8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

زمن المنقلبات

إنه الوقت الذي يبدو فيه كل شيء، في عالمنا العربي، على هشاشة غرائبية. فكأن ما كان يظهر للعيان، ومن الخارج، آمناً، مستتباً، متماسكاً، صلباً، قوياً، على صُعد البنى السياسية والثقافية والاجتماعية والفكرية، على امتداد العصر الاستقلالي العربي، (بعد الاستعمار)، كأنما كان يُرى بعدسة مكبّرة، أو مشوِّهة، أو مموِّهة. كل الحُجُب والستور والبراقع، من أقوال عالية مطمئنة، واثقة، رخيّة، توحي الاستمرار، والثبات والعنفوان والثقة كأنما كانت تخفي وراءَها كواليس من العَطَب، والهزال، والضعف، والموت، والخراب. لكن، مع هذا كان ثمة شعور أو وهم (أو إيهام مسرحي) عند الناس بأن هذه الكواليس المخفية، لا بد من أن وراءَها أيضاً متاعاً، وشخوصاً، ونصوصاً، وإرادات وأبطالاً، لم يدركوا بقوة شفيراً ما، ولو كانوا على مطلاته.
صحيح ان البنى السياسية العربية، التي جاءت إلى السلطة بانقلابات عسكرية (لا بتحوّلات داخلية) وحكمت بمنطق الانقلابات العسكرية نفسها التي باتت جزءاً من الأمر الواقع، وجزءاً من السلوك العام المفروض، إلا أن المجتمعات العربية، وبرغم معارضات عديدة هنا وهناك، "قبلت" على مضض ما تمَّ استتبابه بالقوة والارهاب والترويع والقمع، باعتبار أن هذه الأنظمة قد توفر حدوداً معيّنة من "الصلابة" أو الاستقرار، ولو على حساب الحريات العامة والديموقراطية والحقوق والواجبات والكرامة...
إذاً الأمن الصلب مقابل التماسك. الحديد والنار مقابل الارادات الآمنة، (على خضوع وخنوع)، البطش الداخلي مقابل الصمود في وجه العدو الخارجي، معادلة دامت سنين طويلة تقدّر تقريباً بنصف قرن.
وعلى حدود هذه المعادلة، قبلت المجتمعات العربية بمصادرة الأنظمة خيراتها، وإفقارها، ونهب أموالها، وضرب اقتصادها، وتخريب أوضاعها، على أن تعوّض هذه الأنظمة النهابة، بأمل قد يتجسَّد على الأقل أو يلوح، باستمرار الروح الاستقلالية، أو الارادة الوطنية المتمثلة طبعاً بالحُكّام عبر استفتاءات الـ99.99 بالمئة، وأنواع الترشيد الاعلامي الزاخر "بالآمال" و"الوعود" وبقدرة مكتنزة على المحافظة على الأرض، والناس، غذّتها ونمّتها الأجهزة الأمنية والاعلامية عبر سيطرة الأنظمة على وسائل الاعلام كلها.
لكن هذا الثمن الباهظ الذي قد يساوي أحياناً حياة أمم، ومصائر شعوب، وتواريخ دول، بدا وكأنه ذهب أدراج الرياح. كل هذه التضحيات الكبيرة التي بذلتها المجتمعات العربية، والتي لا تُقَدَّر إلا بمساحة مصائر وأعمار وأجيال، محتملةً هذه الطُغَم الاستبدادية، كأنما أُهدِرَت بلا جدوى.
لا شيء بات في مكانه. ولا في زمانه. كل الأشياء تبعثرت في فضاء من الرعب والالتباس، والخوف، لتستفيق الأنظمة فجأة على واقعها المرير: عزلاء بلا حماية ذاتية كرتونية، هشّة. وللمرة الأولى ربما تُحس هذه الأنظمة، مع محاولات الامبراطورية الجديدة، (وقبلها اسرائيل)، بأنها لا تملك ما يعينها حتى على الدفاع عن نفسها: السماء والأرض والانفاق والقصور والجيوش العامة، والجيوش الخاصة، والأسلحة ووسائل الاعلام، كلها تبدو عاجزة عن رد مشيئة "الخارج" في استباحتها واستباحة أرضها وشعبها. فهي سبق أن صَفَّت كل ما يمكن أن يشكل خطوط ذود عنها وعن الوطن، واكتشفت بعد ذلك، انها فعلياً، صَفَّت نفسها. وأحسّت بأن هذه الهشاشة التي كانت تظنها مفتقدة، إنما كانت متداخلة في صلب الأنظمة التي بنتها، وفي صلب العلاقات بينها وبين شعوبها. من "عِز بعد فاقة" إلى "فاقة بعد عز". وكأن الأرض التي كانت تتوهم أنها سميكة، وثابتة تحت أقدامها، بدت أوهى من قشرة. وبدلاً من أن يحملها وعي "الهشاشة" على مراجعة نفسها، ووضع حلول واقتراحات، وتغيير أنماطها وسلوكها وعقولها، لجأت إلى المنطق "الانقلابي" نفسه. أي من موضع هش إلى موضع أكثر هشاشة. ذلك، أنها "تنزهت" بفعل الخوف عن أن تشارك في تغيير ما في نفسها وأوكلت المهمة هذه إلى الخارج. وخصوصاً الأميركيين، وقدّمت، عبرهم "نقداً ذاتياً" هو أقرب إلى التوبة والاستغفار والندم، وجعلت دساتيرها ومواقفها من القضايا الكبرى (العراق، اسرائيل، فلسطين) رهينة في أيدي الأميركيين. فليفعلوا ما يشاؤون. فليغيّروا ما يريدون. فليأخذوا ما يريدون أن يأخذوا: التاريخ (تاريخهم)، المواقف (مواقفهم التي بنوا عليها "أمجادهم")، الخيرات والأموال (خيرات الشعب وأمواله)، شرط أن يرضى عنهم ويبقوا في أماكنهم.
فالسلطة التي تبيّن أنها واقفة في هشاشتها كانت الهدف الأول، وما زالت الهدف الأول. لكن وبرغم اطمئنان بعضهم إلى أنه سيبقى متربعاً على الكرسي، وبرغم تخوّف بعضهم الآخر من أن يكون القرار (الأميركي) قد اتخذ بزحزحتهم، فإن ثمة شيئاً قد طفا ويبدو أنه لن يختفي: الشعور بهشاشة الأحوال والأمور والشروط. وهذا ينسحب أكثر على الناس الذين صاروا، ومن شدة تخوّفهم على مصائرهم، يحسون بأن الأرض تهتز تحتهم. وان شغفهم بالتغيير يقابله خوف من البديل. فالظواهر التي برزت بعد سقوط صدام على أيدي الخارج (الأميركيين)، وما نتج من ذلك من حروب طائفية راهنة، وأشكال مقاومة "مجهولة" المصدر، والصراعات القائمة حول النظام السياسي، ومشاريع التقسيم التي قد تؤدي إلى مشاريع تهجير وهجرة وفقر وتقاتل، كل ذلك، جعل الشعوب العربية الأخرى، تشك في احتمال انبثاق بنى سياسية أخرى أفضل أو أكثر أماناً ورحمة من تلك السائدة. بل ان الشعوب العربية الأخرى وشرائحها المتعددة، أدركت بعد تجربَتَيْ أفغانستان والعراق، بأن لا شيءَ عاد مضموناً: لا المكان. لا الاقتصاد. لا الأمن. لا الحرية. لا الديموقراطية. كل شيء على شفير ما. على هاوية ما. على مغادرة ما. على منقلب ما.
على هذا الأساس، وربما للمرة الأولى، يمكن القول أن ما أصاب الأنظمة والحكام من خلخلة في اليقين، وفي الموقع، أصاب أيضاً الشعوب. بل ان الخرائط الديموغرافية والسياسية والجغرافية باتت خرائط مشروخة، أو على الأقل مطموسة معالمها: هل ستُقَسَّم هذه الدولة أو تلك؟ هل ستُسرق تواريخ هذا البلد وموروثاته؛ هل ستبقى هذه الشعوب في أماكنها؟ ونظن أن هذه الوساوس والهواجس لا تتصل فقط بعلاقة الناس بحكامها، أو ببنياتها المذهبية والايديولوجية، وما طرأ عليها من تضعضع فحسب، وإنما أيضاً، لأن الناس باتت تعرف، أن مصائرها التي كانت في قبضة الأنظمة، صارت في قبضة الخارج. أي أنها فقدت كل بصيص في المساهمة في الإمساك ولو بشيء من مقاديرها. من أقدار الطغاة والبطاشين إلى أقدار طغاة وبطاشين آخرين. لكن الأيدي والقبضات هذه المرة، (وبعد مرحلة الاستقلال) غريبة آتية من وراء الأطلسي ومن أنحاء العالم الشتى. إنها المنقلبات بعد الانقلابات. إنه الاستعباد بعد القمع. الاستعمار بعد الاستبداد. الغزو بعد التسلّط.
كأنما ثقافة جديدة راحت تتراكم مبنيّة على الشعور بالمغادرة الدائمة، وعلى الخوف من الترحل، وعلى الرعب من هشاشة مجهولة تصيب المدارك والوعي واللاوعي. ثقافة الأسئلة المخيفة، والتوجس، والأصوات الملتبسة. بل ان هذه الكوابيس اللازبة، تتعدى شروط الحياة والمعيش اليومي، والظروف المفروضة، إلى جوهر الوجود نفسه. إلى ما يُسمى بالهوية واحتمالاتها، والتاريخ وتآويله، والمكان ومآلاته، والأفكار وإمكاناتها، والمشاعر ونوازعها، والجواهر ومشتقاتها، والأديان ونصوصها، والانتماءات وعلاماتها. كأنها ملحمة شاملة من التساقط من المرتفعات، والتحفير عميقاً في الادراك والاسافل. ملحمة شعوب وأنظمة تحس أنها خسرت آليات الدفاع عن أنفسها، وها هي فرائس طريّة سائغة، وليس لها أن تختار، بين الجَلاَّد القريب والجَلاَّد البعيد. شعوب منكّسة. تحت المقاصل، ولا تعرف الأيدي التي ستنفذ فيها الأحكام. ضحية ملعونة باتت الشعوب العربية. ضحية مزدوجة بين أنظمة استقالت من دورها الدفاعي عنها، وبين غزاة وافدين صادروا إرادتها وإرادة حكامها. فمَنْ يقاومون إذا قاوَموا؟ ولمَنْ يستسلمون إذا استسلموا؟ ولمَنْ يلجأون إذا قرروا اللجوء؟ ولمَنْ يتوسلون، وهم عُزَّل، إذا أرادوا توسّلاً؟
فالمخاوف هذه، والأسئلة، وانصداع الرؤوس بالفجاءات، باتت من جوهر التفكير اليومي. لم تعد مناسبية، أو مترفة، أو نظرية، أو كتبية، أو شعرية، أو تجريدية، صارت الثقافة الجديدة، القديمة التي تتأسس عليها مسالك الناس، ونياتهم، وممارساتهم، وتحرّكاتهم. باتوا وحدهم في النهاية. هكذا، باتوا وحدهم في المواجهة، وحدهم ولا يعرفون من أين ستأتي الضربة، أو الكارثة. صارت مصائبهم تنتسب إلى ما يشبه ثورات الطبيعة من زلازل وفيضانات. من هنا ان هذه المواجهات السياسية الداخلية والخارجية معاً (بين المطرقة والسندان) كمَنْ يواجه الكوارث الطبيعية. أي مجرّد أقدار صاخبة انغرزت في الاهتمامات اليومية والتفصيلية من حياتهم. أي أن إحساسهم النافذ، وإدراكهم الفطري وغير الفطري، بأنهم كائنات "بلا ضرورة". ومجرد أدوات لتنفيذ إرادة "الآلهة" الصغار والكبار، جعلاهم يتعايشون أيضاً وفكرة الهاوية تعايشاً دائماً. كل ما حولهم هاوية. أو شفير هاوية. أو حدود مجهول سحيق. ويعني ذلك في العمق، أنهم يستشفون من روائح الهشاشة، ومن ظواهرها، وأشكالها، وتجلياتها، كيفما تلفتوا، وكيفما تنسّموا، وكيفما استشعروا، وهذا، ما يقودهم أو سيقودهم إما إلى الاستسلام، وإما إلى المقاومة، وإما إلى إيجاد سبل أخرى لأمكنة أخرى وفضاءات أخرى.
وهذا الأخير هو الخيار الأقتل.

بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00