بيروت لم تعد كما كانت في الستينات والسبعينات. وبيروت الستينات والسبعينات اختلفت عن بيروت العشرينات، والأخيرة لم تكن تشبه بيروت القرن التاسع عشر. وهذا ينطبق على كل مدينة من باريس إلى لندن والقاهرة ونيويورك ودمشق.
المدن تمشي دائماً. وليس من الضروري أن تعرف إلى أين، ولا من أين ولا إلى أين. كأنما تختلف باستمرار عن الايديولوجيات والهويات النظرية والغيبية والحتمية التي تسيطر عليها أحياناً كثيرة بقوة "الوهم" والتخدير أو بقوة الحديد والطغيان. وان مشت المدينة فلا يعني أيضاً أنها تتوجه إلى مكان معيّن، أو إلى "نظرية" معيّنة، أو إلى نموذج معيّن من الأحلام أو من الكوابيس، أو إلى نظام سياسي بعينه. وعندما نظنها متوقفة بفعل الحروب أو الأحداث أو الأزمات، نحسها تتسرّب أو تجري بكل فوضاها، من تحتنا أو من حولنا.
تمشي هنا قطعة قطعة. وهنا فرداً فرداً وهناك جماعة جماعة وهنالك تفصيلاً تفصيلاً. إذ أن المدن لا تتحرّك دفعة واحدة. وإذا تحركت فلا يعني دائماً أنها سائرة إلى "مثالها" أو مثال سواها أو إلى أي مثال "أفضل" أو أسوأ. العشوائية والتخبط والعقلانية واللاعقلانية والمصادفات وأشكال التفاوت كلها ترافق المدن في ولادتها أو في انحساراتها. تمشي كالقصيدة إلى حيث لا تدري. (إلى مجهولها). على هذا الأساس، غالباً ما تبدو المدن على حافات الخطر، أو على حافات الالتباس على شفير أن تكون مدينة (بالمواصفات "التقنية" المؤسس عليها)، أو لا مدينة. و"مدنيتها" هنا أيضاً لا تخضع دائماً لمواصفات، أو لأشكال، أو لهويات واحدة. فليس هناك "مدينة" صافية (نموذجية) "بمدينيتها" أو بأخلاقيتها أو بنظامها. فمفهوم المدينة نفسه غامض. أي نسبي. لا سيما عندما انكسرت النماذج التاريخية للمدينة، أو تحديداً عندنا كما انشعر النموذج الغربي فيها. والقول ان المدينة هي مصب العقل والتطوّر والتقدّم والاستهلاك و"الشر" والفساد ليقابل ذلك مفهوم "القرية" أو الصحراء أو الريف أو الأمكنة المتنائية، باعتبارها ينبوعاً "للطيبة"، و"النقاء" والأخلاق، والمروءة... إن هذه الثنائية لم تعد قائمة وكما كانت في الرومانسية، أو مع المفكرين والشعراء الذين نزحوا من الريف.
فالمدينة اليوم صارت جزءاً من "القرية"، والقرية جزءاً من المدينة. واختلطت الأمور والصفات والأسماء. ولهذا عدنا لا نعرف اليوم، ماذا ومَنْ تشبه المدن. هل هي قرى موسّعة، أم هي نماذج وافدة وموروثة.
بيروت لم تعد تشذ عن هذه "القواعد". فهذه الفسيفسائية، مزيج من عناصر متضاربة ومتناكرة ومتفاوتة، لم تكن دائماً نتيجة الحروب أو الأزمات فقط. ولا حتى في تكاوينها الأولية. بل نقول إن الحروب التي يقال أنها ساهمت في التركيبة "الفسيفسائية" هي التي دمرت هذه الفسيفسائية من التلاوين الطائفية والعلمانية والايديولوجية. لأن الحروب لا تؤمن بفسيفسائية، ولا حتى باختلاف، لأنها تحوّل الناس إلى كائنات خرافية متشابهة متناسخة وإن بمواقع متناقضة. تحوّلهم قطعاناً مدموغة.
ونظن أن بيروت، اليوم، تبحث عن "فسيفسائيتها" الماضية. تلك، التي صنعتها، وصنعت تناقضاتها الحية، ومجتمعيتها المتجردة من "التنوعية المتآلفة" أي تلك صنعت، حرياتها وفوضاها وديموقراطياتها المختلفة حتى التضارب والتناحر والتحارب. بيروت تبحث، بين ركامها وحطامها، عن مجتمعية تتواصل ببناها المنتفضة، غير القابلة، غير الخاضعة لهوية واحدة. أي لسلطوية واحدة. وهي تخشى أن تُلغى فسيفسائيتها هذه بقوة حزبية واحدة أو بحاكمية واحدة، أو طائفية واحدة. بل لأنها وبثقل تراكماتها التاريخية المتتالية تنفر من أن تستبدل هذه "التنويعات" "بنظام" يوحدها من فوق، ويكسرها من تحت، بحيث تخسر "سرها"، تحت ضربات التعنيف والفرض وممارسة الارهاب عليها.
فالمشكلة اليوم ليست في أنه ليس لبيروت هوية. بل لأن هناك محاولات، بدأت منذ عقود، لجعل بيروت ذات هوية مقولبة، مقوننة، أي مكاناً لتبرير الهوية الحزبية الواحدة. والنظام الشمولي الواحد، وفكرة الجمهور الواحد المتمادي في خنوعه وانسياقه، وغيبوبته، واستسلامه. من هنا، ان بيروت كمُختزل للمجتمع اللبناني، لم تقبل أن تكون صدى للنظام السياسي القائم، ولا رهينة مباشرة لآلياته وتصوراته وممارساته. المجتمع اللبناني، عبر بيروت، كان مجتمعاً أقوى من تركيبته. أقوى من كل الأسباب الموجبة لأي تبعية معروفة أو غامضة، أو لأي مرجعية خارجية أو داخلية متسلطة. ولهذا لم تكن بيروت لا مجتمعاً ثابتاً (بمعنى الركود أو الغياب)، ولا مجتمعاً "واحداً" (بمعنى هيمنة الارادة المُهيمَن عليها)، ولا مجتمعاً متآلفاً (بالمفهوم الأخلاقي والتعايش). بيروت كانت "مجتمعات"، أو عجائن لمجتمعية ما. أو لروح مجتمعية ما، لا تجمع الأضداد والخلافات لتصهرها وتصوغها في كتل مغلقة بل لتتركها مجرد احتمالات. أي لأشكال وبنيات مفتوحة. ولو عدنا مثلاً إلى بيروت ما قبل الحرب، نجد أنها كانت بفعل "مجتمعياتها" الايديولوجية والسياسية والطائفية والفكرية المتضاربة، مشروعاً لنظام ديموقراطي تتعدد تكاوين هوياته المشرعة، غير الثابتة: هوياته المتحوّلة. قد يكون الأمر الأصعب اليوم، لأن مسار المدينة العربية انحرف إلى فكرة توتاليتارية واحدة، لكن ما زالت بيروت، على الرغم من ذلك، ذات تراكيب تتمرّد على كل شمولية. (أو هوية شمولية متساوقة ومتناسقة). وهنا الحظ، ان الفسيفسائية التي يُحكى عنها لا تقتصر عناصرها على الطائفية حتى اليوم. بل هي هذه الخلطة التي تبقى سديمية في قسماتها وتحوّلاتها ولا تخضع لأي قالب نهائي. وهذا ما نلمسه اليوم في الشارع. وفي الأحياء وفي قلب المدينة نفسها وفي القرى التي تحوّلت "مدناً" مصغّرة.
فالمدينة كمستودع "للمدنية" (لكن أي مدنية!)، تتعارض مع فكرة التوتاليتاريا. تتعارض مع فكرة "الهوية" الواحدة. تتعارض مع فكرة القالب الايديولوجي العسكري وحتى المدني الموحد. تتعارض مع نفي أو مجّ أي جديد. وأي مجترح. وأي مبتكر. وأي تمرّد. وأي خروج. وأي جنون. وأي حكمة...
بيروت عَنَتْ في الماضي، وما زالت،إنها في حالة مغادرة دائمة، مغادرة لكل هوية قاتلة. مجمّدة. حتمية. تاريخية. قدرية. مغادرة لكل طغيانية تتسلط بقوة شعارات "المجتمع الواحد"، والعائلة الواحدة... بيروت، ككل مدينة حية تغادر ذاتها باستمرار لتعود إلى ذاتها أقوى. وهذا هو معنى الانفتاح، ولقاء الآخر، والتسامح والحرية. والفردية. بل هذا هو معنى الابداع بامتياز.
وبيروت في قلب هذا المعنى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.