بيروت، هل كانت "خطأ" فادحاً ومدوياً وسط "الحقائق" الدامغة والمطلقة والأبدية التي كانت تحاصرها من كل جانب؟
أو لأنها كانت "خطأ" صَوّبَ عليه أهل "الصواب"، و"الأصول" والأعراف والقواعد (والشعارات) على امتداد عقدين من الحروب، لعلها تعود إلى الصواب، وإلى تلك الحظائر الألفية، ولتُبرأ من تُهم "الجنون" و"العصيان"، ومن الخروج على القوانين والثوابت و"الأخلاقيات" والأدبيات التي كانت تسود محيطها الأقرب والأبعد؟
أكان على بيروت، بوصفها "خطأ"، أن تدفع ثمن ما ارتكبته من "تميّز" و"انزياح" ومجازفة، ومن كسر الأطر المألوفة في بناء المدن وتربيتها، والأنظمة وآلياتها، والأعراف وطقوسها، وأشكال النظم والدول، والحكم والتحكم والسلطة والتسلّط، والحكام وما إلى مفارقاتهم، والانسجام وما إلى الفته، فتستقيم أمورها بالطاعة، والخنوع، وتُسَوَّى بحضيض الواقع المستشري وأسافله وسكونه ومواته، في ما يحكمنا من أنظمة (ولا أنظمة)، ومن حكام (ولا من حُكم تاريخي):
على امتداد تاريخها الطويل، الطاعن في التواريخ المختلفة، المتداخلة، والمتون والخرائط، والتحوّلات، كانت بيروت، منذ بدايات القرن الماضي، ولا سيما في منتصفاته، كأنها مطلوبة من "العدالة" العربية، عدالة الأنظمة التوتاليتارية المعسكرة، المُقَبْلنة المُعَشْرَنة، المُرَيْفَنة، كاسرة النواتئ، مُعدِمة الاستثناءات، مُوَضّبة الجموع، مُعلية الارهاب، والقمع، والقوة، رادمة الفوارق والتمايزات، منتهكة "الخطأ" وائدة روح الرفض، والتفكير وما إليه من حرية فردية (وجماعية) وديموقراطية ونقابية، لتسلس لها أرسان القطعان، المُغيبة المستسلمة، اليائسة، المتشابهة، المتساوقة، المنساقة بلا حول ولا قوة.
هذه كانت القاعدة. حتى كان الخطأ. وكانت بيروت، كارثٍ وإنجاز، جسد هذا الخطأ وتعبيره وغريزته وميوله، وآثامه. كأنما، ولكونها خطأ تاريخياً وربما جغرافياً، بدت "قدراً" عجائبياً، سرياً، يُشاكس حصار "الأقدار" الأخرى عليها. لكنها كانت قدراً، ومن قُوّته أنه كان شديد الهشاشة والشفافية، ومن ضعفه انه كان شديد الصلابة والتحدي. وبكل بسالة، وبلا عسكر، ولا انقلابات، ولا نفير، ولا إذاعات، ولا شرطة، ولا عَسَسٍ وعيون، ولا مخابرات، ولا مراتب، ولا نجوم، ولا خوذ، تقدمت عارية هكذا لتقول: أنا الخطأ الجميل. أنا الشك الرائع. أنا الاستثناء الملتمع. أنا العزلاء بكل مفارقاتي أقتحم وحدي دوائر الحديد والمعدن والاسمنت. وهكذا كانت بيروت: لعنة مدوية (تشبه لعنة أنطيغون وبروميثاوس) وسط هالات الأخلاقيات الخبيثة، الماكرة، المدجنة، المارقة، الناشفة، وأشكال التخلّف، والعادات المُصَبَّرة، والأسيجة الفكرية والايديولوجية والطائفية المكهربة والشائكة، لتعلن كثيراً من هواء الحرية، وكثيراً من فضاء التحرر، وأكثر من الجنون المُعدي، وأكثر وأكثر من المجازفة الخلابة. أي أنها كانت تحمل كل مواصفات أن تكون الخطأ الوحيد وسط حقائق "الصواب" العربية السائدة.
ولم يكن "خطأ" بيروت مجرد هفوة عابرة، أو زلة لسان، أو زلة جسد، أو زلة خطيئة. كان خطأها أكبر من ألا تُعاقب عليه: فأن تنادي بالحرية وتمارسها وتنشرها، وحولها غابات من الدكتاتوريات والظواهر الاستبدادية، يعني أنها تتمادى في "الخطأ" غير المحسوب. وأن تكسر التابوهات الاجتماعية والغيبية والتاريخية بلا ندامة (لا حتى رجاء) يعني أن خطأها استراتيجي، يمس "الكرامات" (وأي كرامات)، والذات الوهمية "المقدّسة"، والأعراف، وتوازن الأمن والمجتمع والحياة.
وأن تتبنى بيروت وتستنبت معاً أفكار التغيير، والتجديد، والثورات، وملامح التغيّرات، والانتهاك الحي لقوانين الحظائر والاسطبلات، يعني أن خطأها أكثر من فاحش.
وأن تحتضن المدينة في مقاهيها، ومكتباتها، وكتبها، وكراريسها، وأرصفتها، ونياتها، وتعابيرها، ما يشي بالأحلام الكبرى التي تصدِّع المطلقات، واليقينيات، والبنى المغلقة، والقوالب الجاهزة، فيعني أن أحلامها هذه تهدد ثقافة الذاكرة الملغية، والمخيلة الرسمية المعلبة، والنواهي، والجوازم، ويؤكد خطأها التاريخي.
وأن تهز التظاهرات وأصوات الاحتجاجات والتمرد، أرجاء المدن الساكتة، العاضة جراحها، الكاتمة أنفاسها، المدعوسة، المضروبة بأمانيها، وتعلن "عصراً" آخر من الخروج والمغادرة، فيعني كل ذلك ارتكاب الكبائر. وأن تحطم بيروت القيم العفنة، وتُخرب ما انبنى على الخوف، والارهاب، والوساوس، وثقافة الثبات يعني أنها انخرطت في لعبة "الموبقات".
نعتوها كثيراً بالعاهرة: "بيروت العاهرة تحترق" كتبها أنيس منصور أثناء قصف اسرائيل المدينة. و"بيروت الفندق" و"البار" و"الكباريه" و"الحرية الزانية". كتبها ثوريون ورواد ثورة وحداثة ومحافظون ويمينيون ويسار، وهم يتنفسون حريتها ملء حناجرهم ومناخيرهم!
وأن تنفتح المدينة لكل الوافدين من بلاد الله الواسعة التي ضيقتها أنظمة الضيق والتضييق، ولا تسأل بيروت أي وافد إليها لا عن لونه، ولا طائفته، لا ايديولوجيته، ولا أفكاره، ولا بلده، ولا مَنْ هو، ولا ما جاء يفعل، وما سيفعل، ويعني ذلك أنها ارتكبت (حتى بالنسبة إلى الذين استقبلتهم!) خطأ الاستباحة لأنها بذلك تتحوّل ملجأ للشذاذ وقطاع الآفاق، والملعونين، والمخربين، والمتآمرين، والثوريين، والشعراء وأهل الشغف وأهل المخالفة. فكيف تُفتح مدينة أبوابها ونوافذها ومنازلها وأرصفتها لكل طارق يأتي ولا يطرق، ولكل وافد يفد وكأنه لم يفد. انها مدينة الخطأ إذاً. بل ومدينة الفضيحة. فضيحة لكل الأنظمة المحيطة بها من اسرائيل ذات "الديموقراطية" العنصرية، المعتدية إلى البنى العربية الاستبدادية، وذات السجون المفتوحة ليل نهار، وذات التوجهات القمعية.
ماذا تفعل هذه المدينة المجنونة وحدها، ماذا تفعل هذه المدينة المهووسة باخطائها وخطيئاتها المميتة. فلتعاقب. فلتدمر، فلتحاصر، فلتنتهك، ولتُستبح. وتصبح أضغاث مدينة. شلو مدينة. ظل مدينة فلتُسَوَّ إذاً بالواقع العربي. فلتكن شبيهه وقرينه، ولتتمعدنْ بدلاً من ان تحمل ورداً وشعراً وثورة، ولتسقط في الغيبوبة بدلاً من ان ترفع صوتها نقداً وصراخاً ورفضاً. فلتصبح قطيعاً من هذه القطعان. فلتُكسر هامتها ولتطاطئ قامتها كلها من أول الجبل إلى آخر الساحل. فلتعلن عليها حرب ضروس دائمة. فلا تستريح لكي تجمع قسماتها. ولتبق "مستنفرة" "مُسْتفَزَّة" "خائفة"، "مرعوبة"، "منهوبة"، مسكونة بهاجس الأمن والعسكر والرغيف فتهجر عندها هوامشها وتنسى "انها الخطأ" و"الاستثناء" فلترزح تحت ثقل الاستيعاب، والتهديد والاستباحة فتنسى إلى الابد استثناء "الحرية" و"الديموقراطية" و"الهامش" والابداع والاختلاف والتفرد. فليُدع الجميع إلى استباحتها بمن فيهم الشعراء والقبائل والطوائف ففي هذه الاستباحة ما يمحو الملح من دمعها، والخجل من فجرها، والحصانة من جبينها... والهالة من فوق رأسها. لقيطة، فلتبقَ لقيطة. بلا أم ولا أب ، ولا أخ، ولاصديق ولا رفيق، وعندها تُكَفِّر بعزلتها الواطئة هذه عن كل ذنوبها السابقة والمقبلة.
هكذا قال مستبيحو بيروت من قتلة ومثقفين وشعراء وحداثيين وسياسيين وعسكر ولصوص .
لكن بعد القول والحروب، وبعد الارهاب والاثمان التي دفعت، وبعد الوعيد والتهديد، وبعد مئات "البروتوسيين" والقياصرة معاً، بقيت بيروت، الخطأ الجميل، الاستثناء الشاهق، في وسط عربي فسيح ما زال يعج بحقائق المطلقات والقتل والسائد والتخلف والقمع والاستبداد.
بقيت بيروت وخسر بروتوس، طاعنها في ظهرها، الحروبَ التي ربحها كلها.
بروتوس خاسرٌ أبداً.
بول شاوول








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.