8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هيكل وكتابة الاستئذان

واستمر هيكل وصمد في الكتابة حتى الثمانينات، ومبكراً بدأ، في رحلة وعرة طافت ستين عاماً. ثم، وفي الثمانين، وربما، فجأة، أو على غير فجأة، قال سأتوقف. وربما لن يتوقف. ونظن أنه لن يتوقف. فالمسألة قد تكون بانت، عنده، وعند كثيرين أعمق من قرار، لأنها صارت مسألة وجودية أو مسألة حياة. تكون بالكتابة أو لا تكون. وهو كان بالكتابة أولاً، ولن يكون بدونها. فمناديل الوداع التي رفعها في المقالة ـ السيرة، يمكن أن تطوى كما تطوى ورقة. فالمسألة أكبر من القرار. لأن الكتابة عندما تصبح غريزة، تصبح من الحواس: الحاسة الأولى أو الرابعة أو العاشرة مَنْ يدري. ولأنها تصبح غريزة كالحياة أيضاً أو كالموت، فإنها تتجاوز أن تقاس باليأس أو بالرجاء. بالدور أو بالغياب. تصبح مجانية كالشعر. أي وجودية (أونتولوجية) كالشعر أيضاً. (كأن كل غريزة شعر). قدرية. وهكذا الكتابة. ونتذكر سيزي وصخرته التي يدحرجها من أعلى الجبل إلى السفح، إلى الأبد. من دون أن يأمل أن يكون لهذه الدحرجة وتلك الصخرة، ما يغيّر لا في الطريق ولا في الجبل ولا في السفح.
وهيكل، على امتداد تجاربه، منذ أن كان "مثقف السلطة" أو "رجل الرئيس" (عبد الناصر) أو صداه أو مستودع أسراره، وفي ما يسميها "شرعية يوليو" (الثورة عند الدولة)، أو على هامش السلطة وبقوة (أو هامش الرئيس، السادات) في ما يسميه "شرعية أوكتوبر"، أو على هامش الدولة ـ الثورة والانفتاح المكرس (مبارك)، إلى كل التحوّلات الراهنة في ما نسميها "شرعية العولمة" (أو شرعية الامبراطورية المعولمة)، لربما، عرف، أو استشف أو استقرأ (لا أدري) أن الكتابة مهنة القبض على الريح. مهنة الانخراط في التراجيديا (السفلى أو العليا)، أو مهنة تشييع الأفكار الكبرى أو الصغرى، والتحوّلات، حتى من دون أن يتسنى لأصحابها أن يكونوا شهوداً أو متواطئين أو ملوثين برياحها.
ومع هذا تستمر الكتابة. وحدها. وعندما قرأت منذ بضعة أيام الباحث والمفكر تيودوروف يعلن في مقابلة له في "الاكسبرس": "إن الأفكار تدك عروش الممالك" تبسمت كثيراً، وحنوت كثيراً على هذا الطفل الكبير الرائع، على هذا الحالم الكبير، الذي يريد أن يبرر جدوى استمراره في الكتابة والتفكير والتضامن مع الشعوب والقضايا الكبيرة. إنه العائد من "الزمن الجميل" الذي قد لا يتكرر، والذاهب إلى زمن لا حول له فيه ولا قوة. هيكل توقف. ربما لأنه ما زال يؤمن بأن الأفكار تغيّر العالم. تماماً كما كان يؤمن رامبو والسورياليون بأن الشعر قادر على تغيير العالم.
ولكن ما حدث على امتداد القرن على أرض الواقع قد يكون معكوساً: فبدلاً من أن نغيّر العالم، فقد غيَّرَنا العالم. صرنا مثله. ضاع الهامش الذي يتيح لأهل الفكر والشعر والرؤى، أن يكونوا في مقدمة التاريخ الذي يُفترض أنه يمشي. صاروا في مؤخرة التاريخ المفقود. ولا بد من أن هيكل الذي رافق ما رافق من تغيّرات وتبدّلات وثورات وما آلت إليه، يعرف أكثر منا جميعاً، أن ما يُكتب ويفكر وحتى ما يُحس يتكدّس على سطوح التاريخ أو في كسوره، أو جلود الواقع، في انتظار مَنْ يجمعه أو يُحرقه أو يتناهبه. ولا بد أن هيكل يستحضر تاريخه الخاص (وهو أيضاً في جزئه تاريخ عمومي): كيف بدأ في المهنة، وكيف تنقّل بين المجلات والمناصب حتى وصوله إلى "الأهرام"، فإلى "وجهات نظر"، ومن خلال كل ذلك كتابة الكتب، وبهذا الحس التاريخي والتأريخي، والتحليلي والتوثيقي، والتجميعي والاستقرائي، قد يستعرض في الوقت ذاته الأحداث الكبرى: 1967، موت عبد الناصر، 1973، 1975 (حرب العملاء على لبنان) فحرب الخليج الأولى فالثانية فالثالثة، وحروب روندا والبوسنة وأفغانستان، وتدمير البرجين فحروب أفغانستان الثانية، فحرب الأميركيين على العراق، وحروب السودان، وبن لادن، والملا عمر، (وسيتذكر للحظة كاسترو، نهرو عبد الناصر، وغيفارا...)، وحروب الصهاينة على الفلسطينيين، والانتفاضة الأولى، وانتفاضة الأقصى، ومصير عرفات... (ولا ينسى أبو مازن وقريع ودحلان ورجوب)، وبوش، وتحوّل أميركا جمهورية إلى امبراطورية، وما آلت إليه الديموقراطيات "الغربية" (ديموقراطيات السوق والاستغلال والتسليع أيضاً) التي صارت تشبه "ديموقراطيات" الدكتاتوريين والاستبداديين في عالمنا العربي والعالم الثالث...
لا بد أن هيكل يستحضر كل هذه الأمور والأحوال، ونهاية مراحل وتاريخ، وموت الأفكار، والايديولوجيات وانهيار الاتحاد السوفياتي، وجدار برلين، والعولمة، والحداثة و"القومية العربية"، و"الجماهير" (وأين هي)، والأصوليات (من أميركا حتى أفغانستان مروراً بكل الحروب الطائفية والدينية والقبلية والاثنية). كل شيء واضح أمامه. لكن الأوضح: ما آلت إليه هذه الأمة (بسبب أنظمتها) في زمن يُقال أنه "ما بعد الدكتاتورية!"، (وأيضاً ما بعد الديموقراطية): هزائم، ارتهان، فساد، ظلم، فقر، ذل، استسلام، يأس، أفق مسدود، اضطهاد، هجرات، انحطاط، انهيار، تسلط، أمية، ظاهرة توريث الأبناء والأقارب، الهوة بين أهل الحكم والناس، الفوارق الاجتماعية... كل هذا يبدو واضحاً لهيكل... "كباقي الوشم في ظاهر اليد". لكن ماذا فعلت الكتابة. ثقافة نهضوية كاملة. صحافة. (يُقال عن المسكينة عندنا أنها السلطة الرابعة!) مسرح. شعر. رواية. فلسفة. نضال. التزام... لا شيء. التاريخ بآلياته وتعرجاته وجنونه أيضاً في كان. والكتابة في أمكنة أخرى. خطان متوازيان قد يلتقيان صدفة... ويفترقان بلا لقاء. ذلك أن الكتابة (عند أهليها وأكثر عند أهل السلطة والقرار والطغيان)، هي في أفضل أحوالها ذريعة مجرد ذريعة. مجرد تزويق وزركشة على جداريات السلطان والحاكم وحتى الأحزاب والمنظمات. ذريعة وتبرير. وعندما تنتفي أن تكون ذريعة وتبريراً تُوارى المستودعات والغبار والنسيان أو الاضطهاد (تنتهي صلاحية الاستهلاك).
فماذا يمكن أن يفعل انسان (كاتباً أو صحافياً أو مفكراً) إذا فَقَد كل ما يبرر وجوده؟ كل ما صنع حياته؟ أي كل ما جعله يكتب ما كتبه. وماذا يكتب. وهل يستمر؟ ولماذا؟ وهل يواصل من أجل تغيير العالم (وقد نفدت أدواته) أم أنه يواصل من أجل أن يستمر وجوده، وهو يعرف ومتأكد من أن أي كتابة اليوم (وربما في كل زمان) هي كتابة بلا أثر. كتابة بلا فعل. بلا تحفير. كتابة على الهواء. وعلى الماء. وعلى الرمل.
ماذا يفعل كاتب أو صحافي أو أي انسان عندما يكتشف أن كل "مشاريعه" الفكرية والسياسية قد تداعت. هل يبقى وحيداً؟ هل يختار سواها لتلقى أيضاً مصير ما سبقها، ثم من جديد يبقى وحيداً، وهكذا دواليك في هذه الدوامة العبثية؟
كل ما آمن به هيكل وأهل اليسار واليمين والنهضويون والايديولوجيون والقوميون والناصريون والعروبيون والحداثيون والتقليديون، تثار أمامهم اليوم. مجرد تذكارات. فماذا يمكن أن يكتبوا؟ ولماذا عليهم أن يكتبوا؟ وما جدوى الاستمرار في الكتابة؟
هل مثل هذه الأسئلة تعني أننا نبارك اعتزال هيكل الكتابة؟ على العكس! فالذي يعرف أن كل ما كتبه أو معظمه، نفدت أحواله ومآلاته، ويستمر، ينفي أن الاستمرار في الكتابة ضرب من ضروب تجاوز المهنة والتوقعات والتنبؤات والايمان. لتكون ضرباً من ضروب "الحلم" (حلم المنام أم حلم اليقظة)، ضرب من ضروب "النضال" بيأس، والنضال بيأس تصبح فيه الكتابة من مُتع اللاجدوى أي من مُتع الشعر، أي من مُتع تبرير الوجود.
فيا أستاذنا الكبير، لا تستأذن أحداً. استأذن الكتابة وحدها. وأنا أكيد من أنها لن تأذن لك بمغادرتها.
بول شاوول

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00