8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أوديسا الامبراطورية الجديدة

عندما تابعت نبأ نجاح إطلاق مركبة صينية مأهولة إلى الفضاء الخارجي، انتابني شعور مزدوج بالفرح وبالأسى معاً. بالفرح لأن دولة ـ قارة كالصين، انخرطت بظفر في السباق العلمي ـ التكنولوجي المتطوّر مع ما يسمى العرق الأبيض: الأوروبي (الاتحاد السوفياتي سابقاً 1961) بأول تجربة فضائية مأهولة (غاغارين)، والأميركي في المجال ذاته عام 1962.
دولة المليار و350 مليون نسمة، راكمت لَبِنَات التطوّر حجراً حجراً، وحصاة حصاة، وقطرة قطرة، لتخترق "أسوارها" القديمة، وجدرانها الايديولوجية و"الثقافية" الجديدة، لتنجز منذ أكثر من أربعة عقود، ما أنجزته الدول الكبرى، أو الامبراطوريات الكبرى في القرن العشرين. فمن شيوعية على الطراز السوفياتي (وبمعيته) في أزمنة الحرب الباردة، إلى ثورة ثقافية ماوية (الكتاب الأحمر) عادت فيها الصيغة السوفياتية (وباستقلالية معها حتى العداء)، إلى معادلة تجمع بين براغماتية "ليبرالية" اقتصادية إلى دكتاتورية ممركزة تضبط (وتقمع) آليات المجتمع والأفكار "الهدامة" الآتية من الأنماط الغربية.
صحيح ان صور ماو ما زالت تتصدّر النظام الصيني وتعلو جدرانه (وروح ماو كما يزعم الكثيرون لا سيما من أهل السلطة هناك)، إلا أن الصحيح أيضاً أن التجربة الصينية التي جمعت إلى حد كبير بين العراقة والحداثة، جمعت أيضاً بين انفتاح نسبي (وكبير) اقتصادي منذ أربعة عقود، وبين اشتراكية مضبوطة وصارمة مماّ أمن لها توازناً بين حرية اقتصادية محسوبة ومسقوفة (لا نعرف إلى أي مدى لم تصن فيها الفردية وحرية التعبير...)، وبين كبح سياسي وفكري غير محسوب. على أنها في الحالات جميعاً عرف أهل السلطة في الصين، وباكراً (وبالتوازي مع بعض الأحزاب الشيوعية الأوروبية: إيطاليا واسبانيا وأقل فرنسا في زمن جورج مارشيه) إنه لكي تطوّر "اليسار" (الشيوعي أو سواه) عليك أن تنحرف قليلاً إلى خلافه، أي إلى "ليبرالية" ما تساعد على فتح أبواب الصين على الأسواق العالمية، بمنطقها وآلياتها ومتطلبات إنتاجها وهذا ما حدث، ولو بقي التفاوت شاسعاً بين هذا الانفتاح وبين الحرص على عدم تشريع كل الأبواب والنوافذ على المفاهيم "الغربية" السائدة.
واليوم يمكن القول بإصرار أكبر "اطلب العلم ولو في الصين"، لأن هذا البلد لم يعد "آخر العالم"، ولا في آخر المخيّلات، بقدر ما اقترب من العالم كله، العالم الحديث "الأرضي"، والعالم الفضائي اللانهائي، وعندها يمكن أن تتصوّر، أن هذين اللقاءين الكبيرين الاقتصادي والعلمي سيجعلان من دون شك الامبراطورية القديمة "المُسيَّجة" امبراطورية جديدة "مفتوحة"، كأنما لتحل محل "الامبراطورية" السوفياتية البائدة. بل كأن المكان المناسب لهذه الامبراطورية الصفراء، أن تصبح نداً للامبراطورية "البيضاء". ولكن مع فوارق أساسية (حتى إشعار آخر)، بأن هذه الامبراطورية التي فجرت قمقمها الألفي، لم تُصب بعد بأمراض الامبراطورية الأميركية، المضروبة بالصلف والجنون والجشع والكذب والهيمنة والعنف والعدوان والفوقية والشعور بالتفوّق "العرقي" أو الحضاري أو العسكري، والاستباحة، أي كل ما يجعل كل امبراطورية، امبراطورية كريهة ممجوجة. أي إزاء امبراطورية قوية لكن خفيفة خفة ايديولوجيتها المحافظة والمتطرّفة بيمينيتها وعنصريتها، وأخرى راسخة بقوة تماسكها التاريخي العريق والحديث، امبراطورية (أميركية) تصدِّر الظلم والاستغلال والعدوان وتبرير المجازر والاحتلالات وتجاوز المؤسسات الدولية (الدولة الأميركية مرجعية فوق كل المرجعيات العالمية)، وأخرى آتية من روح دول العالم الثالث ومن صميمه وتناقضاته بكل معاناته وفقره ومشاكله وتخلّفه... وضعفه.
هل يبدو الحديث عن دور "امبراطوري" للصين معادل للأميركيين مبكراً؟ ربما نعم! ولكن هل يبدو استشراف هذا الدور بعيداً وفي غير مكانه؟ ربما لا! "فالتنين" الصيني آتٍ، هذا "التنين" الأسطوري سيتحوّل قوة عالمية ستشارك في صناعة التاريخ الحديث، ونتمنى ألا تكون هذه المشاركة عبر الحروب والعدوان والاحتلال كما هو شأن صُنّاع العم سام.
تكلمت عن شعور بالفرح إزاء النجاح الكبير للصين في إرسال مركبة مأهولة إلى الفضاء الخارجي، ولكن ثمة غصة. غصة في الحلق، تُحس بها، وأنت تنظر حواليك، إلى العالم العربي، الذي ما زال وكأنه خارج التاريخ. وصناعته. وإبداعه. وخارج أي دور يخوّله المشاركة في الاجتراحات العلمية والتكنولوجية والصناعية، والانجازات التي تتسارع حولنا، ونحن في دوامة العقم والاستقالة من أي دور، والاستهلاك استهلاك كل شيء، والاستسلام الكلي "للقدرية" أو للقدريات الاستعمارية، وأشكال الاستغلال، والتفريط بالعقول والثروات، وتعميق أشكال التبعية، والغرق في مستنقعات الاتكال، والسلبية، والعجز، والدوران في أحاديث الخرافة، والشعوذة، واللاعقلانية، والانسياق في الظواهر القبلية والعشيرية والطائفية والفساد والدكتاتورية مما شلَّ الامكانات، وعطّل الاحتمالات، وجعلنا أمام أسوار عالية من التخلّف والتقوقع، والتردد على الهوامش والصفوف الخلفية.
وتسأل: ماذا ينقص العرب لكي ينجزوا ما أنجزته الصين؟ التاريخ؟ العراقة؟ النهضة الحداثة؟ الارث العلمي العربي الكبير؟ العقلانية العربية المشهود لها حتى من قبل الأعداء قبل الأصدقاء؟ ماذا ينقص هذه الأمة لكي تكون أمة منتجة، ومبدعة تصدِّر الفكر والاختراع والتكنولوجيا وتشارك المشاركة الفاعلة في صُنع الزمن والتاريخ؟ ربما لا شيء! وربما، حالياً كل شيء. لا شيء لأن الأنظمة القائمة منذ نصف قرن وما قبل، قضت على كل مقومات أن يعمل الفكر، والعقل، والمخيّلة، بحرية، ولأن هذه الأنظمة (هل هي أنظمة فعلاً أم فلول أنظمة؟) اخترقت الحكم بلا شيء. بلا خطط. ولا استراتيجيات، والأفكار التي اخترقت بها السلطة، مارست القمع والقتل والسجن والارهاب لوأدها؛ فتحوّلت آليات، مجرد آليات حكم سلطوية، بلا خلفية ولا هدف سوى التسلط والاستمرار في التسلط... ليوازي كل ذلك، (ويا للمصادفة!) إهدار للخيرات والثروات العربية الكثيرة والعميمة، على الفساد والنهب والسرقة والامتيازات الفئوية والحزبية والعائلية.
وهكذا، نبدو اليوم، أقرب إلى المصفقين، (ولو بدون أكفّ)، وإلى المتفرجين (ولو بدون عيون)، في هذه الحلبة العالمية التي تتصارع وتتنافس بإنجازاتها، وتستعبدنا بهذه الانجازات.
فرحنا بالملحمة الصينية الفضائية، لأننا تعوّدنا أن نفرح بالغير، لا بأنفسنا، ولأنه، من فرط يأسنا بذواتنا، وبأحوالنا (النافدة)، نأمل بما يحققه الغير... ولو في الصين، فلعل يصيبنا شيء من رذاذ هذه الشعوب، الذي كان هذه المرة، رذاذاً "مقدّساً"، من "المركبة المقدّسة" التي اجترحت أول ملحمة فضائية لأول امبراطورية تكتمل في هذا القرن.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00