لم تكن فدوى طوقان قد أنتهت من وداع نابلس وفلسطين عندما رحلت، وكانت وداعاتها طويلة، كدرب الآلام، لكل حبة من حبات الجلجلة التي مشت عليها، بعد النكبة، حتى تلاشيها ببطء. ببطء الذي لا يريد أن يرحل قبل أن يحمل في ذاكرته الأبدية، ذاكرته الأخيرة، أشياء وطن، وأحلام وطن، وانكسارات وطن، وفجائع وطن، وضمير وطن.
حملت وطنها المفجوع كله ورحلت. كأنما تقسيم الوطن، وانتهاكه وتدميره، واحتلاله، لم تمس صورته، ولم تخدشها، ولم تهزها. أخذت الصورة كلها ومشت. الصورة المكتملة، الصورة الشعرية. كثيرون يحملون أوطانهم كمتاع، بين الأمكنة، والنأي، والنفي، كثيرون يسقطونأوطانهم عن ظهورهم ويمضون، هي، بقدر ما تشرشت فيه، وتأصلت في تربته، وتنفسها هواؤه، واهتزها شجره، وأخصبها ماؤه، هي بقدر ما استبقت الوطن "المترحل" في كسور الشتات، كأنما غادرت اليه. غادرت الى كل تاريخه. الى كل ناسه. الى كل مآسيه. ليستبيتها الوطن الى الأبد.
فدوى طوقان، شعرها، يشبهها لأنه يشبه فلسطين. شفافية من عذوبة الينبوع ومن صلابة الزيتون. من رقة الفجر، ومن عنف الظهيرة. من "آه" المأساة ومن صرخة الغضب. قاومت، وهي من سلالة الشعر المقاوم، لكي تقاوم. ولأن الشعر لا بد أن يقاوم. ولأن الشعر عندما يقاوم، بذلك النفاذ الجارح، يسترجح أصوله الأولى لكي تكون المقاومة بلا مقابل سوى التعبير الأقصى عن الانتماء الى الوطن، سوى الامتزاج الخالص بالوطن. بلا مجد، ولا جلبة، فشعر الوطن يمشي كالمياه في جوف الأرض. كالدمع في أقصى المحاجر، كالصمت في عزلة الغضب.
رحلت فدوى طوقان وكأنها تعود أدراجها. شعرها يسترجعها، شغفها يستحضرها، مشاعرها الكبيرة، الغنية، الخصبة، الشفيفة، القوية، ترفعها كقوس قزح يلمع بكل ألوان فلسطين.
فدوى طوقان قوس قزح لف، على امتداد 86 عاماً، وطنها من أقصى الفجيعة الى أقصى الرجاء.
(شهادات وآراء صفحة 20)








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.