عندما أظهر استطلاع أجري منذ عدة أسابيع أن 59 بالمئة من الأوروبيين باتوا "يرتعبون" من اسرائيل، باعتبارها في طليعة الدول الأخطر على السلام العالمي، قلنا، عال! فلربما تؤثر هذه الصدمة التي تمت عبر "الديموقراطية المباشرة"، على الدولة العبرية واللوبيات الصهيونية واليهود في العالم. فهذه الصورة المضادة لما رسمته اسرائيل عن نفسها، أي صورة الدولة المضطهدة، الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، الضعيفة وسط هدير الأكثريات حولها... قد شحبت أمام الصورة الجديدة التي خطها الاستطلاع: الدولة "البعبع" المسلحة، الشرسة، النزقة، المعتدية. قلنا قد يرى الصهاينة في هذا الاستطلاع إنذاراً شعبياً عالمياً لهم، فيرتدعوا، ويغيّروا ما في نفوسهم وعقولهم.
لكن بدلاً من ذلك اتهموا الأوروبيين بمعاداة السامية. سحبوا الاسطوانة الجاهزة المشروخة وأداروها. وهذه المرة كان دور أوروبا التي كان لها اليد الطولى في زرع الكيان الصهيوني في المنطقة وإنشاء دولة اسرائيل. واستحضرت أشباح هتلر وموسوليني وطبعاً الهولوكست والشتات فوصولاً إلى بن لادن و"الارهاب" والفلسطيني وعرفات وصدام حسين... لتعود إلى النغمة القديمة: الشعب المكسور المطارد المهدد في كل لحظة إما بمعاداة السامية وإما بالارهاب. عدنا إلى سياسة الجلاد الذي يلعب دور الضحية الأبدية.
كل هذا من دون أن يطرح الصهاينة أسئلة حول أخطائهم وخطيئاتهم. حول استهتارهم بالشعوب وبالمقررات الدولية. وحول اغتصابهم وطناً بكامله، وردهم كل المشاريع السلمية حتى المنحازة إليهم. لا شيء من كل هذا. فشعب الله المختار لا يخطئ لأنه بكل بساطة شعب الله المختار. الآخرون يخطئون معه. الآخرون هم المشكلة. هم الجحيم. الأوروبيون الآن هم "الجحيم". وكان على الأوروبيين العنصريين، و"المرتدين" في نظرهم ان يتابعوا جرائم الدولة العبرية اليومية، والمذابح، ورفع الجدران العنصرية، واحتلال فلسطين، وإقامة المستوطنات وارتكاب المجازر وتدمير المنازل والاغتيالات الوحشية، وإحراق المحاصيل، بعين "حيادية" على الأقل، بعين ترى أن كل هذه الممارسات الصهيونية ما هي سوى دفاع عن النفس إزاء الارهاب الفلسطيني، بل ودفاع عن الحضارة الغربية برمتها. وعليهم أن يتفهموا أيضاً سياسة شارون، "الديموقراطي"، "العفيف"، "النظيف" "الأليف و"يُنَوبِلُونه" لشغفه بالسلام العادل والشامل وتفانيه من أجله.
فلتُسَجَّل أوروبا والأوروبيين في خانة معاداة السامية. فهم يستحقون هذا العقاب، وهذا التصنيف الذي "يليق" بكل مَنْ يرفع صوته منتقداً، أو محتجاً أو حتى معترضاً على هذه الدولة العبرية.
هذه هي حال أوروبا، وضع الرأي العام فيها في الخانة المعهودة. ولكن إذا كان الاستطلاع الأوروبي صدم وأحدث ردود الفعل المعهودة والجاهزة عند الصهاينة، فماذا سيفعل هؤلاء إزاء نتائج الاستطلاع الذي أجري هذه المرة، في عقر دارهم في بيت أبيهم في الولايات المتحدة، ورأى فيه 43 بالمئة من الأميركيين أن اسرائيل باتت ترعبهم، لأنها في مقدمة الدول التي تهدد السلام العالمي! فماذا سيفعلون: هل يتهمون نصف الشعب الأميركي بمعاداة السامية كما فعلوا مع الأوروبيين والعرب والاسلام وكل مَنْ تسول نفسهم أن يرشقهم بوردة؟ هل سيتهمون "مرضعيهم" ومموليهم، والمتواطئين معهم بأنهم أعداؤهم؛ هل سيضعون نصف الشعب الأميركي الذي "ضللوه" قرنا وأكثر وصدق أكاذيبهم حتى الدينية منها، في صف الذين يسعون لإزالة دولتهم المسخ؟
فالمسألة هنا "دقيقة"، و"حساسة"، واللعب على وتر عقدة الذنب الهولوكستية لا تنفع، لأن للأميركان عقد ذنب أخرى: من الهولوكست الياباني فإلى الفيتنامي، واليوم العراقي، من دون أن ننسى دعمهم للدكتاتوريات العسكرية والفاشية في أميركا اللاتينية وسواها.
وإذا انتقلنا من الاستطلاعين الأوروبي والأميركي إلى العالم الرحب من الصين واليابان وافريقيا المتعددة وبلاد الاسلام والعرب، وأجريت هناك استطلاعات حول دولة بني صهيون، فستكون النتيجة أوضح وقد تتجاوز الـ80 بالمئة، ممن يرون أن اسرائيل في مقدمة الدول التي تشكل خطراً على البشرية وسلامها.
وبالاحصاء وبالأرقام والوقائع والمشاعر والوعي والأفكار يصبح تقريباً معظم العالم يعتبر أن اسرائيل غول هذا العصر، وقنبلته الموقوتة. فماذا يمكن أن يفعل شعب تدين ممارساته كل الشعوب؟ وماذا يمكن أن يفعل هذا الحصار المعنوي والشعوري؟ وهل ستحاول الدولة الصهيونية، انطلاقاً، من هذه الوقائع أن تغيّر من سلوكها، أن تتعظ، أن يتحرّك فيها شيء من الانسانية، من الاحساس بالخطأ؟ أن تعترف بالآخر. أن تعطيه حقوقه. أن تكف عن ارتكاب جرائمها اليومية، وانتهاكاتها، ومصادرة تاريخ الشعب الفلسطيني، وأرضه، ومستقبله؟ هل ستحرّك هذه الوقائع المعلنة عبر "الديموقراطية المباشرة" وغير المباشرة ما لم تحركه مخازيها ووحشيتها فيها؟
لا نظن. ولا يمكن هذه الدولة في رأينا، أن ترعوي، أو ترتدع. أو تهزها صحوة وعي. أو ضمير. ولهذا علينا ألا نفرح كثيراً لا بنتائج الاستطلاع الأوروبي، ولا بنتائج الاستطلاع الأميركي، ولا نتكل على ثمار محتملة نجنيها في استرداد الحقوق. فهذه الدولة العنصرية لا تأبه إلا لنرجسيتها، ولا تستريح إلا بعنفها، ونظن، أنها، وبرغم انشغالها بهذه الاستطلاعات ونتائجها، فهي تضحك في سرها ولسان حالها يقول: وهل منعت التظاهرات المليونية التي اندلعت في كل العالم ضد الحرب، هل منعت الولايات المتحدة الأميركية من شن حربها؟ هذه الاستطلاعات، لا تنفع سوى أصحابها وأهلها ومناصريها، أما نحن يقول لسان حالها: مسلحين بالعنصرية والتفوّق العسكري ودعم النظام الأميركي، نكمل المشوار!
مشوار الطغيان والاحتلال والقتل اليومي ولتكمل القافلة... وتنبح وراءنا الاستطلاعات!








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.