8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إنتصار أكتوبر وثقافة الهزيمة

عندما تمكن العرب من تحقيق الانتصار في مصر وسوريا على العدو الاسرائيلي الذي كان يحتل أجزاء منهما، بدا الأمر، آنئذ، بالنسبة إلينا، وكأنه من باب المعجزات، ذلك لأن عادات الهزيمة، وثقافاتها المتنوّعة، كأنما كادت تتأصل فينا، بعد نكبة 1948، وضربة 1956 ونكسة 1967. بل كأننا، من تلقائنا، صَنَّفنا أنفسنا نحن العرب، أننا محكومون بالخسارة، وبأن اسرائيل محكومة بالنصر، وبأن جيوشنا لا تنتصر أبداً، وبأن جيش اسرائيل هو الجيش "الأسطورة" الذي لا يهزمه أحد، ولا يقهره "ملكوت".
وخِلنا، ولو لحظة زهو (ويحق للذين رزحوا تحت الاستعمار قروناً، مثلنا، وتكبدوا الخسائر طويلاً مثلنا، أن يشعروا بالزهو ولو لحظة)، أن ثقافة جديدة، لا بد من أن تعلو دعائمها، وترتفعراياتها، على هذه الأرض العربية الشاسعة، التي انتزعت أنظمتها "القومية"، و"التقدمية" والثورية و"الديموقراطية"، والعلمانية والمحافظة استقلالها من الاستعمار، أن تنخرط مع "الشعب" (من المحيط إلى الخليج) في لعبة رائعة من المشاركة في صنع التاريخ العربي الحديث. واستند عدد لا بأس من الناس وأهل الكتابة والتفكير والتمحيص والأصوات، والعقول النيّرة، وحملة الأحلام وباعتها، إلى أن "المنتصر" يخترق الواقع عادة بلا خوف، ولا خشية، ولا شكوك، ولا تردد، هكذا كنسمة ريح، أو كما تخترق سيارة الرؤساء "المكشوفة" بسلاسة مواكبَ الجماهير، بعد فوز، أو نصر مبين.
حرب أكتوبر كانت في أذهاننا بداية. أو فلنقل إشارة إلى واقع آخر. أو فضاء آخر، يلبيان هذه الاعتمالات الألفية التي تُعوّض علينا مرارة القهر الاستعماري الأوروبي الذي ذاقته وتَجَرَّعته طويلاً هذه المنطقة.
هذا ما صدقناه. (تقريباً الجميع وبلا إجماع رسمي). ورددناه، إلى أن بدأ يظهر العشب السام، في تلك الحدائق والغابات. وعندها، صمدنا. رفضنا التصديق: العهود الجديدة، ببواباتها العالية، ونوافذها المشرّعة على التحرير والحرية، ستكمل "مسيرتها". لكن العشب السام الصغير، الهزيل تحوّل أشجاراً وناساً وقامات ومدناً ودساكر: ها هي "الهزائم تطل برؤوسها علينا. أي ها هي الانتصارات العسكرية (برغم درسواراتها) تتحوّل هزائم سياسية. وها هي اسرائيل التي طُردت من أجزاء من الأراضي المصرية والسورية، كأنما تعود من بوابات الهواء، والسلام، والتطبيع، وها هو الواقع العربي يبدأ بالتصدّع. وهنا أتذكر مقولة أحدهم: إذا كانت نكبة 1948 أدت إلى نكسة 1967، وان نكسة 1967 أدت إلى انتصار 73، فإن هذا الانتصار الأخير كان فاتحة الهزائم والاختلالات والخلخلات والاهتزازات الكبيرة والصغيرة: فالشعارات الديموقراطية والتقدمية والوطنية وإتاحة حرية التعبير، وامتلاك الحرية الفردية، وممارسة سياسة الاختلاف، تحوّلت شبه دكتاتوريات عسكرية (مسلحة بحالات طوارئ دائمة) مناطقية عائلية وطائفية. والاستمرار في محاربة العدو لاسترجاع الأرض السليبة كبحت اندفاعه زيارة السادات إلى اسرائيل وما تلا هذه الزيارة من انقسامات بين مصر والأنظمة العربية تقرر عبرها عزل أكبر دولة عربية (وهذا ما كانت تريده اسرائيل: تحييد مصر التي حيَّدها العرب)، وسمعنا عندها عن تكوين جبهات عديدة "أعظمها" شأناً وشعاراً "جبهة الصمود والتصدّي" (!) و"جبهة دول الطوق" من دون أن ننسى، ابتداء الحروب الداخلية والأهلية ذات السمات الطائفية التي "صنعها" بعض العرب والقيادات لتحويل الأنظار عن هذا "الواقع" الجديد الذي شاركت في تصميمه اسرائيل وأميركا وهندست بعض "مناظره" قوى الهيمنة العالمية الكبرى آنئذ، ومنها الحرب التي فبركت في لبنان، وكانت كأنها تعويض عن خسائر بعض الأنظمة العربية وفشلها في تكوين صمود وحياة سياسية وديموقراطية ووطنية. وكان ما كان: والقارئ يعرف أبطال هذه الحرب في لبنان، ويعرف جيّداً وجوه العملاء والوكلاء العرب والاسرائيليين الذين يحتل بعضهم اليوم مراكز عالية في السلطة (مكافأة!)، ويعرف جيّداً أبطال الحروب الأهلية وشابهها في عدد من الأقطار العربية.
وإذا كانت المعركة "المعلنة" لاسترجاع الأرض قد تجمّدت في ظل الانقسامات داخل ما بات يسمى "النظام العربي!"، فإن هذه التراكمات والترسبات، وبداية تراجع الفكر القومي واليساري والوطني (بفضل هذا النظام الذي انتقل بعضه، من المناطق التقدمية إلى أحضان اسرائيل والولايات المتحدة)، أتاح للظواهر الطائفية والأصولية البروز.
زمن أميركا هَلّ! ولِمَ لا زمن الصهيونية عندنا أيضاً. وبين هذه الأزمنة التي نشأت فيها هذه الظواهر المناقضة للفكر القومي والعروبي والتقدمي، بدا وكأن ثقافة فاشية أخرى (جماهيرية واسعة على امتداد العالم العربي)، تُضاف إلى ثقافة الأنظمة الدكتاتورية القائمة، تتصاعد كالبخار الأسود وكالسموم، وتحاصر الناس والحرية والفضاءات المفتوحة. صار العالم العربي مقسوماً إلى ظاهرتين متأصلتين: المقدس الديني والطائفي والدكتاتورية العلمانية. الأولى تتجذر على حُطام الوعي القومي والمتقدم المكسور والشقي، وتنبت "وعياً" خرافياً وغيبياً وأسطورياً قاتلاً، والثانية تتجذر (بالتوازي مع الأولى وأحياناً بالتكاتف والتعاضد) بالعسكريتاريا والقمع واغتصاب السلطة وصولاً إلى جعل الحكام من "ولاية" الخلافة أو من "سلالة" الوراثة! ولم يعد معظم هذه الأنظمة في حاجة إلى تحقيق انتصارات اجتماعية واقتصادية وديموقراطية (ملأ السجون بالمعتقلين السياسيين والمحتجين والمعارضين)، ولا إلى روافد شعبية تكون الخلفية والشرعية له (حلّ الأحزاب وعطل النقابات ومؤسسات المجتمع المدني وأعاد تشكيلها في جبهات وطنية أو في هيئات مرتبطة به)، وعاش "سعيداً" بلا أحزاب ولا نقابات ولا ناس ولا قضايا سوى قضيته، وحده هكذا مدفوعاً بزهو باطل طالع من نرجسية دكتاتورية مدعومة بعسكريتاريا وأجهزة قمعية، ولا حتى إلى "ايديولوجيا" أو "فكر". فالطائفة في مداها الواسع، والعائلة والمنطقة في مدييهما القريبين أولى بحمايته.
ويعني ذلك أن عدداً من الأنظمة العلمانية بات عائماً على فئات طائفية ومذهبية وعائلية وقبلية، ويعني ذلك استدعاء حالات مشابهة داخل المجتمعات العربية التي طفت بدورها على بركان باطني من الطائفية، وأصيبت بشروخ بالغة.
فكل شيء جاهز، أنظمة معزولة، فاشلة، فاسدة، طائفية أو مذهبية أو سلالية، وأزمات اقتصادية، وأفكار مغيّبة، وقمع منظم، و"استهزام" مجلبب بالذل، وتبعية شبه مطلقة للقوى الخارجية (الكبرى) وعلى هوامش ذلك وفي صلبها تشتد شكيمة اسرائيل والولايات المتحدة، عبر حروب سافرة على الفلسطينيين والعراق ولبنان وسوريا (وغداً السعودية وإيران)، وعلى هوامش ذلك قطَرَت أميركا عدداً من العرب (وورطتهم) في حروب الخليج الثلاث، والنتيجة دخولها إلى المنطقة، واحتلالها العراق ومَنْ يعرف إلى أين تصل في القريب العاجل أو المؤجل.
لكن من خلف هذه الظلمات، والهزائم، لا بد (كما حصل في 1973) من أن يلمع ضوء كالمعجزة ولمع: المقاومة اللبنانية في الثمانينات ضد العدو الاسرائيلي، والمقاومة الحالية بعدها، والتي طردت هذا العدو من لبنان، من دون أن ننسى الانتفاضتين الفلسطينيتين في الأراضي المحتلة.
بعد 30 عاماً من انتصار أكتوبر، يبدو العالم العربي بأنظمته وناسه وحتى تاريخه، في المنقلب الآخر: المنقلب الذي يبدو أن النزعة الاستقلالية قد طويت أو وضعت في الخلفيات، لتحل محلها النزعة التبعية للاستعمار.
والمستعمر المتوحش الجديد، امبراطوري ابن جمهوري، الذي استغل قصف البرجين من أناس شارك هو في صناعتهم واستخدامهم ضد أعدائه، ومن أصولية ساهم في استنباتها وانقلبت عليه، صار عندنا بلا إذن ولا استئذان، يصول ويجول معتمداً على تفوّقه العسكري و"تفوّقه" العنصري و"الالهي" و"الرسولي"، ليجتاح الأرض ومَنْ فيها ومَنْ عليها وحتى تحتها (سوي قبر ميشال عفلق بالأرض)، راسماً لنا خريطة أفكارنا وأنظمتنا وسلوكنا وعيشنا وحياتنا وسياستنا واقتصادنا وحضارتنا... كأنه البديل "الايديولوجي" من كل التاريخ العربي وثقافته وأديانه وفضاءاته. استعمار جديد ينهش أجسادنا، وعقولنا، في الوقت الذي باتت بعض الأنظمة تستمرئ أنياب هذا الاستعمار وتدعوه أكثر فأكثر إلى السيطرة على مقدراتها، وسلب استقلالها.
في ذكرى انتصار أكتوبر، عدنا على بدء، من المرحلة الاستقلالية إلى المرحلة الاستعمارية، فماذا فعلتِ أيتها الأنظمة بنفسك، وبشعوبك، وبحاضرك، وماضيك ومستقبلك. في ذكرى انتصار أكتوبر، لا بد أن يلمع شيء كالمعجزة، إرادة كالمعجزة، تنطلق لتقاوم هذه الأنظمة الفاشية، و"المقدس" الاطلاقي، والاستعمار الامبراطوري الجديد، وثقافة الهزيمة المتفشية.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00