8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهاتير وشيراك ومعاداة السامية

ليس معروفاً عن الرئيس الماليزي مهاتير محمد أنه من الصنف المتطرّف، أو من مؤيدي خطاب بن لادن الفسطاطي، ولا بعدائه للامبراطورية "الطازجة"، ولا حتى باتخاذه مواقف ضد "السامية"، وضد اليهود، تشير إلى عنصرية سافرة أو تقوقع ديني أو إطلاقية اثنية.
صحيح أنه يمثل أكبر دولة "اسلامية"، إلا أنه من خط الاعتدال، أي من أهل السياسة. ولهذا حارب ما يُسمى "الارهاب والأصولية"، الذي يرى فيهما مجافاة لمفهومه للاسلام. وهو الذي طالب عبر منظمة الدول الاسلامية بإدانة العمليات الانتحارية (الاستشهادية) الفلسطينية. ومعروف أنه بعد الحادي عشر من أيلول ضاعف من تنسيقه مع القوى الأمنية الأميركية للحد من الأصولية المنتشرة في ماليزيا.
وإذا لم يكن مهاتير محمد "ديموقراطياً" إلا أنه، على الأقل، أجرى انتخابات برلمانية قادت المعارضة إلى البرلمان في دورتين.
مع هذا لم نُفاجأ بأن تلصق به التهمة "الأبدية" الجاهزة "معاداة الصهيونية" لأنه أعلن "أن اليهود يحكمون العالم بالوكالة". وَكَرُ دبابير وأفاعٍ وحشرات انفتح عليه من كل الجهات، وأدرج بسرعة فائقة في قائمة "المعادين للسامية" بصرف النظر عن مواقفه وآرائه المتصلة بهذا الشأن.
ولقي الرئيس الفرنسي شيراك المعتدل بامتياز (وقبله ميتران الذي ساعد اسرائيل على بناء ترسانتها النووية، ومعه اليسار الفرنسي والخضر والكتّاب والفنانون)، "مصير" مهاتير عندما صنَّفته جريدة "معاريف" الاسرائيلية بـ"معاداة السامية"، لأنه بحسب زعمها، "ساهم في الحؤول دون اتخاذ الاتحاد الأوروبي موقفاً يدين تصريحات مهاتير!".
ولم نُفاجأ أيضاً عندما اتهمت الجريدة الصهيونية "معاريف" مئات الألوف من الفرنسيين بالتواطؤ مع النازية، والتعامل معها، (عبر الجنرال بيتان) لاضطهاد اليهود إبان الحرب العالمية الثانية.
وكذلك لم نُفاجأ أن يُتّهم العرب والمسلمون وكثير من مسيحيي أوروبا وأميركا بالتهمة ذاتها. كما لم نُفاجأ برذاذ الشعار الصهيوني "المقدّس" يصيب بابا روما.
لم نُفاجأ، لأن هذه المسألة تكاد تصيب العالم أجمع، مما جعل كثيراً من السياسيين والمثقفين الفرنسيين (حتى المؤيد منهم لاسرائيل) يطرحون سؤالاً كان موضع سجال على امتداد السنوات الأخيرة في الصحف ووسائل الاعلام الفرنسية: هل يحق لنا أن ننتقد اسرائيل؟ وهل يعني انتقاد سياسة الدولة العبرية انتقاداً أو عداءً لليهود؟ وهل أن اسرائيل باتت "المقدس" الجديد الذي يُحَرَّم المساس به، مهما ارتكبت هذه الدولة من أخطاء واعتداءات وجرائم ومجازر وعنصرية؟ ونتذكر هنا مقالات مهمة في هذا الشأن لجاك أتالي (الاكسبرس)، وجان دانيال (نويل أوبسراتور) وكذلك مواقف مماثلة من قبل صحافيين وفلاسفة وكتّاب.
ونتذكر هنا من باب تعميم معاداة السامية على مجموع الفرنسيين، عندما اتهم شارون هؤلاء بمحاربة السامية ودعم الفلسطينيين لتقويض كيانه، وهدد (وبالديموقراطية العنصرية) بسحب يهود فرنسا إلى "وطنهم" اسرائيل كما تسحب المواشي من مرعى إلى مرعى! ونتذكّر بالمناسبة أيضاً كيف رد عدد كبير من المثقفين بأن فرنسا هي وطنهم لا اسرائيل برغم أنهم يهود.
إن "ثقافة" معاداة السامية كأنها صارت "مرض العصر"، ولعنته أو إحدى ظواهره السافرة، بل كأنما صارت ثقافة مكتملة العناصر والأسباب والأهداف. ثقافة مغلقة صارمة تتبناها اللوبيات الصهيونية بامتداداتها الاعلامية والسياسية والاقتصادية، لتنتج بإسمها ما يشبهها: الكراهية، الارهاب، الترويع، والعنصرية. هذه الثقافة وضعت العالم أمام خيارين: إما التواطؤ مع اسرائيل بكل أمورها وارتكاباتها، وإما التصنيف في الخانة العنصرية: معاداة العِرْق اليهودي الصافي ـ "شعب الله المختار"، إزاء شعوب الأرض غير المختارة... والمستباحة أيضاً.
هذه الثقافة المنظمة تنظيماً شعبوياً وتعبوياً، هي ثقافة فرض وإملاء. ثقافة "مقدس" جديد، أو الأحرى ثقافة "جدار" عنصري فاصل ورادع. وعلى كل مَنْ يخترقه أن يحسب ألف حساب. فعليك إذاً، وأياً كانت "حضارتك"، وتربيتك، وعرقك، وانتسابك، وبلدك، وتاريخُك، أن تبصم على مضامين ثقافة التحريم هذه، وتنخرط في آلياتها، وتنحاز إليها انحيازاً مطلقاً، وتروّج لها وللدولة العبرية "ظالمة أو مظلومة". وعندها لا يهم مَنْ تكون. وماذا تفعل. وكيف تتصرّف ما دامت خلاصة كل ذلك خدمة بني صهيون و"السامية" (المزعومة)، وأحلام "أرض الميعاد"، واسرائيل الكبرى الطالعة من أدغال التوراة.
هذه الثقافة المكتملة، تردفها، لكي تكتسب مصداقيتها أمام "العالم المتحضّر!"، ثقافة ترويجية متممة لها ترسم صورة زاهية ومختلفة عن الدولة العنصرية. هذه الصورة تتجسّد في أن اسرائيل بلد ديموقراطي، بل البلد الديموقراطي الوحيد في المنطقة، حيث تقوم انتخابات "نزيهة"، وبرلمانات وحكومة ومعارضة وحرية تعبير وتعددية... إلى آخر هذه العناصر التي تدغدغ الجمهور الغربي وتدعوه إلى الفخر بهذه الدولة "الغربية" المزروعة وسط الدول "الشرقية" الاستبدادية والدكتاتورية والقمعية. وعندها تشتد هذه الثنائية، ويسهل التصنيف ويُصبح دعم إحدى هذه الدول المعتدى عليها أو تأييدها أو حتى إنصاف شعوبها، انحيازاً للدكتاتورية والتخلّف وللارهاب، وتالياً معاداة للحضارة السامية "المزدهرة". ويردف كل هذه الثقافة الشمولية الاطلاقية القائمة على الافراز والتصنيف "شماعة" الهولوكست، أو المجازر التي ارتكبها الغرب في حق اليهود (ولم يكن للعرب يد فيها) ليضاف إلى المقدس العنصري التاريخي، مقدس يومي وسياسي يجعل من ضحايا هذه المجازر جداراً جديداً بين اسرائيل والعالم لا سيما العرب، بدلاً من أن يكون جسراً انسانياً. وإيّاك أن تمس هذا "المقدس" لا بأرقامه ولا بتواريخه. ومجرد التشكيك بالرقم الذي صار أيضاً "مقدساً" داخل مقدس، ترمى خارج التاريخ، مرجوماً بالعنصرية، ومحاصراً ومطارداً ومهدداً. إذ أنه يحق لك أن تشكك بواقعة تاريخية حصلت حتى في أميركا أو في الصين أو في روسيا... ويحق لك أن تشكك بعدد ضحايا هذه المعركة أو تلك الحرب... أينما حصلت إلا في "المقدس" اليهودي ـ السامي، وكلنا يعرف كيف عُومل روجيه غارودي لتشكيكه، ليس في فرنسا فحسب وإنما أيضاً عند بعض المثقفين العرب!
كل شيء بات مقدساً داخل مقدس في اسرائيل، وباسم هذا "المقدس"، وبدعم القوة الأميركية ومالها وسلطانها وعسكرها وتفوّقها، يمكن أن تبرر اسرائيل كل شيء. يمكن أن تضرب سوريا وتتسرّب إلى العراق وتهدد لبنان وإيران وتدين فرنسا وأوروبا ومجلس الأمن والأمم المتحدة ومنظمة الدول الاسلامية وتستبيح الهيئات والقوانين الدولية وتبني المستوطنات وتدمر المدن وترتكب المجازر، يمكن أن تفعل أي شيء لأنها تتعامل مع نفسها كمقدس، وتريد أن يعاملها الآخرون بمثل هذا التعامل. فباسم المقدس العنصري، تشيع العنصرية، ومن هذه النقطة، تبدو كوحش الفي طالع من أدغال التوراة... من أدغال العنف والقتل والاستباحة، استباحة أي شيء وكل انسان.
وعلى هذا الأساس يأتي كلام مهاتير محمد وشيراك والمثقفين في العالم كأنه محاولة لاختراق هذا الدغل العنصري، الذي يَضجُّ بالوحوش والمسوخ. لكن ماذا يمكن أن يفعل العالم؟ ربما لا شيء في الوقت الحاضر، لعجزه عن كسر تابوات صُنّفت في الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وفي طليعتها "معاداة السامية"، أو هذا "الارهاب" المصلت فوق رأس الشعوب والأمم.
فهل كان مهاتير محمد وشيراك وفرنسا والناس والشعراء، بنقدهم اسرائيل، معادين للسامية أم متعاطفين مع الحرية والديموقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها... الأرجح أن هؤلاء كلهم كانوا على الطرف الآخر من العنصرية الصهيونية.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00