارس متطرّفة، وجدت نفسها، بعد انتهاء مهمتها في أفغانستان تنطلق في مهام السعي إلى إقامة عالم ديني، بدءاً بأفغانستان وامتداداً إلى العالم.
ثقافة جديدة استنبتها الأميركيون، ثقافة دينية متشددة، استخدمت أداة لمحاربة "الوثنية" الشيوعية، تماماً كما استنبتوا "ثقافات" يمينية دكتاتورية واستبدادية لمحاربة الأنظمة الديموقراطية في أميركا اللاتينية. ولكن ما استنبتوه ونما وترعرع في الثقافة "الأصولية" (وهم، من رُوّاد استزراع الأصوليات الدكتاتورية والدينية والطائفية والعرقية)، كان بدأ ينمو ويترعرع في داخل المجتمعات الأميركية. وهذا طبيعي إلى حد كبير. بل وهذا أدّى إلى محاولتهم تحويل الصراع في العالم، من صراع فكري وايديولوجي (شمولي ـ رأسمالي، ليبرالي ـ أحادي)، إلى صراع غيوب وآلهة وميتافيزيقيا، أي إلى صراع ديني كبديل من الصراع مع العالم "القديم". وقد برزت تلك المحطات "الرئيسية" لتسبق وتُمَهِّد للصراعات الجديدة وترافقها وتغذيها: 1) سقوط السوفيات، 2) سقوط جدار برلين، 3) انتخاب جورج بوش، 4) 11 أيلول. سلسلة عجائبية فيها من المصادفات القدرية بقدر ما فيها من الترتيب المنطقي. نقول هذا من دون أن نغفل انتشار "المانفستوات" السياسية التي تبشّر، عالمياً، بصراع الحضارات، ونهاية التاريخ، ونهاية الانسان، وما بعد الانسان... إلخ، الموّقعة بأنامل المخابرات والأجهزة الأميركية، وكذلك بحبر بعض "المفكرين" كفوكوياما وهنتينغتون (على تناقضهما أو اختلافهما الظاهر أو "المهني"). بمعنى آخر، وإذا استطلعنا البيئة السياسية لبوش الابن، ومدى انخراطها في اللعبة الدينية (المسيحية المهوَّدة، اليمين الجديد العنصري والغيبوبي)، مع تراجع القوى الديموقراطية واليسارية والتقدمية في أميركا، ومع اضطهادها من قبل "السلطة الجديدة"، نجد أن الداخل الأميركي صار يشبه الخارج. أي تبني الوسائل الاستعمارية في السيطرة على الآخر، لتطبيقها على الخارج. فالعنصر الديني الذي استغله كل من الاستعمارين الفرنسي والانكليزي مثلاً وساهما لتبرير تدخله وسيطرته وتفريق وحدة العدو، هذا العنصر المستخدَم خارجياً، بات يُستخدَم في داخل أميركا، كإعلان سياسي، ونمط فكري، وسلوك اجتماعي. إنه الزمن الأصولي في أميركا، يتحوّل مادة "تبشيرية" معولمة من خلال التطوّرات التكنولوجية والمعلوماتية. فكأن العولمة صارت عولمة "إيمانية" دينية، في فضاء أصولي شاسع ولا متناهٍ.
على هذا الأساس قيل: بعد سقوط جدار برلين انتقل كل ما هو سياسي إلى كل ما هو ديني. وصارت وسائل الاتصالات والتكنولوجيا والمعلوماتية، في ظل العولمة تغذي العودة إلى الأصوليات وإلى الأديان وما هو قبلي وعشيري وعائلي. أي ما هو نقيض للعقلانية والظواهر المدنية. بمعنى آخر كأنما صارت "المدينة" الكونية مصابة في صميمها. وصارت "المدن" كأمكنة تبادلية وحرة ومفتوحة، مغلقةً على اتساع مدى التطوّرات التقنية. إنها المفارقة. ولكن تكتمل هذه الدورة الغيبية (استفاقت الأديان التوحيدية بعد غياب مفروض من الأنظمة والأفكار العلمانية والمادية والتاريخية والليبرالية في القرن الماضي)، بات على هذه الانطلاقات والعودات أن تستعمل سلاحها وأرصدتها وقواها وتفوّقها العسكري والتكنولوجي والاقتصادي لتثبيت قواعدها الدينية المتطرّفة وعبرها اليمينية المتجدّدة، لكي لا أقول العنصرية البيضاء، لتقضي على كل ما هو "غير ديني أصولي" على كل ما يذكر بالصراعات القومية والايديولوجية والسياسية والثقافية والطليعية والديموقراطية، ولا تقتصر هذه الظواهر على الولايات المتحدة الأميركية، بل على أوروبا أو بعضها، وحتى في باريس، وفي هذه العاصمة التنويرية الكبيرة بتنا نقرأ سجالات يُلاحظ فيها نوع من الارتداد إلى كل ما هو محافظ. ونتذكر هنا أن العديد من الكتابات اعتبرت أن ثورة الـ68 الطالبية كانت ثورة "متوحشة" و"ايديولوجية" وتخريبية. بل وبلغ الأمر ببعضهم أن قال: أندره بريتون (زعيم السوريالية) هو مسؤول بعيد عن 11 أيلول (!). ولا يخفى أن بعض المرتدين اتهم السورياليين والدادائيين وحتى الوجوديين واليساريين وطلاب الـ68 بالارهابيين. وأحالوا بعضهم على بن لادن والقاعدة وطالبان وراسبوتين (!) ودراكولا (!). شيء ربما غريب لكن يمكن أن يُفهم من ضمن هذا التحوّل الكبير (بعد سقوط جدار برلين وحادثة 11 أيلول) الذي أصاب العقل الغربي وغير العربي وأدرك الذهنية العربية الثقافية منها والفكرية والاجتماعية.
وعندما تحوّل كل ما هو صراع سياسي ـ فكري إلى صراع ديني ـ طائفي ـ قبلي ـ عائلي. وهذا يظهر سواء في المراتب العليا من السلطة والأنظمة، أو في البنى التحتية الشعبية وغير الشعبية. المجتمعات العربية، في معظمها، انتقلت إلى مستويات أخرى. مستويات قدرية. دينية (بالمفهوم السياسي). بل يمكن القول (وقبل العولمة واتجاهاتها الأخيرة) أن معظم الأنظمة العربية تسنّمت السلطة بشعارات قومية واشتراكية ويسارية ويمينية لكن بارتكازات عائلية أو مذهبية. من هنا يمكن أن نفسّر كيف أضعفت هذه الأنظمة "القومية" و"العلمانية"، و"العروبية" و"الشيوعية"، والتحررية"، و"المتمردة"، كل هذه الاتجاهات التي تبنتها اعلامياً، لكي تصفو السلطة للطائفة أو للقبيلة أو المنطقة. مَنْ صفَّى الشيوعيين؟ مَنْ صَفَّى الارث القومي؟ مَنْ صَفَّى الظواهر الاحتجاجية؟ مَنْ أضعف المشاركة الشعبية الفعلية؟ مَنْ ضرَبَ النقابات؟ مَنْ حارَب الحداثة وتجلياتها، والهواجس التقدمية على امتداد نصف قرن، سوى هذه الأنظمة، لكي لا يبقى، في النظام سوى سلطة دينية مموّهة، أو سلطة عائلية مموّهة، أو طائفية مموّهة.
وإذا كان السبيل عندنا، مُهّد له طويلاً فكيف نستغرب طلوع الاتجاهات الدينية وصحوتها، والأصوليات وامتداداتها وتنوعاتها؟
ونظن أن تتويج هذه الظواهر السلطوية العريقة، نلمسه في استكمال حلقة تشويه كل ما صنع هوامش المجتمع، من طليعية، وتقدمية وحداثية، باعتبارها السدود الأخيرة المنتصبة في طريق الطائفية والنزعات الغيبية. ولهذا يتم ومنذ أكثر من عقد وبطريقة منهجية تدمير الارث النهضوي التنويري والحداثي والمعاصر. أي تدمير الروح النقدية والابداعية والتجاوزية، أي تدمير الخيارات الفردية والجماعية عند الشعوب. ولم يعد مستغرباً قراءة أو سماع أن الحركة الطالبية في الستينات أو السبعينات في لبنان هي التي "صنعت" الحرب الطائفية وهي التي مهدت للعنف. ولم يعد مستغرباً قراءة أو سماع أن العلمانية (كاتجاه لا كشعار رفعته الأنظمة) هي وراء الهزائم والنكبات الاجتماعية والسياسية والثقافية، (باعتبار أن البديل هو المُعطى الغيبي). ولم يعد مستغرباً بأن يعتبر بعضهم بأن الحداثة والتنوير والنهضة العربية هي "مؤامرة" على الأمة لأنها "استعارت" أدواتها وأفكارها من عند الآخر... ولم يعد مستغرباً كذلك اعتبار حتى المسرح والشعر والرسم والرواية والسينما هي من تعابير "محاوَر" الشر والفساد... بل ان بعضهم ذهب إلى اعتبار أن "العروبة" هي المشكلة (لا الأحزاب القومية أو العروبية)، وكأنها تجمُّع أو نقابة أو مجموعة وليس انتماء مفتوحاً، ومشروعاً مفتوحاً منذ ألوف السنوات.
هذه المنقلبات، تنزع في عمقها، إلى تدمير البُنى العقلانية، والتعددية، والديموقراطية، وتصفية كل الدفاعات الأولية للمجتمعات العربية، وإيقاع في نوع من الهشاشة الشاملة تمهيداً لافتراسها واستفرادها. لكن هذه الموروثات الكبرى للنهضة العربية، ولقوى التحرير، والضوء، المنارات المعاصرة والقديمة، والقدرة على النهوض، والمواجهة، من المستحيل أن تصفّى بتكتيك سياسي، أو باستراتيجية استعمارية، أو بقرارات سلطوية أو فردية. ذلك أن ما صمد ونما على امتداد قرون لا ينتهي بالطريقة الدراماتيكية... لأن ما بدأ، من الصعب أن ينتهي. والأفكار أيضاً لا تموت. قد ينوس شيء ما، أو ينطفئ بعض منها... أو يذبل نظام فكري، أو سياسي، لكن الذبول لا يعني الانقراض. والأزمة التي جعلتنا نقع في خيبة الأمل حتى اليأس، هي التي تجعلنا ننتقل إلى المواجهة... ومقارعة مختلف أشكال العسف والتخلّف والظلم والقمع والاستبداد.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00