أعلينا أن نستشعر حنيناً إلى اليسار؟ وإلى ذلك الزمن الفائت، قبل الحرب، الذي كان "يفقس" فيه اليسار، من الجهات كلها، وعلى كل الموجات، في شوارع بيروت وصيدا وطرابلس وبعلبك والجبل والساحل، والجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة امتداداً إلى التكميليات والثانويات والمقاهي؟
كان زمناً "يسارياً" بامتياز في بيروت، في الوقت الذي كان اليسار العربي قد أنهكته الأنظمة الاستبدادية، وقتلت منه الألوف وفتحت أبواب سجونها "للرفاق" على الرحب والسعة، ومن ثم استوعبت مَنْ تَبَقَّى منه في جبهات وطنية "عريضة" هي قناع استبداد الحزب الواحد.
كان زمناً "يسارياً" لأنه كان زمناً "تغييرياً". كان زمن "الخروج". كل فردٍ كان يسعى على طريقته إلى البحث عن لحظة يغادر منها "جِلْده". يغادر العائلة والقبيلة والأحزاب التقليدية والاقطاع الديني والعادات الألفية والبنى التاريخية إلى اختياراته الخاصة. كل فردٍ كان مشروعَ أن ينتقل من موقع يراه متخلفاً إلى موقع يراه متقدّماً. وكأنما الأرض كانت تضيق بهذا الشغف الذي أصاب السياسة إصابته الايديولوجيا والشعر والمسرح والفن التشكيلي والفكر. فلنقل إنه كان زمناً استثنائياً مولعاً بواقاستثنائي ـ حلمي، سحري، أي زمناً يمشي نحو الأسطورة. ومن يُحصِ الأحزاب والتنظيمات والشلل والمجموعات والحركات التي انخرطت في لعبة "التغيير" أو الاستثناء "السحري" يجدها عشرات: من الحزب الشيوعي، إلى منظمة العمل الشيوعي الى الحزب التقدمي الاشتراكي، إلى الماوية، والتروتسكية، والكيم إيل سونغية، والكاستروية. كان عالماً "منقولاً" من الخرافات والشعر والغلو والطموح والجنون، عالماً مفتوحاً: عالم المغادرة إلى الآخر المتغيّر باستمرار والمتبدّل باستمرار. بل كان عالماً، إلى "واقعيته السحرية" ضاجاً بالتناقضات، والتجاوز، والمراجعة، والقبول، بمعنى آخر لم يكن "يساراً" مؤتلفاً، ولا منسجماً، ولا ثابتاً. يسارية من قوتها أنها هشة وغير متصلبة، وغير موثقة، وغير أكاديمية، وغير رسمية. كانت يسارية بخفة الورق والحبر والجسم، وبثقل المفاهيم والقوانين المتحركة. فلنقل ان تلك اليسارية كانت عدوى. نوعاً من العدوى تَشْتَمُّها في العيون وفي الأصوات وفي الهواء وفي الكلمات وفي الأفكار. عدوى تتبادل "مرضاها" وأصِمّاءَها. عدوى "جميلة" تمنى كثيرون أن يصابوا "بوبائها". فلنقل أنها كانت عدوى "شبابية" يندفع فيها الشباب بقوة أسئلتهم، وقلقهم، وأيضاً بقوة بحثهم عن انتماء جديد، ولو جاء "مصنوعاً"، أو مقتبساً، أو متباعداً في نماذجه، المكتملة (الماركسية اللينية) أو الناقصة (التروتسكية ـ الثورة المستمرة)، أو الناقضة (الماوية). بمعنى آخر كانت عدوى تنقلهم إلى مستقبل ما، إلى حلم ما، إلى مجازفة ما، إلى صخب ما، إلى معادلة مجهولة الكيمياء وحتى الفيزياء، إلى زمن لا يغلق.
لحظة من لحظات التحوّل. وأحياناً مجرّد التحوّل. وبلا وضوح دائماً. وبلا استراتيجيا دائماً. مجرد العيش في حالات التحوّل، والرفض، والتمرّد، والخصب.
هذا الاستثناء "المُعدي"، لم يكن مقتصراً على اليسار بالمفهوم الماركسي. وكان اليسار آنئذ مرتبطاً بالماركسية أو الماركسيات. فأشكال من "اليسار" المنبثقة من البيئة وتناقضاتها واعتمالاتها برزت أيضاً في مقابل "الأممية" أو "العالمية" اليسارية الماركسية. سُمّي ذلك اليسار (غير الماركسي) التغييري النهضوي "يميناً" ليبرالياً، أو ليبرالية وسطى تنزع إلى "راديكالية محسوبة موزونة، من دون أن تنحاز كلياً إلى فكرة الماركسية ـ اللينية، أو إلى الماركسيات الأخرى، ومن دون أن تنحاز أيضاً إلى اليمين الرسمي، أو التوجهات الحزبية المحافظة التي تأسست إلى بدايات القرن الماضي وتبلورت في الخمسينات والستينات، في معادلات شبه متداولة ومتشابهة. لكن حتى هذه التنظيمات المحافظة، وبرغم ظواهر استبدادية وتراجعية نَتَأَت فيها، إلا أنها كانت، وعلى الأقل في العلن، بل وعلى الأقل في بعض القطاعات النقابية تقارب الهموم التغييرية الأخرى. نقول هذا من دون أن ننسى الامتدادات القومية العربية (من ناصريين وبعثيين واشتراكيين)، ولا الامتدادات القومية السورية الاجتماعية، التي تمكنت من تحفير حضور تاريخي لها في القطاعات الفكرية والشبابية والسياسية.
بانوراما مختصرة لعالَم على مشارف التغيير أو التعديل أو الاصلاح، مختلف، ومخالف، متناقض ومتآلف، لكن يصب عموماً في تجربة ديموقراطية، تحت سقف النظام أو تحت وصايته أو خارجه. أي أن هذه الأحزاب أو الحركات أو معظمها، كانت تسعى عبر الناس والجماهير إلى جذب مشاريعها نحو دائرة الضوء، في اتجاه أهدافها ومراميها المتنوّعة: من عمل نقابي متقدّم، إلى وسائل ضغط (مهرجانات، تظاهرات نداءات، منشورات، ندوات)، إلى تعبئة ايديولوجية، وخطابية، وسياسية. كل ذلك كان من الصعب أن يوحي بمنقلبات دراماتيكية (برغم قمع السلطة أحياناً)، أو مغامرات انقلابية، أو عسكرية، أو فئوية. أي بعيداً عن حروب العنف والسلاح والقوة. (على الأقل في الظاهر القريب).
صحيح ان العديد من هذه التنظيمات والأحزاب والنقابات انتزعت شرعيتها انتزاعاً من النظام، لكن الصحيح أيضاً أن النظام اللبناني، على عيوبه، وثغراته، ومساوئه، كان نظاماً "متسامحاً" إلى حد كبير إذا ما قيس بـ"تسامح" الأنظمة العربية الاستبدادية الثورية العلمانية منها، والتيوقراطية التي ألغت إلغاءً تاماً مكوّنات المجتمعات المدنية، وسخّرت القوانين والقضاء والأمن والعسكر لخدمتها أو لحمايتها أو لتعزيز سلطاتها وتسلّطها.
وفي هذه "الهيصة" التغييرية، برزت القضية الفلسطينية بقوة، لا من حيث نسبة الالتزام بها فقط، وإنما أيضاً من خلال وجودها كقوة (عبر منظمة التحرير ومنظمات أخرى) لتدخل أو لتُوَرَّط طرفاً في هذا الصراع السياسي والايديولوجي والفكري التي اخترقته من كل جوانبه، ليتم عبر ذلك، ظهور انقسامات حول وجودها، وأهدافها، وممارساتها، وهجومها ودفاعها، وإذا اعتبرنا أن هذه المنظمة التي كانت تأسست قريباً، وتعرّضت لما سمي آنئذ أيلول الأسود، وانتقلت بجروحها، وخوفها، وعدتها وعددها وأساليبها إلى لبنان، إذا اعتبرنا أنها باتت في "خيمتها الأخيرة" (بيروت)، عرفنا مدى خطورة ما ينتظر المجتمع اللبناني من تمزّقات ومشاريع تقسيم، وعنف، لا سيما وأن الأنظمة العربية، القريبة منها والبعيدة دخلت على الخط عبر ميليشيات وقوى معسكرة ومقنّعة وأموال.
فمن حالة "ترف" عاشتها واستمرأتها حركات التغيير كافة، وكذلك الأحزاب المحافظة إلى حالة حرجة تنبئ بشروخ وبويل وبثبور. وهكذا كان. الطلقات التمهيدية في 1969 و1971 و1973، مهّدت للطلقة المدوية في 1975. وكانت بداية الحرب. بل بداية الانقلاب الجذري على كل التوجهات الديموقراطية والعلمانية والقومية واليمينية واليسارية. فكأن الرصاصة الأولى التي أعلنت "البداية" الرسمية للحرب، أصابت في الوقت ذاته كل هذه الأحزاب في مقاتلها، وفي صميم مشروعها، وأفكارها.
وفي لحظة ما، عمياء وصمّاء وصاخبة، تحوّلت تلك الحالات "المعدية" من التغيير والحلم بنظام سياسي أفضل، إلى النقيض. وفي لحظة عمياء، تراجعت كل الأفكار وانقلبت على نفسها، فتبدل الصراع، من صراع فكري ـ سياسي ـ ايديولوجي ـ ثقافي، إلى صراع طائفي. وقعت كل هذه الأحزاب في آلة الحرب الجهنمية، في منطقها التقليدي (أو في منطق الأنظمة العربية)، وانخرطت في لعبة الدفاع عن المقاومة الفلسطينية، كقناع لتغيير النظام بالقوة، أو في لعبة معاداة المقاومة الفلسطينية كقناع للمحافظة على النظام بالقوة. لعبة النظام كانت بذريعة المقاومة، ولعبة المقاومة بذريعة النظام، حتى اختلطت الأمور كلها، تداخلت وتبدّلت الأدوار والمساحيق والسحن على امتداد مساحات شاسعة من اللاعقلانية والقتل والمجازر والطائفية بأبشع صورها.
من صراع فكري، علماني، سياسي تغييري، ديموقراطي ومن حلم بلا حدود، إلى صراع حسمت فيه الطائفية كل أشكال الصراعات، فصارت الوباء الجديد الذي أصاب الجميع.
هنا كان المنعطف. هنا هلك اليسار، واليمين، والوسط. هنا هلك الحلم. فكأن الحرب قد قضت على كل شيء. على أصحابها. وعلى المتورطين فيها. وعلى الذين عارضوها، وغذوها، وجعلوها مطية لطموحاتهم "المعسكرة" الجديدة.
(يتبع)
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.